تشكل الطفولة الحجر الأساسي في بنية شخصية الفرد واستقراره الانفعالي وعلاقته الاجتماعية على مختلف مستوياتها. ويعتبر اللعب من أهم الأنشطة التي يمارس فيها الطفل هويته، وإثارة تفكيره، وتوسيع خياله، وتكوين شخصيته وإشباع احتياجاته.

1- مشروعية اللعب عند الأطفال

قال تعالى على لسان إخوة يوسف … أرسله معنا غدا يرتع ويلعب… ذلك لعلمهم بحب الطفل للعب وحب الأب لما يحبه ولده ، فما أنكر عليهم أبوهم لعب يوسف عليه وعلى والده السلام. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلعب مع الغلمان في صغره (حدث شق الصدر). كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلاعب الحسن والحسين رضي الله عنهما، وأطفال الصحابة رضي الله عنهم.

 2- أهمية اللعب وفوائده

 من فوائد اللعب نذكر:

 – تنفيس التوتر الجسمي الانفعالي.

 – تعلم أشياء جديدة عن نفسه وعن العالم حوله.

 – التعبير عن حاجاته التي لا يعبر عنها بتعبير آخر.

 – يعطي للطفل الفرصة لاستخدام حواسه وعقله وزيادة القدرة على الفهم.

 – النمو المعرفي والوجداني الاجتماعي.

 – أثناء اللعب يفرغ الطفل رغباته المكبوتة العدوانية وتوتراته واتجاهاته السلبية ونقلها من داخله النفسي إلى الخارج (اللعبة).

 وها نحن اليوم قد صبت علينا التكنولوجيا الحديثة من ميازيبها حواسيب وهواتف ذكية ولوحات إلكترونية… ما سهل الصعب وقرب البعيد… لكننا أسأنا استغلالها حين جعلناها أدوات لعب لأطفالنا.

 3- الآثار السلبية للهاتف

 إن للاستخدام المفرط للهواتف الذكية آثارا سلبية على نواح أربع في نمو الطفل: نموهم الجسدي، والذهني، والانفعالي (العاطفي)، والاجتماعي.

 إن نمو التفكير التخيلي عند الطفل في سن الخامسة غاية في الأهمية، كونه يعتبر المرحلة الثانية بعد التفكير الحسي ومرحلة تسبق وصول الطفل إلى التفكير التجريدي، وإن الاستخدام المفرط لجميع الأجهزة الحديثة والذي يزيد على ساعة يوميا يضعف من هذه القدرة النمائية في الجانب الذهني، كون هذه الأجهزة توفر له الخيال وبالتالي تشكل الصور الذهنية بطريقة آلية بغض النظر عن رغبة الطفل.

كما أن الإفراط في استخدام هذه الأجهزة يصيب الطفل بخمول جسدي واضح، وضعف شديد في التركيز خاصة عند الذكور في عمر 8 – 12 سنة، والسبب في ذلك تلك المشاهدات السريعة لمقاطع الصور التي تكون على الألعاب في هذه الأجهزة. الأمر الذي يؤدي إلى تخزينها في العقل الواعي أو اللاواعي عند الطفل ويستمر عقله في استرجاعها حتى بعدما يتوقف عن اللعب، مما قد يتسبب بتشتته وضعف تركيزه.

أما من الناحية الاجتماعية فإن الدراسات تدل على أن المهارات تضعف وتصاب بالتراجع بما يقارب نسبة 65℅ من الأصل الذي يجب أن يكون عليه بمرحلة الطفولة من سن خمس إلى عشر سنوات. ومن ذلك أن نسبة العدوانية الاجتماعية تزداد بشكل واضح، كون الطفل يشاهد مثل هذه المشاهدات، وبالتالي يحاكيها ويسقطها على حياته.

من ناحية أخرى هناك أطفال على النقيض من ذلك يصابون بالخجل والانطوائية جراء عدم نمو المهارات الاجتماعية من الحديث والتواصل الاجتماعي الجسدي كالسلام باليد، ومن التواصل الاجتماعي الإيمائي كالابتسامة وغيرها.

ومن أخطر الأمراض التي تصيب الأطفال بسبب الاستخدام الخاطئ لهذه الهواتف هو”التوحد الوظيفي” والناتج عن تعلق الطفل بعالم افتراضي وانعزاله عن محيطه الاجتماعي خاصة في حالة الآباء والأمهات العاملين وكثيري الغياب عن المنزل، وترك الطفل نهبا للأجهزة التقنية الحديثة.

ويحذر من هذه الأجهزة لما تتركه من آثار سلبية تتمثل في أمراض عضوية كالسمنة الناتجة عن قلة الحركة وصداع الرأس وآلام الظهر والرقبة والكتف وإجهاد العين…

4- متى يسمح للطفل باقتناء هاتف ذكي؟

أصبحت الهواتف الذكية جزءا لا يتجزأ من حياة كل منا في الوقت الحالي، حتى الأطفال، إذ لا يقتصر استخدامها على إجراء المكالمات الهاتفية فحسب، وإنما تستخدم أيضا لتصفح الأنترنت والدردشة واللعب….

وأكدت المبادرة الألمانية راقب ما يفعله أطفالك بالميديا) أنه لا يجوز أن يملك الطفل هاتفا ذكيا خاصا به إلا عند بلوغه 12عاما.

ولكي يتم استخدام هذه الهواتف بشكل سليم، أوصت المبادرة الأهل بضرورة الاتفاق مع طفلهم على قواعد محددة لاستخدام هذه الهواتف وتفعيل إعدادات الأمان بها وكذلك تثبيت البرامج المخصصة لحماية الأطفال والشباب عليها.

ونظر لأنه عادة ما يتعلق الأطفال والشباب بهذه الهواتف لدرجة أنهم لا يرغبون في تركها طيلة الوقت، مما قد يؤثر سلبيا على علاقاتهم الأسرية وتحصيلهم الدراسي، فقد أوصت المبادرة الأبوين بضرورة تحديد أوقات معينة لا يجوز خلالها للطفل استخدام الهواتف، يأتي على رأسها فترات تناول الطعام مع الأسرة وفترات تأدية الواجبات المدرسية، مؤكدة أنه ينبغي ألا يكون التواصل عبر الهاتف بديلا للأنشطة العائلية المشتركة أو مقابلة الأصدقاء.

5- دور الأبوين

يجب أن يكون الأب والأم أقرب أصدقاء الطفل حتى يستطيعوا حمايته بأفضل الطرق، كما يجب أن يوجد مقدار من الثقة بين الأبناء والأهل، حيث إننا لا نستطيع مراقبة أبنائنا طوال الوقت. ولا تعني الرقابة هنا المنع أو الوقوف كحارس أثناء استعمال الطفل للهاتف أو الإنترنيت، وإنما التوجيه والعمل على تنمية الرقابة الذاتية لديهم، حيث يجب أن يتعلم الطفل كيف يقوم استخدامه بنفسه. فإحساس الطفل بثقة أهله به يدفعه إلى المحافظة على هذه الثقة، لكن يجب أن يسبق هذه العملية حسن التربية وتعليم الطفل أمور الدين ولو بشكل عام مما يساعده على تمييز الحلال والحرام أو الخطأ والصواب بأكبر قدر ممكن وتفتح له الباب بحيث يستطيع اللجوء إلى الأهل في حال وجود أمور ملتبسة لا يستطيع تمييزها.

قال الإمام المرشد رحمه الله الخلق خلق الله، والهداية هداية الله، لكن الأم والأب يحسنان رعاية الجسد وتنشئته أو يسيئانها فتقوى بنيته أو تضوى، ذلك مسؤوليتهما. ويتخذان للنفس الجديدة والعقل المتكون والقلب الفطري مأوى حاضنا فيصلح عملا، أو يتركانه فيرعى مع الهمل هملا) (كتاب تنوير المومنات ج2 ص: 264).