عنوان هذه المقالة مقتبس من مقال الأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله تعالى في العدد الأول من مجلة الجماعة، والذي حمل عنوان “في البحث عن موقف”. وهو، أي العنوان، يحمل من المعاني والدلالات الكثير خاصة في زماننا هذا. زمان الذل والجور والعسف. ومن الموافقات المفارقات أن ذكرى رحيل الأستاذ أحمد الملاخ تتزامن مع حدثين مؤلمين، هما مقتل امرأتين على الحدود مع سبتة المحتلة، وغرق حوالي سبعة شبان في عرض البحر قبالة سواحل مدينة إفني. وهؤلاء جميعا ماتوا في سبيل البحث عن عيش كريم بعيدا عن بلد أهم سماته فساد يعم البر والبحر، وظلم تئن من وطأته الأرض والبشر، وهدر للطاقات يشهد به البعيد قبل القريب. رحم الله شهداء المغرب، ضحايا القمع والجوع والمرض.

واقع واقع:
يقول الأستاذ الحكيم أحمد الملاخ: “إن اختلال الموازين الاقتصادية وفرض البؤس والحرمان على فئات اجتماعية، بينما استمتعت قلة بثراء فاحش وغنى عريض زاد في سوء ظن الأمة وجعل كل ألوان التعاطف والإحسان الذي يقوم به بعض الأفراد من أهل التقى على الفقراء غير قادر على تخفيف الضغوط التي تئن تحتها الأمة. إن واقعنا وحاضرنا محكوم عليهما أن لا يتحركا إلا في حدود ما ورثناه من تخلف ورواسب الماضي الذي سيطر على الكثير من مثقفينا. إن الواقع العملي للمجتمع وظروفه المادية لم يتغير تغيرا كافيا، وحتى إذا فعل ذلك فإنه في الاتجاه السلبي للتغير. فالمظاهر الاجتماعية المستعلية مازالت هي هي، نهب وسلب واستهانة بالإنسان وتفشي الأمية والجهل في صفوف الأمة المظلومة”  1
وكأني به رحمه الله يصف واقعنا ويشخص أوضاعنا الحالية، والمقالة كتبت قبل أربعة عقود من اليوم. فما أشبه الليلة بالبارحة؟؟؟!
ويضيف رحمه الله بلسان الداعية المتهمم بشؤون بلاده وما آلت إليه أوضاع الشعب الأبي بهذا البلد الغني بشبابه ورجاله ونسائه، الفقير المفقر بسوء تدبير حكامه وسياساتهم الفاشلة: “لقد صدرنا العقول الحية الذكية فاستغلها مجتمع أجنبي أيما استغلال، وصدرنا قلوب شبابنا التواق إلى العدل لما فشى فينا الظلم والأثرة والاحتكار والنفاق، ولما غابت القدوة الصالحة فصار الشباب يحن إلى مثال الرجولة والمروءة خارج البلاد الإسلامية… لا لاستغلال الإنسان الضعيف حيا وميتا. كم يموت جوعا ومرضا في قرانا وأحيائنا الأهلية؟ كم قتلنا من رجولة وشهامة في نفوس أبنائنا لما رمينا بهم في أحضان الميوعة والجهالة… الشباب تتقاذفهم تيارات الشك والحيرة والعنف، ونحن في أشد الحاجة إلى مداواة قلوب مريضة وبعث أمة موات تمشي على رجليها. نحن في أشد الحاجة إلى قدوة صالحة، تقيم العدل وتحبب إلى الناس الإيمان وترفع هممهم إلى طلب ما عند الله وطلب وجهه الكريم، أطباء يقتدون بهديهم قائمون بالقسط، شهداء على الناس”  2

طبيعة عملنا:
إن من ينتدب نفسه، فردا كان أو جماعة، لمهمة التغيير، تغيير أوضاع البلاد والعباد، ويهدف إلى تحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية لبني البشر، لابد من أن يوضح طبيعة عمله ويحدد منارات سيره. يقول الأستاذ الملاخ “نريد أن نخرج إلى دنيا الناس في تنظيم سياسي مشروع حتى نبدد الأوهام التي علقت بأفهام بعضنا وحتى لا نعرض من ينضم إلينا إلى مخاطر السرية التي تتنافى والوضوح الذي ندعو إليه. فلتطمئن الديمقراطية أن عملنا لن يقبل الخوض في الماء العكر. لكن كلماتنا لن تخجل أمام الظلم، إنها كلمة حق وبلاغ رفيق، بلاغ وهدى ورحمة… إن عملنا لن يكون في تزكية ما هو كائن، ولكن مطالبة ما يجب أن يكون عليه مجتمع إسلامي إرادته في التغيير تعبر عنها مطالبة بالحكم بما أنزل الله حتى تكون التربية قد سبقت المظهر وحتى لا نتعرض لنفس الأخطاء التي وقعت فيها الإنسانية وتجارب الأمم في هذا الميدان. إن الفاعل الأساسي في كل حركة سياسية هو استغلال المشاعر العليا عند الإنسان لدفعه إلى العمل والتغيير، كالشعور بالعدل. شعور العبد المسكين لنفي استعباده من طرف ذلك المستبد، ولهذا كان ضروريا تهيء هذا الشعور العام لرفع قيمة العبد إلى مستوى التحرر”   3
إنه عمل سياسي قائم على الوضوح لا السرية، الرفق لا العنف، (إنها كلمة حق وبلاغ رفيق، بلاغ وهدى ورحمة).
عمل يرفض اعتزال الشعب وعدم مخالطة همومه، بل “نقولها صراحة ولا نلتفت لمن يقول: ” السياسة!؟ لا أتدخل فيها” نلتمس له العذر وننتظر منه أن يعي موقفه لأنه لا يريد الوقوف بصلابة مع حكم الإسلام. إذا وسعه المحراب ولم تسعه دنيا الناس، فهذا موقف سياسي كذلك، لكنه سلبي انهزامي، وخصوصا إذا كان من عالم بقي بعيدا عن مشاكل الحياة، تاركا المجال للمفسدين. روى الترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: غزونا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بشعب فيه عنيه طيبة الماء غزيرة فقال واحد منا : لو اعتزلت الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره للرسول فقال له: لا تفعل فإن مقام أخدكم في سبيل الله خير من صلاته في أهله سبعين عاما.
أنتم الأبرار الأتقياء ولو رضيتم بالعزلة، منكم طيبو القلوب حسنو النية لكنكم مستغلون من طرف مخادعين ومتاجرين بالدين يلتمسون منكم البركات. قال عمر رضي الله عنه “لست بخب والخب لا يخدعني”، وقال مالك رضي الله عنه “إن من شيوخي من أستسقي بهم المطر ولكني لا أقبل أحاديثهم”. الإيمان وحده غير كاف للقيادة والسياسة وتوجيه أمور المسلمين. لابد من يقظة فكر ونفاذ بصر، لابد من الحكمة التي تنير الطريق ولا تنخدع بالناس” 4

موعد في المسجد:
ويضيف رحمه الله: “ولنضرب موعدا في المسجد، إن كانت الديمقراطية تحترم نفسها وسمحت لنا بولوجه ليكون القلب النابض في مجتمعنا المسلم، يتفاعل معه المسلمون ويترددون عليه خمس مرات لأداء الصلاة، ويتلقون فيه أصول دينهم وعلوم حياتهم ومناقشة مشاكلهم الاجتماعية وتوعيتهم بالمفارقات التي يعيشونها حتى يكون بمثابة جامعة شعبية تفتح أبوابها لكل راغب وحتى يؤدي وظيفته التي لعبها في عهد الإسلام الزاهر…. دخولنا إلى المسجد هو جهاد، نريد محاربة انحدار الإنسان حتى لا يكون فريسة للضرورة الطبيعية فيكون دابة تسعى لإشباع حاجاته الأولية ومحاربة الدعة والملذة التي ترجعه إلى غريزته الشهوانية، ذلك الانحدار إلى هوة الطبيعة الجامدة التي تقبل الحتمية الصارمة أو الحيوانية الراتعة التي تبعت نداء الغريزة وضرورات الحاجة جريا وراء التمتع بسعادة رخيصة… دخولنا إلى المسجد هو استعانة بالصبر والصلاة في وقت يعنف الناس فيه بالكلمة والفكرة والعمل المفتون في أماكن ينشر فيها الفحش والبغي والمنكر. دخولنا إلى المسجد هو صمود أمام النعوت الجاهلية للفكر الجاهلي التصنيفي. دخولنا إلى المسجد هجرة ونصرة، مفاهيم أخرى يجيب تفصيلها على صفحات هذه المجلة في أعدادها المقبلة (يقصد رحمه الله مجلة الجماعة). لنبادر ونقول أن الهجرة والنصرة عمل سياسي قام به الرسول وصحبه وسجله القرآن والسنة ليكون عملا للمسلمين فيما بعد”   5
مؤسسة المسجد التي سيّجها المخزن بقيوده وقوانينه وعسكره، في إطار ما يسمى بسياسة إعادة هيكلة ومراقبة الحقل الديني.
إن واقع المغرب وأوضاعه الحالية لا تبشر بخير، وإن ما حذر منه أستاذنا قبل أربعين سنة، وما ينادي به الكثير من أبناء هذا البلد الحبيب الغيورين على مصيره ومآلاته، ومستقبل أبنائه وأجياله المتلاحقة، ما زال شاخصا قائما ينذر بأسوأ العواقب. ولا يسعنا إلا أن نذكر ونكرر ما قاله أستاذنا عليه من الله الرحمة والغفران أننا “لا نعادي أحدا ولا نحقد على أحد، إنما نعادي الفساد والفحشاء والجور والطغيان. نظرتنا إلى الإنسان من حيث هو مخلوق هي نظرة تكريم”   6.


[1] مجلة الجماعة العدد الأول، صفحة 79 -80
[2] نفسه صفحة 81 -82
[3] نفسه صفحة 72 -73
[4] نفسه صفحة 93
[5] نفسه صفحة 87 – 88 – 89
[6] نفسه صفحة 77