“أتت أسماء بنت يزيد الأنصارية النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك وأعلم -نفسي لك الفداء- أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله. وإن الرجل منكم إذا خرج حاجا أو معتمرا ومرابطا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم وربينا لكم أولادكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تـَبـَعـّـل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته تعدل ذلك كله. فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشارا”.

هكذا يعدل عمل المرأة اليومي ومهنتها في بيتها الجهاد والحج والجمع والجماعات، فهمت الصحابيات الجليلات بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هل قعدن لما نادى منادي الجهاد؟

أسماء وافدة النساء وحاملة البشارة شاركت في غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاريخها الحافل بالبطولات كانت أحسن قدوة لمن خلفها في الزمان والمكان من النساء.

على خطاها تقف النساء المقدسيات، على خط المواجهة الأول مع الاحتلال للدفاع عن القدس مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه، منذ مطلع القرن العشرين لما أدركن خطورة ما يحاك ضد الشعب الفلسطيني من مؤامرات لطرده من أرضه، وجلب اليهود من كافة أنحاء العالم لتوطينهم فيه، عمدت إلى محاربة الاحتلال ومقاومته بأشكال ووسائل متعددة ومتنوعة. أولاها العمل على تثبيت الهوية الإسلامية من خلال التاريخ الشفوي الذي ترويه ودورها في حفظ الذاكرة، والتدقيق في تفاصيلها، وحمايتها من الطمس والضياع.

ثم المشاركة في المظاهرات والإضرابات وإرسال رسائل احتجاج واعتراض إلى كل الشرفاء والأصوات الحرة في العالم. كما شاركت في الجهاد في الميادين من خلال تزويد الرجال بالعتاد والسلاح، والدعم بمهمات استطلاعية، بل حملت السلاح والحجارة في وجه الجنود.

ولأنهن يحملن على عاتقهن حماية المسجد الأقصى فقد نالت المقدسيات النصيب الأوفر من المعاناة:

سحب الهويات:

تتعرض المقدسيات منذ عام 1967م إلى الآن، لسحب هوياتهن وتجريدهن من حقوق إقامتهن، ومن أبسط حقوقهن، فاختيار شريك الحياة يعد جريمة في عرف الاحتلال لأن المقدسية إذا قررت الارتباط بشاب من الضفة الغربية أو قطاع غزة، فإن الاحتلال يسلب منها هويتها ويحكم عليها وعلى شريك حياتها وعلى أطفالها بالشتات بقية حياتهم.

فتخوض المقدسيات حربا مريرة مع الاحتلال للاحتفاظ بالهوية وحقوق الإقامة وكذا لم شمل الأزواج والأولاد الذين يعيشون في حالة شتات. وذلك لما للإبعاد عن القدس الشريف من تداعيات غاية في الخطورة؛ أولاها تنفيذ مخطط الاحتلال القاضي بتهويد كافة شوارع وطرق وأزقة البلدة القديمة ابتداء من باب الخليل ووصولا إلى تهويد المفاصل الرئيسة في القدس وما يتبعه من شل للحركة الدينية والاقتصادية والاجتماعية.

الطرد من البيوت:

لم يترك الاحتلال حيلة إلا سخرها لدفع المقدسيات وعوائلهن إلى الهجرة نحو الضواحي. فتتكبد المرأة المقدسية الويلات يوميا في الدفاع عن منازلهن حيث تعمد جيوش الاحتلال إلى هدم البيوت أو الاستلاء عليها أو مصادرتها لإسكان المستوطنين داخلها. فمنهن من جادت بكل ما تملك وصبرت على شظف العيش لتتمكن من دفع الضرائب الباهظة المفروضة بسبب أو من غير سبب من قبل سلطات الاحتلال. متشبثات ببقائهن في مدينة القدس رغم المضايقات المستمرة من جنود الاحتلال والمستوطنين. 

مضايقات المستوطنين:

ينضاف إلى كل هذه المعاناة حملات الانفلات العنصري من قبل المستوطنين الذين أذن لهم بحمل السلاح بشكل دائم، لمواجهة ما وصفه الاحتلال بـ””الإرهاب” الفلسطيني في المدينة”. ما زادهم جرأة على التخريب والشغب وإثارة الفوضى وأعمال العنف واستفزاز المسلمين خصوصا النساء. إذ يقومون بالتعدي على المقدسيات بالضرب والركل والشتم والصراخ وإطلاق الهتافات العنصرية الهستيرية ونزع حجابهن ومطاردتهن التي تصل غالبا إلى اقتحام البيوت وتخريب الممتلكات، وذلك على مرأى ومسمع من جيش الاحتلال، الذي لا يتدخل إلا لحماية مستوطنيه من ردة فعل المقدسيات، اللواتي يقفن بكل شموخ مدافعات عن شرفهن وحرمة بيوتهن من أن تدنسها أيادي المغتصبين.

أما بالنسبة لجرأة المستوطنين على اقتحام المسجد الأقصى فتهب المقدسيات وأطفالهن للحيلولة دون تدنيسه من قبل هذه الجماعات المتطرفة الهمجية الفاشية. فتقفن سدا منيعا تفدينه بالنفس والنفيس تارة بالكلمة القوية وتارة بالشعارات المدوية وتارات عدة بالتدافع مع المستوطنين غالبا ما تنتهي بإصابتهن بجروح متفاوتة الخطورة.

الأمومة في أرقى معانيها:

أدركت المقدسيات أن الاحتلال الغاشم يتغيى القضاء على المقدسيين وإنهائهم، لذا حرصت حرصا كبيرا على الإنجاب لما له من أهمية في ظروف حرب الإبادة التي يعيشونها. فأنجبن بكثرة وربين أجيالا من المجاهدين الأحرار فلا عجب أن ترى أطفالا يقفون في وجه الدبابات وفي وجه جيش يحمل الرصاص المدجج ويختبئ من حجارة صبي. لا عجب أن ترى رضعا تنتصب رضاعتهم في وجه الجنود. ولا عجب أن ترى صبيا تفيض روحه وهو يحمل شارة النصر. ولا عجب أن ترى طفلا يقتاده جنود الاحتلال سحلا وهو يكبر. ولا عجب أن ترى فتاة في عمر الزهور تلقي حقيبتها المدرسية لتحمل السلاح “الحجارة” وهي عائدة من مدرستها حين اشتبكت أمهاتها مع العدو.

من أي طينة هن هؤلاء النساء اللواتي استطعن أن يحافظن على معنويات أزواجهن وأبنائهن مرتفعة في ظل الظروف التي يعيشونها يوميا ومنذ ما يزيد عن 70 سنة، مواجهات مستمرة، تفقير ممنهج، استفزازات بالجملة، تهجير مدبر تداعت المصائب والنوائب فلم تنل من عزمهن بل زادتهن ثباتًا على الموقف.

لا عجب لأنهن فهمن أن وقود الجهاد قيام الليل والصلوات والتبتل والدعاء والبكاء بين يدي المولى عز وجل. فمن قلبه معلق بربه يمدده ربه بالقوة والعزم ويبدل حزنه فرحا وضيقه سعة، لذا تودع الأم الشهيد وهي تكبر وتودعه وداع من يرى عين اليقين مقامه في الجنة. تودعه وتحمله رسائل إلى الآخرة.

يعجز العقل أن يستوعب كيف لأم مكلومة أن تودع شهيدها بجلد تنوء عن حمله الجبال الشامخات، فهيهات أن نفهم إن لم نتوسل لربنا أن يزيل عن قلوبنا الغشاوة فنرى بنور الحقيقة وعين اليقين.

ولهن قصة مع الأقصى:

ذهب عبد الله ابن المبارك إلى الجهاد وتخلف أخوه ليعبد ربه متعلقا بأهداب الكعبة المشرفة، فبعث له أبياتا يعاتبه على تخلفه قائلا:

يا عابدَ الحرمينِ لوْ أبصرتناَ *** لَعَلِمتَ أنَّك فَي العِبَادَة ِ تَلْعَبُ

من كان يخضِبُ خدّه بدموعِه***فنُحورُنا بدمائِنا تَتَخَضَّبُ

أوْ كانَ يُتعبُ خيلهُ في باطلِ***فخيولُنا يومَ الصبيحة ِ تَتعبُ

ريحُ العَبِيرِ لَكُمْ وَنَحنُ عَبِيرُنَا***رهجُ السنابِكِ والغبارُ الأطيبُ

ولقدْ أتانَا منْ مقالِ نَبينَا***قولٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لا يَكْذِبُ

لا يَستَوي غُبَارُ خَيِل الله فِي***أنْفِ امرِىء وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ

هَذَا كَتَابُ الله يَنْطِق بَيْنَنَا***لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِّتٍ ـ لاَ يَكْذبُ

في الوقت الذي يتشدق فيه المتشدقون في المحافل عن القضية الفلسطينية وعن معاناة الفلسطينيين، وحين يتجر البعض في مؤتمرات لا تنتهي وقمم اداركت حين تمخضت فولدت اتفاقيات واهمات بسلام ملطخ بدماء الأبرياء، ومآسي أطفال سرقت طفولتهم وحرموا من أبسط حقوقهم “العيش بسلام وأمان”، ومآسي نساء يواجهن عزلا واقعا بغيضا وتحديات بشتى أنواعها وألوانها. تتصدر المقدسيات المرابطات في شوارع القدس المعتكفات في ردهات وساحات الأقصى لتعلمنا كيف تكون العبادة استرخاصا للروح فداء للأقصى أن تدنسه أقدام الغاصبين وتطمس تاريخه وتغير معالمه المقدسية يد العابثين الحاقدين، وكيف تسكب الدموع حرقة لقلة ذات اليد وقلة الحيلة أمام خذلان شعوب مسلمة عربية عاجزة ارتضت أن تقبع تحت حكم جائر جبري تتجرع الهوان ألوانا، وأمام حكام هم أصل الرزية ورأس البلاء. وكيف يكون الثبات والصمود هوية تصنع بيد خضبت بالدماء الزكية لنساء لا كالنساء.

خاتمة:

إنه جهاد متعدد الواجهات، جهاد الكلمة، جهاد التعليم، جهاد الثبات، جهاد الموقف، جهاد الصبر، جهاد الزحف، جهاد التعبئة، جهاد التربية، تفننت المقدسيات ونالت البطولة فبشراكن وسعداكن يا أخوات الرسول صلى الله عليه وسلم وبنات أسماء. أنتن يا من يعشن في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لا تزلن ظاهرات على الحق لا يضركن من خالفكن.

فهنيئا لكن يا مقدسيات لقد أعطيتن برهان صدقكن صلاة وجمعا وجماعات ورباطا واعتكافا وصياما وصبرا وثباتا وجهادا بالنفس والنفيس، ما تركتن بابا من أبواب الدخول على الله إلا وكان لكم منه النصيب الأوفر، لا نملك إلا أن نقول سبحان الله ناصر المستضعفين سبحان الله قاسم الجبارين. وتبقى المقدسيات على أهبة الاستعداد للدفاع عن القدس إما نصرا من الله أو شهادة في سبيله.