علمني والدي رحمه الله عندما كان من سكان الأرض أن أقرأ وبصوت مسموع حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلما مررت بجوار مقابر المسلمين. وطلب إلي ألا أنسى هذا الحديث، وأن أقرأه عندما يصبح بدوره من أهل الديار. حينها اعتبرت الخطاب تعليما عقليا من أجل حفظ متن الحديث وتعلم سنة من السنن النبوية الشريفة. لكن لم أدرك عمق الخطاب إلا في زمن الرحيل. أذكر بهذا الحديث بمناسبة الذكرى السابعة لرحيل الأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله.
فعن بُرَيْدَةَ رضي اللَّهُ عنهُ قال: كَانَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُعَلِّمُهُمْ إِذا خَرَجُوا إِلى المَقابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُم: “السَّلامُ عَلَيكُمْ أَهْل الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، أَسْأَلُ اللَّه لَنَا وَلَكُمُ العافِيَةَ” رواه مسلم. وعن ابن عَبَّاسٍ، رَضَيَ اللَّه عنهما، قال: مَرَّ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بِقُبورٍ بالمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بوَجْهِهِ فقالَ: “السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا وَلَكُمْ، أَنْتُم سَلَفُنا ونحْنُ بالأَثَرِ”. رواهُ الترمذي.
نتذكر مع صاحب الذكرى، الدرس البليغ في معنى إلقاء السلام على مَن رحل إلى الدار الآخرة. فهي تحية تذكر لمن ما زال من سكان الأرض أنه لاحق يوما بمن رحل، فعليه أن يتذكرهم بالدعاء لهم، ولا ينبغي أن ينسى نسبه إليهم وفضلهم عليه؛ فهم سلفنا ونحن بالأثر. فالتحية شرع رباني، وصيغتها القرآنية السلام.
ألِفَ الناس أن يُلقوا السلام عند اللقاء. وهذا حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أيضا بالسلام على أهل الديار ممن انتقلوا إلى الدار الآخرة. والسلام اسم من أسماء الله عز وجل، والجنة هي، أساساً، دار السلام.
فالسلام عليكم يا من انتقلوا إلى الرفيق الأعلى، فأنتم في دار السلام. حياتكم كانت كلها لله، ومعاملتكم مع خلق الله كانت دعوة إلى الله السلام وإلى دار السلام.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَال: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، وَقِيلَ: قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثاً، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ”.
فالسلام عليكم يا أهل الديار، أفشيتم السلام فيما بين الناس حالا ومقالا.
عرفنا ذلك من قسمات وجوهكم، ونور بصائركم، وصدق كلِمكم، وبرهان عملكم. أطعمتم الطعام، وأشبعتم الجائع، ورويتم ظمأ العطشان، وابتلَّت العروق بماء المحبة وضخَّت القلوب قيتا نافعا لكل الجوارح.
وضعتم كل ذلك في جذر قلوب الرجال ليكتسبوا مجموعا من شعب الإيمان البضع والسبعين، والتي تكتمل بإذن الله في صحبة وجماعة. روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الإيمان بضع وسبعون – عند البخاري بضع وستون – شعبة (زاد مسلم): أعلاها قول لا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”.
بينتم صوى الطريق ورسمتم معالمها والسلوك على بصيرة واتباع، على أن الإيمان مجموع علاقات بين العبد وربه وبين العبد والناس، ثم بين جماعة المؤمنين المخاطبة بالقرآن، وبين سائر خلق الله.
يسرتم علم المنهاج النبوي برنامجا تعليميا وتربويا بالحال قبل المقال، وذلك في مجالس الإيمان.
صبرتم على نفوس متنطعة، فروضتم طبعها المنجذب إلى الأرض حتى تتشوف إلى مقام الإحسان بالتعلق بثريا الإيمان.
صِلتم الأرحام، وجعلتم البعيد قريبا والحاد لينا والجاف رطبا بالتزاور وربط القلوب برابطة المحبة، وحولتم الألفة إلى صحبة، وجعلتم الجماعة ملاذا للناس، تحيى فيها القلوب في مجالس النصيحة يذكر فيها الله عز وجل وتتدارس فيها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحيى فيها سنة القيام بين يدي الله. فكنتم الكتاب المنظور في الأرض وتركتم الكتاب المسطور ننهل منه حتى ترشد العقول وتستقيم القلوب.
رحمكم الله يا رجال الله، فأنتم سلفنا ونحن بالأثر.