بعد أن ابتلع النظام أحزابا عديدة، كانت إلى وقت قريب، يسمع لها زئير مخيف، ويحسب لها ألف حساب، وبعد أن تم ابتذال العمل السياسي واختزاله إلى مجرد خادم من الدرجة الثانية لسياسات تصنع خارج دائرة المؤسسات المنتخبة، ويتم إخراجها بطرق تفاجئ حتى من يعتبرون أنفسهم مسؤولين مباشرين حكوميا عنها، وبعد أن تم إغلاق منافذ التغيير السياسي الحقيقي، بالالتفاف على مطالب الشعب، عبر دستور مفصل على مقاس التحكم والازدواجية بين الواجهة الديمقراطية والحكم الفردي الحقيقي، وبعد أن استفحلت الاحتجاجات الاجتماعية التي لا يعلم أحد أين يمكن أن تسير بهذا الوطن، خاصة مع التصلب المخزني إزاءها، وتقديم الحل الأمني على كل الحلول الممكنة..

بعد كل هذه الأمور، وبعد أن تبين للجميع، أننا في المغرب، ملزمون، اليوم قبل الغد، أن نفكر بشكل جماعي، ومستعجل، في فعل تاريخي تشاركي، نخرج به من مسار الحافة التي تنتظرنا لا قدّر الله، قبل أن يأتي يوم لا ينفعنا فيه أسف ولا بكاء، علينا أن نعتبر أن الكرة الآن في مرمى المجتمع السياسي وليس النظام الذي تأكد للمتابع أنه قد أصم الأذن ووضع الخوذة الأمنية القامعة بلا أدنى حس بالمسؤولية ولا أدنى خوف من المجازفة بما حاول تسويقه هو نفسه من “استقرار” و”خصوصية”..

لهذه الاعتبارات أضع هنا خطوطا عامة، في إطار أمل يحدونا لتيقّظ العقل، وانبعاث الضمير، وسموّ الإرادة الجماعية، لبلورة مخرج من هذا الاحتقان، وتفويت الفرصة على تجار الخراب، وعشاق المقامرة بروما… وأقصد، ضرورة حوار وطني، يتحمّل كل مكون سياسي مسؤوليته في إنجاحه، قبل فوات الأوان، ويتم بموجبه تحديد أرضية وطنية متوافق عليها من أجل بناء مغرب نعيش فيه جميعا، وننظم فيه حياتنا ومعاشنا، بعيدا عن الإملاءات الإقليمية الابتزازية، والأنانيات الإيديولوجية الضيّقة، والاعتبارات التاريخية المتجاوزة، والارتهانات النفسية أوالإثنية الخاصة.

حوار تمليه المصلحة الوطنية، ويبين أولويته وحتميته ما نرى في عالمنا العربي من تناحر طائفي، وحروب أهلية، ولعب أجنبي بالدماء والثروات، حوار يخرج بموجبه عن صمتهم عقلاء هذا البلد، وتقف فيه الفعاليات المختلفة موقفها التاريخي والحضاري، قبل أن يفوت الفَوْت.

وأظن أنه قبل انطلاق أي حوار جدي ومثمر، بين الفرقاء السياسيين المناهضين للفساد والاستبداد، لا بد من ميثاق شرف، يحدد المبادئ العامة التي ينبغي للجميع أن يلتزم بها، وتحكم علاقته مع جميع المكونات الأخرى:

– الاعتراف بالحق الأصيل والطبيعي لجميع التيارات السياسية والإيديولوجية والتوجهات الفكرية في الوجود وحرية العمل، والتنافس في تقديم الحلول والبدائل والرؤى الكفيلة بخدمة هذا الشعب وبناء هذه الدولة على أسس ديمقراطية متينة.

– التبرّؤ التام من مسالك العنف، المعنوي والمادي، مهما كانت الخلافات والمناوشات (تدبير الاختلاف بالحوار، والمدافعة المدنية، والانتخابات، وساحة الإقناع…).

– التعاهد على البعد عن أي ارتباط خارجي، يتم بموجبه تلقي أموال أو مساعدات لخدمة أجندة خارجية، وعلى أن يبقى التنافس السياسي داخليا، وألا يتم الاستقواء بالخارج مهما بلغت حدة المدافعة السياسية المدنية.

– الاعتراف بأن البلد في حاجة إلى جهود الجميع، وأن كل تيار أو فصيل سياسي، يشكل مصدر قوة وعامل إثراء ورافعة نجاح لفعل سياسي وطني حقيقي، وأنه لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، أو الحل السحري لمعضلات البلد.

– اعتماد آلية الحوار لتنظيم الاختلاف، وصياغة خارطة طريق وطنية للبناء الديمقراطي.

وبعد هذا ينطلق حوار عام، يضع عناوين لكل مرحلة من مراحله، ليقرب فيها وجهات النظر، وينظم الاختلاف، ويكرّس الأمور المتفق عليها، لتكون منطلقات للعمل التشاركي المطلوب، ويضع ضمن أجندته:

أ- فرض الإرادة الشعبية عبر دستور جديد تتم صياغته عبر جمعية تأسيسية.

ب- ضبط تفاصيل المرحلة الانتقالية وعدم صبغها بأي لون إيديولوجي.

ج- وضع آليات ومساطر لحل الخلافات.

ولا بد أن تسبق الحوار وتواكبه مجموعة من الإجراءات الضرورية، التي تفتل في إنجاحه، وتوفر له القوة اللازمة لإنفاذ الإرادة العامة، والإفادة من جميع الروافد الممكنة لفعل جماعي ضاغط في اتجاه إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية، ومن هذه الإجراءات:

– فتح حوارات قطاعية ومجالية، لإعادة بناء المنظمات الجماهيرية، الطلابية والنقابية، والشعبية، من أجل تجميع القوة النضالية المسندة للحلف الديموقراطي المطلوب أو الجبهة النضالية المرجوة، بالموازاة مع حوار فكري سياسي، لتحديد قواعد العمل الوطني التشاركي.

– ألا يقفز الحوار على الواقع ليناقش المبادئ العامة فقط، بل يحدد تشخيصا أوليا، يتم بموجبه، طرح أهم المداخل الممكنة لإعادة البناء السليم للدولة والمجتمع، مع تأجيل النقاش الهوياتي، الذي يتسرب منه نافخو الكير، لإحداث الاستقطاب المجتمعي الممهد للتدخلات الأجنبية الراصدة لأي ضعف أو انهيار للتماسك المجتمعي العام.

– أن تواكب الحوار وتسبقه وتليه، القراءات الناقدة المفتحصة للماضي، أي التاريخ السياسي الفردي والجماعي، للخروج من صناديق التمجيد النرجسي للذات، والوقوف فعلا على ممكنات فعل وطني عابر للإيديولوجيات، ومطلوب في هذا العمل، التعالي على صنمية التنظيم، وصنمية الأسطرة التاريخية، وصنمية اللغة السياسية المتوارثة في تعييب المخالف ولمزه، وفي تمجيد الذات الإيديولوجية وتقديسها، لأن المطلوب، هو إنقاذ البلد، وليس ربح بضعة أسهم في بورصة سياسية مواتية.

– أن يتصدّى لعملية التقريب الأولي هذه، الممهدة للحوار، وجوه مدنية مستقلة، ومشهود لها بالنزاهة والوطنية، والجدية، والبعد عن المحاباة والميل الإيديولوجي لأية جهة كانت.

– أن يتم تجاوز خطاب التخوين، لمن لم يفهم بعد أولوية الحوار، ولا ضرورته، ولا حتميته الاستعجالية، بل التواصل والصبر، في انتظار التحاق أكبر عدد من الفصائل السياسية والحساسيات الإيديولوجية والفعاليات المدنية.

– التحلي باليقظة اللازمة، بالحرص على المسار المنتج للحوار، ومخرجاته العملية، والتعالي على محاولات التحريف والتشويش والإفشال، والتي لن تعدم الوسائل ولا إرادات النكوص والذمم المشتراة لتنفيذ مخططاتها الارتكاسية المضادة.

هذه أفكار أولية بحاجة إلى التطوير من كل الغيورين على هذا البلد، والمتشوفين لغد الحرية والعدالة والديمقراطية.