نركز في هذا المقال – بعد تمهيد عن مبتدإ الصدق ومؤداه- على بعض أبرز أقسام الصدق ثم نختم بذكر بعض من آثاره وثمراته وفضائله، عسى تتوق أنفسنا إلى ما تاقت إليه أنفس من سبقنا من الصادقين فتسعى لتندرج في موكب الصدق، الأنبياء عليهم السلام، والأمثل فالأمثل. والصدق لا يُستهدف لذاته على اعتبار أنه خلق فاضل فحسب، ولكن لأنه شرطٌ أساس في ذات كل مؤمن يسعى ليصبح من أهل الله وخاصته.

تمهيد

عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابا “ 1 .

لما كانت الدنيا مزرعة للآخرة، والآخرة إما جنة وإما نار، جاء هدي المصطفى دالا على ما يحصل به خيري الدنيا والآخرة ولا خير في دنيا لم تحسُن عاقبتها.

خصلة، هي الصدق، يتصف بها العبد تهدي إلى البر وإذا دام عليها أصبح من الأبرار. والبر اسم جامع للخيرات كلها. يخبر الله عز وجل عن أهل البر ويثني عليهم بأحسن أعمالهم، إنهم أهل الصدق والتقوى فقال: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون 2. مجتمع يتحقق أفراده بهذه الصفات تتوثق علاقاته بالتآزر، ويتأكد تحقيقه “للعمران الأَخوي: وطن سلام وأخوة ودار بركة وخير، فهو في عبادة يؤجر عليها العبد وتؤجر عليها الأمة” 3 .

نقيض الصدق الكذب، يهدي من دام عليه إلى الفجور، فيصير من الفجار. والفجور اسم جامع للشر، مُفْض إلى الخراب إذ يكون سببا في إفساد العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والدول فيترتب عنه ضرر كبير لا تحمد عاقبته.

وإن كان الله كتب الإحسان على كل شيء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء…” الحديث 4، فإن الصدق يشغل مساحة كبيرة منه وجِدّ حساسة فيه، وهو له تَبع إذ ينبغي أن يتحقق هو الآخر في كل شيء. وإن السلف الصالح حددوا عدة أقسام للصدق ليسهل التعرف عليها ومراقبتها، وإن كانت في الواقع متداخلة. وقد يُحصِّل العبد بعضها دون بعض. من استوفى جميع الأقسام فقد تحقق بكمال المتابعة والانقياد لله عز وجل ورسوله وصحَّت له، بإذن الله، مرتبة الصديقية.

بعض أبرز أقسام الصدق

1.      صدق الحديث:

يعرف صدق الحديث بصدق القول والإخبار، وينبغي على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتحدث ولا يخبر إلا بالحق. فمن أخبر عن الأشياء مطابقة لما عليه في الواقع فهو صادق. وهذا هو أشهر شعب الصدق وهو أصل لها ومنشؤها جميعا. ولا يزال المرء يصدق في قوله حتى يعم ذلك فكره ويستقر عليه قلبه فينعكس ذلك على سائر أعماله وأحواله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا…” الحديث 5. يترقى إذن العبد من مرتبة “الصادق، وهو من صدق في أقواله” 6، إلى مرتبة “الصديق وهو من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله” 7. جاءت هذه الرواية بلفظ يتحرى، والتحري في اللغة هو طلب أوْلى الأمور. فيكون الغالب على متحري الصدق أن لا يساوره كذب في أمر. ومن معاني التحري التحقيق والتبيين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع”  8 فكان من الواجب تحري صادق الكلام مخافة نقل الكذب وترويجه، لما قد يترتب على ذلك من أذى، قال عز من قائل: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين 9.

ما أبيح الكذب برخصة صريحة من النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ثلاثة مواضع، في الصلح بين الناس، وفي ترضي الزوج زوجه، وفي الحرب. شاهدُ ذلك ما روي عن أم كلثوم (وهي بنت عقبة بن أبي معيط، أخت عثمان بن عفان لأمه) رضي الله عنها، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ليس الكذاب من يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا”. قال الإمام النووي هذا القدر في الصحيحين، وزاد مسلم في رواية له: “قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها” 10.

والناس يستصغرون بعض أنواع الكذب في القول التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ومنها:

o الكذب في أمور تبدو يسيرة خاصة في محاضن التربية (البيت والمدرسة وغيرهما)، وينبغي الاحتراز منه لما قد يترتب عليه من تعوُّد الصغار الكذب فعن عبد الله بن عامر قال: “دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: تعال أعطك، فقال ما أردت تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرا. فقال: أما إنك لو لم تعطه شيئا كُتبت عليك كذبة”  11. وعن أسماء بنت يزيد قالت: يا رسول الله، إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا تشتهيه، يُعد كذبا؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن الكذب يُكتب كذبا حتى تكتب الكذيبة كذيبة” 12. وقال صلى الله عليه وسلم: “من قال لصبي تعال هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة” 13 .

o المبالغة في مدح الناس بما ليس فيهم أو بما لا يستحقون، وهذا منهي عنه وإن كان فيه صدق. فقد روي أن رجلا مدح رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: “ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح”. ثم قال: “إن كان أحدكم مادحا أخاه فليقل أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحدا حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك” 14

o الترويح عن النفس الخارج عن حدود الصدق والإفراط في المزاح: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا. ومن الناس من إذا فُتح باب المزاح يصبح غرضه إضحاك الناس بأي كلام، وهذا حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساؤه يهوي بها أبعد من الثريا” 15 . وقال أيضا: “ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب! ويل له! ويل له!” 16. وقال حاثا على ترك الكذب في المزاح والمراء حتى في حالة الصدق:  “لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقا” 17.

o الكذب في البيع والشراء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لامرئ مسلم يبيع سلعته يعلم أنها بها داء إلا أخبر به” 18. وقال أيضا: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنَا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما”  19. هذان الحديثان ليس المقصود منهما محترفي التجارة فقط، فكثير من عموم الناس من يبيع أشياء مستعملة ويتكتم على ما بها من عيب.

o وأشنع الكذب وأنكره على الإطلاق شهادة الزور والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من تضييع للحقوق وتضليل للأمة وفي كل منهما إقامة للظلم الشنيع. ولهذا جاءت الأحاديث النبوية فيها بلهجة قوية تنذر بشدة غضب الله في هذين الموقفين؛ قال صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ – ثلاثا- قلنا بلى يارسول الله، قال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين” وكان متكئا فجلس فقال: “ألا وقول الزور وشهادة الزور” فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت 20. وقال في الموضع الثاني: “من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار” 21.

2. صدق أداء العمل

يَصدق أداء العمل حين يُختار أو ينبري له من كان قادرا على التجرد من كل الشواغل التي تشتت الفكر وتصرف القلب فيحصل التواني وعدم التفاني في العمل. وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بُضْع امرأة، ويريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات (الخلفات جمع خَلِفة وهي الناقة الحامل) وهو ينتظر أولادها…” الحديث 22. وغزا النبي المذكور عليه السلام ففتح الله عليه وغنم 23.

من هذا الحديث نستخرج مقومات صدق الأداء، إذ نجد أن هذا النبي اختار لهذا الأمر الهام كل متفرغ من هموم الدنيا وفواتنها، لأن المجاهد إذا تعلق قلبه بشيء غير الذي هو فيه يوشك أن ينشغل ويغفل عن ما هو مطلوب إليه أو قد يتسرب إليه ما يفل عزيمته ويضعف رغبته. والقلب إذا كان متفرقا ضعف فعل الجوارح، أما إذا كان منجمعا فإن الجوارح تقبل على الفعل بنشاط وحيوية.

صدق الأداء يقتضي دفع المشاغل والهموم الذاتية والخاصة، والتخفف من حمولتها ما أمكن، كما لا ينبغي أن يكون في ذلك مدعاة للتراخي في القيام بمهمة أو واجب قال تعالى: لا تزر وازرة وزر أخرى 24.

3.صدق الحال

المقصود بالحال هنا الطبع والسيرة في الأعمال والمعاملات وباقي المظاهر في كل الأحيان: في الجمع والعزلة، وفي الأسرة، وفي غيبة أي عمل مهني، وفي خضم المعاملات النقدية، وغيرها.

الصدق في كل هذا يجمع بين مراقبة الله تعالى في الأعمال واستواء السريرة والعلانية في الخلوة والمخالطة. يذكر أبو حامد الغزالي رحمه الله في نفس السياق قولا ليزيد بن الحارث: “إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النَّصَف، وإذا كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور” 25.

والصادق حاله “لا تراه إلا في فرض يؤديه أو فضل يعمل فيه” 26. والفرض هنا يفهم في شموليته من عبادات فردية وجماعية ومن رعاية لحقوق الناس بدءا من الأسرة وامتدادا إلى أوسع مساحة يتحرك فيها الإنسان. وكذلك الفضل يقصد به جميع أنواع التطوع من عبادات وأعمال خيرية تجاه عامة الخلق من بشر وحيوان وطبيعة وغيره.

وإن رسول الله ينفر من تكلف المظاهر، يقول: “المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور” 27. فالمتجمل بما لا يملك ليُـرى بخلاف ما هو عليه مكسو بالزور، وإنما يتعب نفسه بتقمص حال هو في الحقيقة عار منه وغير ساع إليه صدقا. وقد أنشدوا في هذا:    

إذا السر والإعلان في المؤمن استوى***فقد عز في الدارين واستوجب الثنا

فإن خــالف الإعـــلان الســـر فما لـــه***على سعيه فضل سـوى الكد والعنا

قال الله تعالى سبحانه يوصينا بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال عظيمها ودقيقها: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله وذكر الله كثيرا 28 لأنه ليس أحدٌ أصدق منه حالا ولا أكمل منه خلقا وأدبا. وبرهان الصدق في هذا التحقق بقوله صلى الله عليه وسلم: ” والذي نفسي بيده لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به”(36)،أن يوافق هوانا في كل أمر حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.

4.صدق الطلب

الصدق في الطلب يحتاج جمع الهمة والقصد على الشيء. يتهمم المرء بمطلوبه فلا يدخر وسعا في بلوغه، ويتعرض لكل سبب يظن أنه موصل إليه، ولا يقر له قرار حتى يضع قدمه على الطريق المؤدية لبلوغ مراده ويستهين في سلوكها بكل المصاعب والعقبات. وليس الطلب بالتمني ولكن بالتشمير على ساعد الجد، ولا بالتواني بل بالمبادرة السريعة وقد قيل “من لم تصبح إرادته بدارا لا يزيده مرور الأيام إلا إدبارا” 29.

وقد نظم الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في هذا أبياتا أنشدها المنشدون:

يا طـــــالبا للمعــالي***تبغي لحاق الرجـال

شمــر بعـزم لتــرقى***لشاهقــــات العوالي

وغالب الجبن واهجم***بماضيــات النصال

ولا يكون الطالب كمسافر يقصد مكانا، فيطيب به المقام في محطة دونه فيقعد يتنعم ويصرف نيته. أو كمن استبطأ الوصول فبعدت عليه الشقة وأقفل راجعا. لكن الموفــَّــق من لا يساكن ولا يقف مع شيء دون قصده وما يريد.

ويُعد الانقطاع عن العمل بالأسباب انهزام وانقطاع عن الطلب إن لم نقل تحوُّلٌ عن وجهة المطلوب. ولا نتخيل نجاح أي عمل ارتجالا، ولكن لا بد من استفراغ الوسع في التخطيط والتنفيذ مع اختيار آكد السبل وأنجع الوسائل، ولا بدمن استمرار المراقبة واليقظة حتى لا يحصل زيغ عن بلوغ المنشود.

وأعز مطلوب هو الله من قصده بصدق تولاه بالزيادة وكان معه، وفي الحديث القدسي في صحيح البخاري رحمه الله يقول الله تعالى: “أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”.

ولن يعدَم وسيلة لبلوغه سبحانه بفضله وجوده وكرمهوعْدا منه عز وجل أنه سيهديه السبيل السواء وينوع له الإكرام، قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله مع المحسنين 30. وفي قصة إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه مثالا لطالب صادق عز نظيره، ذلك الباحث عن الحقيقة، القادم من بلاد فارس ولننظر كم سنة كابد فيها المشاق أثناء بحثه. ذلك الذي ما أن ظفر برسول الله وحَلَّ بين أصحابه حتى تنازعوا في أمره لحسن طويته. فقال الأنصار: سلمان منا، وقال المهاجرون: سلمان منا، فصاح بهم رسول الله:بل سلمان منا آل البيت 31. انظر إلى كرم الله وحفاوته بمن يريدون وجهه وكيف تحقق الحديث القدسي في هذا الصحابي كان طالبا فجعله مطلوبا وذلك لصدقه في طلب وجه الله عز وجل.

وهنا لابد من توضيح، طلب أو إرادة وجه الله ليس كلاما مجردا عن الزمان والمكان، بل هو مرتبط بوقتك الذي أنت فيه، وينطلق من حيث أنت ومن موقعك الذي أنت فيه فتُحسن عملك وتراقب طاعتك لمولاك تبارك وتعالى ومعاملتك لخلقه وحرصك عليهم حرصك على نفسك.

5.صدق العهد

مُفاد صدق العهد سخاء النفس بما عقدت عليه العزم، والله تعالى جعل العزم عهدا، والوفاء به صدقا والخلف به كذبا. أورد أبو حامد الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين 32 من تفسير مجاهد رحمهما الله: “عن مجاهد أن رجلين خرجا على ملإ من الناس قعودا فقالا:إن رزقنا الله مالا لنتصدقن فبخلوا به، فنزل قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن أتانا الله من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم الله من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقا إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون 33 جادت نفس الرجلين بالعزم في الحال، ولما جد الجد ومثلث الحقيقة انحلت العزيمة وغلبت الشهوات فأمسكت النفس عما وعدت به وتولت معرضة ناكصة على عقبيها.

وصادقو العزم لا يبدلون ولا ينثني عزمهم، منهم الصحابي الجليل أنس بن النضر لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين ما أصنع. قال: فشهد أُحُدا في العام القابل فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟ فقال واها لريح الجنة! إني أجد ريحها دون أحد فقاتل حتى قتل، فنزلت الآية: من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليهن فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا 34.

ونعود مرة ثانية، إلى سيدنا سلمان الفارسي لنرى كيف تعامل الصحابة مع كلام أشرف المرسلين عليه الصلاة والسلام، ليس في الأوامر والنواهي فحسب، بل حتى في الوصايا التي تبدو عابرة، تلقفوها عهدا يتحققون به ويتنافسون فيه. حين كان على فراش الموت دخل عليه سيدنا سعد بن أبي وقاص يعوده فبكى سلمان. قال له سعد ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض فأجابه سلمان: والله ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهدا، فقال: “ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب”. وها أنا ذا حولي هذه الأساود! يعني الأشياء الكثيرة! قال سعد: فنظرت، فلم أجد حوله إلا جفنة يأكل فيها ومِطْهرة يشرب منها ويتوضأ 35 ومع هذا يبكي خشية أن يكون أخلف العهد.

أثر الصدق وثمرته

وللصدق أثر وثمرات يجدها الصادقون، نذكر بعضا منها مسبوقة بالشاهد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

عن أبي خالد بن حزام رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما” 36. إن الصدق في البيع والشراء ينمو به الكسب وتحصل فيه البركة فيزيد النفع والربح، بخلاف ما يعتقد الملبِّس أو الحالف الكاذب في المتاجرة، إذ يمحق الله كسبه ولو بعد حين، وأشد الخسران، أن يؤجل له ذلك كاملا للآخرة.

عن الحسن بنعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة “ 37. يُثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن بالصدق تحصل طمأنينة النفس وراحة الضمير، والكذب سبب العيش في الحيرة والشك والشبهة.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه” 38. من صدقت نيته يثيبه الله على ما كان يطلب بجزاء من جنس النية والقصد وإن لم يبلغه بعمله. يؤكد ذلك ما روي عن أنس رضي الله عنه إذ قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: “إن أقواما بالمدينة خلْفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر” 39.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تحروا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه، فإن فيه النجاة” 40. إن في الصدق النجاة من المكروه المرتقب، والقصص كثيرة عن الناجين لصلابتهم في وصمودهم في قول الحق، في حين ذل من تراجع عنه أو بدَّل، وقد قيل: “عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك” 41. وقال تعالى مخاطبا الذين في قلوبهم مرض حين جد الجد: فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم 42.

فضائل الصدق

إن للصدق فضائل كثيرة نذكر منها ما يلي:

– إذا انتفى الصدق من امرئ كان سببا للقدح فيه وعدم الأخذ عنه، وإذا تحقق به عُدَّ  ثقة بين الناس ويرجع إليه في العديد من أمور العلم  والمعاملة. ويروى في مقياس الثقة ما جاء عن الإمام البخاري، رحمه الله، أنه خرج يطلب الحديث من رجل فرآه هربت فرسه، وهو يشير إليها برداء كأن فيه شعيرا فجاءته فأخذها، فقال له البخاري: أكان معك شعير؟ فقال الرجل لا، ولكن أوهمتها، فقال البخاري لا آخذ الحديث ممن يكذب على البهائم 43.

– ويكفي في الصدق فضيلة أن وصف الله تبارك وتعالى كلامه بالصدق المطلق، وهو الحق الذي تفرد به سبحانه وتعالى فقال: ومن أصدق من الله حديثا سورة النساء الآية 87.. وذكر في كتابه العزيز مناقب أنبيائه مثنيا عليهم ومادحا لهم أن حصلوا أعلى مراتب الصادقين فقال: واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا 44، وقال أيضا سبحانه: واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا  45.

– وأهل الصدق من ورثة أنبيائه شرَّفهم الله أن دعا سبحانه وتعالى المؤمنين إليهم  والالتفاف حولهم وصحبتهم فقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين 46. فكانوا دالين على الصدق بل على الحق.وذلك لأن الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعوة إليه.

وختاما إن في تحري الصدق والكينونة مع الصادقين فضيلة الاستجابة لتوجيه اللطيف الخبير الذي ما شدد فقال كونوا صادقين لعلمه عز وجل أن الأمر ليس بالهين ولا تأتى إلا برفقة الذين أدوا برهان الصدق فملكوا ناصية هذه الخصلة الشريفة.

 وفي ذلك أيضا استجابة لتوجيه نبيه عليه الصلاة والسلام إذ قال: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” 47، وبالمخاللة يتشرب قلب من قلب ويقتبس معاني الصدق المخبوءة، ما كان ليقف عليها وحده ولكن بالاحتكاك مع الصادقين. لذا قيل: “هذب نفسك بصحبة من هو أعلم منك”، ومن استغنى برأيه ضل. 48


[1] رواه الشيخان.
[2] سورة البقرة،الآية 176.
[3] ذ. عبد السلام ياسين، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، مطبوعات الأفق، ط1995،ص 84.
[4] رواه مسلم.
[5] رواه مسلم وأحمد.
[6] أبو القاسم عبد الكريم القشري، “الرسالة القشرية”، دار الكتب العلمية، بيروت ـلبنان، ط 1998، ص 245.
[7] أبو القاسم عبد الكريم القشري، “الرسالة القشرية”، دار الكتب العلمية، بيروت ـلبنان، ط 1998، ص 245.
[8] رواه مسلم.
[9] سورة الحجرات، الآية 6.
[10] الإمام النووي، “الأذكار النووية”، دار المعرفة، الدار البيضاء، ط 1988، ص 377.
[11] رواه أبو داوود.
[12] رواه مسلم.
[13] رواه أحمد.
[14] متفق عليه.
[15] أخرجه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة.
[16] رواه أبو داوود والترمذي.
[17] رواه أحمد.
[18] أخرجه البخاري.
[19] متفق عليه.
[20] أخرجه البخاري.
[21] رواه مسلم.
[22] متفق عليه.
[23] عبد القادر عشا حسونة، “روضة المتقين في شرح رياض الصالحين” ، دار الفكر بيروت، ط2 (1998)، ج1 ، ص98.
[24] سورة الأنعام، الآية 166.
[25] أبو حامد الغزالي، مرجع سابق، ص 413.
[26] الإمام القشيري، مرجع سابق، ص 247.
[27] رواه مسلم.
[28] سورة الأحزاب الآية 21.
[29] الإمام القشيري، مرجع سابق، ص 238.
[30] سورة العنكبوت، الآية 69.
[31] خالد محمد خالد، “رجال حول الرسول”، دار الفكر، بيروت،ط1998، ص:38.
[32] أبو حامد الغزالي، “إحياء علوم الدين”، دار الكتب العلمية بيروت، ط 1996، ج4، ص412.
[33] سورة التوبة، الآيات 75-77 .
[34] سورة الأحزاب الآية 21.
[35] رواه النووي وقال فيه حديث حسن صحيح.
[36] متفق عليه.
[37] رواه الترمذي وقال حديث صحيح.
[38] رواه مسلم.
[39] رواه البخاري.
[40] أخرجه ابن أبي الدنيا.
[41] الإمام القشيري، مرجع سابق، ص 248.
[42] سورة محمد عليه الصلاة  والسلام  الآية 22.
[43] أبو بكر الجزائري،منهاج المسلم، دار المعرفة الدار البيضاء،ط 1998، ص253.
[44] سورة مريم الآية 41.
[45] سورة مريم الآية 56.
[46] التوبة الآية 120.
[47] رواه الترمذي وأبو داود بإسناد صحيح.
[48] الإمام عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”،ط 1989، ص 126.