تعظم في النفس الرزايا إذا لم تتحرك السواكن لتوالي المنايا، في معبر الذل والمهانة تتشظى القيم الإنسانية كلما وقع النظر على تلك المكدودة  التي حفر الزمن على قسمات وجهها أخاديد القهر والمعاناة، وقد كسر منها الظهر بما ناءت بحمله من أثقال، وحولها مطلب الرغيف إلى دابة؛ إنها تلك المنهكة التي قدر لها أن تموت تحت وطأة الفساد الاقتصادي قبل أن تموت دهسا تحت أقدام صويحبات تنتظرهن نفس المعاناة، وقد ينتظرهن نفس القدر، صورة تعكس الإمعان في الإذلال وقمة السادية السياسية والاقتصادية.. فلله ذرك يا عمر وأنت القائل لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟ فأي زمن هذا الذي أصبحت فيه المرأة أدنى وأحط مرتبة من بغلة عاشت زمن عمر؟ وأي تدنّ هذا لمكانتها وهو يترجم انحطاطا صارخا للقيم وانتهاكا فاضحا للحق في العيش الكريم، بل صورة بشعة للعنف الذي تعانيه المرأة في وطني جراء فساد مافيات التهريب التي تمتص دماءهن وتعتاش على عرق من لا يحلمن بأكثر من إطعام أفواه جائعة تنتظرهن كل مساء، وينمن مثقلات بهموم مقارعة يوم آخر في الغد قد يعدن فيه ظافرات برغيف مغموس بالذل والمهانة، وقد لا يعدن إلا محمولات على النعوش، وقد اختزل موتهن حال البلد ومآله. يعشن حياة على أكف عفاريت الاستبداد والفساد تقلبها كيف شاءت، ولا تكترث إذا سقطت منها فانكسرت الرقاب.

فأي حديث عن الاستقرار يكاد يصيبك بالغثيان كلما استحضرت ارتفاع ثمنه؛ أرواح ترحل وسط الإسفاف، والباقيات أسيرات للمعاناة والكدر، يحاصرها الفقر واليأس من كل حدب وصوب، تنتظر العتق بشغف كبير إما موتا تتخطفها يد القدر، أو بزوال الاستبداد. أي استقرار هذا الذي شيد بنيانه فوق بركة ضحلة من معاناة شعب يصارع من أجل حياة لم يعد فيها للكرامة معنى؟ ومن المسؤول عن دفع البلد إلى المجهول والمقامرة بمصيره؟ فتكرار الحالات وتفاقم الأوضاع لا ينم إلا عن فعل مقصود ممنهج  لتركيع الشعب وإذلاله لمساومته. إذن فهو استقرار ضروري لانتعاش نشاطات المافيات المتحكمة في اقتصاد البلد، ولا يقدم شيئا للمواطن المنهك. ولم تكن مافيات التهريب المعيشي لتوسع نشاطاتها إلا  تحت تغافل الدولة الذي له أسبابه، أما المسكينة ضحية الاستنزاف فلا منفذ لها لإعالة نفسها وأسرتها غير هذا المنفذ الضيق المعتم في ظروف انسداد أفق التشغيل بالمنطقة، فما تفتأ أن تجد نفسها وقد تحولت إلى دابة لتهريب جميع أنواع المنتجات الإسبانية.

ولا يجب أن يفوتنا أنه عمل منظم يتم على مرأى ومسمع من الجمارك التي تغض الطرف عنه ليضل سؤال لماذا؟ ومن المستفيد الحقيقي؟ إذا كانت غالبية النساء اللواتي يمتهن هذا العمل المهين الحاط للكرامة لسن سوى حمالات  ينقلن البضائع ويتقاضين الأجر لصالح عصابات تمتد يدها الباطشة إلى كل من اختارت العمل الحر، لتضاعف من إذلالها بإذاقتها شتى أنواع العنف لفظيا ونفسيا وجسديا بالرفس والركل من شرطة المعبر المتواطئة، بل وحتى بالتحرش الجنسي إن لزم الأمر، وكل ذلك بغرض محاصرتها لكي لا ترى العمل إلا من خلال المجال الذي تفتحه لها هذه المافيات التي تمارس أنشطتها بكل حرية، عاكسة عمق الاختلالات الصارخة بكل المقاييس، يقابلها عدم اكتراث ولامبالاة مستفزة من الدولة التي لا تتكلم عن هيبتها إلا حينما ينتفض الشعب مطالبا بحقوقه؛ فتجدها تستنفر جحافلها لترده إلى  بيت طاعتها. فأي هيبة يمكن الحديث عنها ونساء الوطن تهان في أرض محتلة هي للوطن؟ وحرمات الوطن تنتهك على أعين جمارك الوطن؟ ومحتل سبتة يجاهر بتدمير اقتصاد الوطن؟ ولا حياة لمن تنادي. هي هيبة المخزن إذن المدافع عن امتيازاته، وليذهب الوطن ومواطنوه إلى الجحيم.

معبر العار اختزال للأزمات التي تحاصر المواطن في بلد الاستقرار وتجعله غارقا في مستنقع الفساد يصارع الموت، ليفر منه عائدا إليه حرقا أو طحنا أو خنقا أو دهسا… تعددت أشكاله وتعمق مضمونه؛ فساد توسع ليضيق على المواطن شرايين الحياة، وامتد به الجشع لينافسه حتى على لقمة عيشه، فموت سيدتين دهسا تحت الأقدام لن يكون حدثا عابرا، وللتاريخ سجل تكتب فيه المرثيات، تخلد ذكر الأحزان وذكراها، لتظل شاهدة على حقبة وشمت بالحلكة، فيصبح التحول عنها مطلبا ترنو إليه الأرواح المعذبة والأصوات المكتومة، ويسعى إليه الشرفاء خدمة لمصلحة الوطن.