مقدمة

قال الله تعالى في محكم التنزيل: أَمَّنْ هُوَ قَـانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًۭا وَقَآئِمًۭا يَحْذَرُ ٱلَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ، و جاء أيضا في كنز العمال، للمتقي الهندي عن أبي الدرداء قال: “من خرج يريد علما يتعلمه فتح له باب إلى الجنة وفرشت له الملائكة أكتافها وصلت عليه ملائكة السماوات وحيتان البحور، وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذ بالعلم فقد أخذ بحظه، موت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد وهو نجم طمس، موت قبيلة أيسر من موت عالم”.
فما هو العلم؟ و من هم العلماء؟ و ما علاقته بالتربية؟

موقع العلم

تعد خصلة العلم واسطة العقد المنهاجي، فهي الخصلة الخامسة من مجموع الخصال العشر بحيث أنها تُرَكِّز وتُثَبِّت الخصال التي قبلها وتسند الخصال التي بعدها، فهي كالأعمدة في البناء المنهاجي تجد لها قدما في الأساس المنهاجي وترفع البناء إلى ذروة سنامه والذي هو الجهاد وخصلة الجهاد.
تحتل شعب الخصلة الوسط بين مجموع شعب الإيمان أيضا، من الشعبة 41 إلى  46 من أصل 77 شعبة في المجموع، فتؤسس لها 40 شعبة موزعة على أربع 4 خصال تمثل زوايا المربع المنهاجي: خصلة الصحبة و الجماعة وخصلة الذكر وخصلة الصدق وخصلة البذل، و تكون في المجموع الشعب الستة 6 لخصلة العلم هي المعلمة الرئيسية من معالم طريق المنهاج والقائدة نحو 31 شعبة المتبقية والمفضية إلى أبواب الجهاد، وتدور هذه الخصلة حول مركزية العلم بـ:
طرقه: الطلب والبذل، التعليم والتعلم والآداب (ش 41 + ش 42).
مواده: القرآن والحديث الشريف والسنة المطهرة كاملة شاملة (ش 43 + ش 44).
وسائله: الخطابة، المواعظ، القصص (ش 45 + ش 46) وكل وسائل الإيصال والتواصل.

الحرية العلمية

يصف الحبيب المجدد رحمه الله، في “إمامة الأمة” آداب التعلم ص 188، مجالس التعلم في حضرة الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم، فيقول: «كان مجلسَ حلم وحياء وصبر وأمانة، لا تُرفَع فيه الأصواتُ، ولا تؤبَنُ فيه الحُرَمُ. يتواصون فيه بالتقوى متواضعين، يوَقِّرونَ فيه الكبيرَ، ويرحمون فيه الصغير، ويُؤْثِرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب» كما روى المفسرون عن علي كرم الله وجهه. لا يجيء هذا بالزجر والإكراه، بل يَنتُجُ عن سيادة الخُلُق القرآني السنيِّ في المجتمع بسيادة الربانية الإيمانية. ”فلا تسمع فيه شتما ولا تبديعا ولا تفسيقا ولا تكفيرا للمسلمين ولا تحريضا على قتل أو ترويع أو إرهاب، وكذلك ينبغي أن يكون واقع التعليم في واقع المسلمين اليوم  وغدا يقول رحمه الله في ص 187  “.. ونريد لغد الإسلام علاقات بين العالم والمتعلم على النمط الإسلاميِّ. كان مجلسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس علم وحلم، لا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ، وكانوا أمامَه ساكنين كأنما على رأسهم الطيرُ” .. وكان مجلس سؤال وحوار وجدال مثمر، تطرح فيه القضايا وتحل فيه المشاكل وتحترم فيه الخصوصيات ويطلب فيه العلم، وذلك بنص القرآن في مثل قوله سبحانه “يسألونك” و”يستفتونك” و”قل” و”قول التي تجادلك” و غيرها من المواضع والمناسبات وتشمل الجميع نساء ورجالا، كبارا وصغارا من كل  شرائح المجتمع لا يفرق بينهم غنى ولا فقر، و لا سلطة أو مكانة، يجمع بين الجميع مشاعية التعليم ومجانيته وحرية السؤال والتعبير .. وأقرت هذا السنة العملية التطبيقية في أكثر من موضع وزكاها حضور السماء وتزكية الفعل الممارس والواقع المعيش، ولا أدل على ذلك من حضور الملك الكريم في هذه النازلة سيدنا جبريل في صورة بشرية حتى يكتمل الدرس وتعم الفائدة، ويقر عليه السلام مبدأ التعلم الحر والطلب المفتوح والمفروض للعلم، جاء في “المنهاج النبوي” ص 37 “.. أتتنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مروية عنه في جلساته وخطبه ووعظه ووصاياه. لكن حديث جبريل المشهور الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عمر جاءنا في حلة من التشويق والغرابة والتفصيل التربوي. جاء جبريل فرآه الصحابة وسمعوه وتلقوا حواره الغريب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ذاك إلا لأهمية هذا التفصيل الذي لا نجده في حديث غيره.
قال عمر: «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان! قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت! قال: فأخبرني عن الإحسان! قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة! قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل! قال: فأخبرني عن أماراتها! قال: أن تلد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق. فلبثت مليا، ثم قال لي (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم): يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. ».

العلم والصحبة

العلم، تعلما وتعليما، هو أساس الوصول وطريق الصحبة وبه البداية والنهاية، يكفي أن “لا إله إلا الله” بداياتها علم ونهاياتها معرفة حيث نقرأ عند إمامنا البخاري “.. لقول الله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله 1. [قال] فبدأ بالعلم.. وقال جل ذكره: إنما يخشى الله من عباده العلماء 2. وقال: وما يعقلها إلا العالمون 3. وقال ابن عباس: كونوا ربانيين 4: حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.. ”، كان سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن باقي الصحابة الكرام يعرفون علاقة العلم بالتربية وضرورته، فطلبوا العلم بالتربية طلب فريضة واجبة كما جاء عند البيهقي والطبراني والسيوطي في “الجامع الصغير”، و قال عنه صحيح، قال “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، وبذلك كان علمهم علما نافعا ولم يكن ضارا ويصيب أحدا بسوء أو مكروه. جاء في كتاب “الإحسان” لحبيبنا ومرشدنا سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله رحمة خاصة، وجزاه عنا وعن المسلمين خير جزاء، في فصل “العلم علمان” صفحة 10، “.. روى ابن أبي شيبة والدارمي حديثا مرسلا بإسناد حسن عن الإمام حسن البصري قال: “العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع. وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم”. وقال الإمام مالك: “من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم. أما سمعت قوله تعالى: إن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً؟ وقال أيضا: “إن الحكمة مَسْحَةُ مَلَك على قلب العبد”. وقال: “الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد”. وقال: “يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمرٌ يدخله الله القلوب من رحمته وفضله” 5.
يرحم الله سيدنا محمد بن إسماعيل البخاري، لما أتحفنا به من علم ولكل علماء الحديث الذين حافظوا على سنة المصطفى، فهم سندنا وواسطتنا للعلم النبوي.. لكن كيف نفهم عنه كلام “فبدأ بالعلم ..” من خلال ميزان المنهاج النبوي؟ هل تعني كلمة “فاعلم” أن العلم سابق عن الذكر وبالتالي و جب أن يكون هو الخصلة الأولى مثلا، أم هو شيء آخر؟
نفهم هنا الأمر بالعلم “فاعلم”، أمر بالصحبة بدليل منطوق القرآن والسنة وذلك بمثل قوله سبحانه في سورة “الفرقان” الآية 59: ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡ‍َٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا، وفي “الكهف”، الآية 66: قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا، وقوله عز وجل في سورة “التوبة” الآية 122 حيث أن العلم يكون بوجود المعلم وبمعيته وأن الفرقة التي تنفر مع الرسول تكون هي المعلمة للفرقة التي لم تكن معه والمفقهة لها والمحذرة لها لما يجب الحذر منه: وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ، وفي مثل قوله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه أبو داود والترمذي والسيوطي وغيرهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه: “الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” وفي رواية “المرء على..”، وفي مثل قول سيدنا وابن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان فأنتم تنثرونه نثر الدقل” والدقل رديء التمر” 6.

العلم والتربية

العلم هو ما يميز الإنسان في خلقه والذي أعطاه التراتبية في المخلوقات بالميزان القرآني الإلاهي، فكان خليفة في الأرض ومكرما على ظهرها، يقول الله تعالى في سورة البقرة الآيات 30 – 33: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿30﴾ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿31﴾ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿32﴾ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَ‌ ٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿33﴾. والعلم إمام العمل كما جاء في المنهاج النبوي، لكن العلم خصلة من الخصال العشر المنهاجية، يجب أن يتصف به العضو المقتحم سلم الجندية والربانية داخل الجماعة، والربانية هي تربية “الناس بصغار العلم قبل كباره” على حد قول سيدنا عبد الله بن عباس، إذن فالأمر هو تربية وصحبة قبل العلم ومعه في متلازمة لا ينفك شطر الصحبة فيها عن العلم.
في فصل “أخذ العلم عن أهله” من كتاب الإحسان ج1، ص 84 الطبعة الإلكترونية، يقول الإمام المجدد رحمه الله: “ورث أهل العلم من علوم النبوة، وورث أهل التقوى من فيض النبوة، لكلٍّ مشْرب وَوِرْدٌ وصَدَرٌ. فمن حسن السمع أن نُلقِيَ الانتباه إلى ما يقوله العلماء. قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يوصيك باستثبات الأحوال: “لا يزال الناس صالحين ما أخذوا العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم. فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا” 7 الأكابر هم أكابر العِلم والتقوى، عظيمو الحظ من الله، و الأصاغر أصاغر العلم والتقوى والحظ من الله وإن علا بهم السن وتقدم بهم الزمان. وسيدنا عبد الله بن مسعود من أكابر علماء الصحابة رضي الله عنهم”.
في كتاب “الإحسان” وخصوصا جزء “الرجال”، أنه في تاريخ المسلمين كان هناك أئمة أفذاذا وصلوا الغايات القصوى في مراتب العلم بكل فروعه وعلومه وتخصصاته، ولكنهم أحسوا بضرورة التربية ويلزمهم وجود “المتبوع المقدم” ليصاحبوه ويتبعوا تربيته، وعرفوا أن العلم بدون تربية غير مجدي وقد يعطي نتائج عكسية ويوقع في أمراض النفوس والقلوب وكذا في مهاوي الجحيم ولظى السعير: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “.. وَرَجُلٌ تَعَلّمَ العِلْمَ وَعَلّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمْتُ العِلْمَ وَعَلّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنّكَ تَعَلّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئ ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ..” 8. و من أمثال هؤلاء الأئمة الذين ذكرهم  الكتاب: الإمام الغزالي والذي كان من كبار العلماء في زمانه على رأس “المدرسة النظامية”، والإمام الشوكاني الذي بلغ في إبانه منزلة الاجتهاد وهي درجة الخبرة بعد التخصص، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الذي بلغ المراتب العليا في العلم والمعرفة تهابه السلاطين ويجلس إليه كبار العلماء وتشد إليه الرحال، والإمام السيوطي الذي كملت عنده آلات الاجتهاد، والإمام ابن خزيمة، والإمام الحاكم صاحب “المستدرك”، والإمام النووي، والإمام ابن حجر الهيثمي، والإمام القسطلاني، والإمام التقي السبكي، والإمام ابن كثير.. وغيرهم كثير ممن ذكرهم “الإحسان” أحسن الله إلى كاتبه ورحم الله جميع أئمتنا.
كل هؤلاء الأئمة طلبوا التربية والمصحوب بعد العلم و أثناءه لتيقنهم بأن العلم بدون تربية قد يؤدي إلى الكبر و الافتخار على الناس، وظلم المستضعفين وإعانة الظالمين عليهم خصوصا الحكام منهم، والتحايل على عباد الله البسطاء في الدين وأمور الدنيا، و ازدرائهم لغفلتهم عن حقائق وجهلهم بأمور دينهم ودنياهم وانشغالهم بهموم الرزق.. وغيرها من أمراض القلوب وعلل النفوس والتي لا علاج لها إلا التربية النبوية ورحمة الرحماء من عباده الذين جعلهم متبوعون ومصحوبون مقدمون، العلم المجرد من وعاء التربية الذي يحتضنه ويحده ويوجهه، قد يفضي في نهاية المطاف إلى ترديد أقوال ومعاني هي أقرب إلى جهل الجاهلية الأولى منه إلى العلم الحق، و إلى الفعل الشنيع المشين الظالم للنفس والخلق أجمعين.

تنظيم العلم

لا بد للعلم أن يجد منظومة جامعة شاملة واحدة موحدة، العلم إذا لم ينطلق من مرجعية ثابتة واضحة معلومة عند الجميع يوشك أن يكون سببا في تشتت المجموع، ويصبح على إثر ذلك فرقا ومزعا وطوائف ومذاهب لا تحصى وهو واقع المسلمين اليوم، لذا وجب الانطلاق من “وحدة التصور” كما يطرح المنهاج، بل يجب توحيد التصور والمفاهيم حتى تكون لنا منطلقات موحدة وبالتالي نتائج جامعة في الهدف وإن اختلفت في التطبيق والتنزيل لحاجة “سنة الله” في الخلق و“التحديات القدرية” على حد تعبير كتب المنهاج، لأن المنهاج هو مجموع كتب الإمام وليس كتابا بعينه فقط، لابد إذن من تنظيم عملية العلم تعليما وتعلما، معرفة وتطبيقا، ومن أجل ذلك لابد من جمع الذهنيات وإزاحة المعيقات التي تنتج العقم أو العلم غير النافع المشتت للفهم والمعرفة والجماعة ثم الأمة بالمحصلة.. لابد إذن من العلم النبوي الجامع المنظم في نفسه المنظم لغيره، في يوم المسلمين وغدهم.

العلم والاجتهاد الجماعي

لابد أن نتجاوز التقليد ونفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، نظرا لواقع الأمة المتخلف على جميع الأصعدة، لكن بشروط الاجتهاد الناجع الناجح والمنتج للإيمان بالله والجامع لهوية الأمة والمطبق لمبدإ العلم المشترك التشاوري العام والشامل لكل الفئات والأعمار وفي كل الأمكنة، لابد إذن من إجماع واجتماع، لابد من “الاجتهاد الجماعي”.
جاء في كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، حديث عن التعليم والعملية التعلمية، قال المؤلف رحمه الله: “.. للتعليم هدفان أساسيان في أي ملة وقوم: أولهما المؤسِّس للآخر هو: غرس الولاء مبكرا في النفوس. إما الولاء لحضارة وتقاليد أسرية قومية، وإما الولاء لدين، وإما الولاء لشخص حاكم يُعبد من دون الله كما كان يربي ستالين أطفال الاتحاد السوفياتي على الولاء لشخصه، وكما يفعل كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية حيث لا نشيد إلا في مدح أب الشعب، ولا صورة إلا ما يمجد القائد الخالد، ولا استعراض، ولا درس يبدأ، ولا تمثال يُنصب، ولا شاذة ولا فاذة إلا وتنصب جهودها لترسيخ الولاء للطاغوت. الهدف الثاني المؤسس على الأول هو: إكساب الناشئة المهارات العقلية العملية المطلوبة اجتماعيا واقتصاديا.

الهدف الأول تربوي نفسي يكون أقوى تمكنا في نفوس المتعلمين كلما كان أكثر بكورا، وكلما كانت أساليبه أشد وقعا وأمتن تماسكاً وأسبق إلى النفوس قبل أن تسكنها تربية أخرى وولاء آخر. والهدف الثاني تعليمي تدريبي عملي من شأنه أن يفي بالمقصود منه إن كان الباعث التربوي النفسي الولائي المؤسس في مكانه من التأصل والتمكن وقوة الدفع، وإذا كانت برامجه وجدواه العملية، وملاءمته للحالة الاقتصادية ملبية لحاجات المجتمع منفتحة عليها.

في المجتمع الإسلامي المتجدد لا ولاء يُقبل إن لم يكن لبه الولاء لله وحده لا شريك له. وما سوى هذا اللب من إشعاعات وتفرعات إنما يقتبس الحرمة في نفوس المسلمين من انبثاقه وانبعاثه عن اللب. أعني بالانبعاث  الاندفاع الداخلي القلبي الأخلاقي الإيماني” 9.
و يقول أيضا في كتاب “إمامة الأمة” عن الشخصية التي نود بناءها عن طريق التعليم والتربية تطبيقا للمشروع المنهاجي: “.. أما نحن والحمدُ لله فقد تجلت لنا معالم الشخصية الربانية المطلوبة ومواصفاتها، فما بقي لنا إلا أن نصوغ المدرسةَ الإسلامية المستقبليةَ، وتربيتَها، وتعليمَها، الصالحةَ لاحتضانِ وِلْدانِنَا وشُبَّانِنا، ورعايتِهم، وتغذيتِهم الروحيةِ والفكريةِ بما يُصْلح ويثمر. أهم هذه المواصفات:
الشخصية المؤمنة بالله واليوم الآخر. المخلصةُ لله عز وجل، العالية الروحانية.
الشخصية الصالحة للاندماج في الجماعة، من حيثُ محبةُ الله ورسولِه المنتجةُ لمحبةِ المؤمنين، ومن حيثُ الإرادةُ والقدرةُ على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ومن حيثُ المشاركةُ في الأمر العام، وفي الشورى، والدعوة، والدولة.
الشخصيةُ الصادقة الشجاعة في الحق التي يوثق بها.
الشخصية الواعية بمسؤوليتها عن الانتصار للمستضعفين في الأرض، المستعدة لبَذل الجهد والمال من أجل إقامة العدل في الأرض.
الشخصية العالمة بعلم الحق وعلم الكون، القادرةُ على الاجتهاد في الشريعة، وعلى توطين العُلوم الكونية في بلاد الإسلام وتطويرها واستثمارها.
الشخصية المتحركة النشيطة الخفيفة إلى كل عملٍ يَرْضَى عنه الله عز وجل، الممسكةُ الثقيلةُ عن محارم الله.
الشخصية المتميزة ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، عاطفة وفكرا، مضمونا وأسلوبا، عن الشخصية الجاهلية، وعاداتها، وثقافتها، ومنهاجها.
الشخصية الصامدة أمام كلِّ إعصار، المقتحمة لكل العقبات التي لا تعرف الملل، ولا يفُتُّ في عزمها الكلل.
الشخصية المنتجة، المقتصدة، القادرة على إدارة أموال الأمة وخيراتها، وعلى التعامل مع تيارات المصالح العالميَّة تعاملا يضمن استقلال الأمة في غِذائها، وكِسائها، ورَخائها، وسِلاحها.
الشخصية المقاتلة المجاهدة في سبيل الله، الحاملةُ رسالة الله إلى العالمين بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجِدال بالتي هي أحسن، المدافعةُ عنها بحد السيف، وقوة الدبابة، ونار الصاروخ إن اقتضى الحال، ووقع على الأمة العدوان.
بهذه المواصفات الجامعة في طيها مطالب شُعب الإيمان يجب أنْ تُقَاس نتائج المدرسة الإسلامية، والجامعة الإسلامية، والمعهد الإسلاميِّ. وعلى ضوئها يجب أن تُنَظَّمَ سِلسلةُ التعليم والتربية، وتوضَع البرامجُ والكتبُ، ويختار المعلمون، والأساتذةُ، والوعاظ، والمديرون، وتُسَّخَرَ الخِبرات، والتقنيات التربوية التعليمية” 10.

حقيقة العلم وحقائقه

جاء عند الراغب الأصفهاني في كتابه “معجم مفردات ألفاظ القرآن”، في مادة “علم”، قوله: “العلم: إدراك الشيء بحقيقته”، فما حقيقة العلم وكيف يكون إدراكه؟
في “مجمع الزوائد” للحافظ الهيثمي، رحمه الله، يقول: “عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: “كيف أصبحت يا حارثة؟” قال: أصبحت مؤمناً حقاً، قال: “انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك؟” قال: عزفت نفسي عن الدنيا (أي كرهتها) فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر عرش ربي بارزاً وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (أي: يضجون ويتصايحون) قال: “يا حارثة عرفت فالزم”.
إن حقيقة وجود الإنسان وخصوصياته الاستخلافية هي تعليم الله، عز وجل، له وتعلمه منه وعلم آدم الأسماء كلها. العلم هو أصل الوراثة النبوية، فمن أراد له حظا منها فعليه بتعلم العلم النبوي من أهله، “.. إن العلماء ورثة الأنبياء .. فمن أخذ بالعلم فقد أخذ بحظه..”. إن أساس الدين هو تعلم بالسؤال، كما أسلفنا، والتفاضل يكون بالعلم، وكمالات الإحسان تكون بحصول “علوم الأولياء” وفتح “عين القلب” والاختصاص بالرحمة، و بابه أهل اليقين المعلمين له “تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن، حتى تعرفوه فإني أتعلمه”، كما جاء في كنز العمال، و لا سبيل لهذا إلا بالتربية التي هي في الأساس، كما يقول الراغب في المعجم، ص 189: “.. التربية وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام..”، فلا علم بدون تربية و لا تربية بدون مربي مصحوب يعلمك العلم وطريق العلم، قال الله تعالى في سورة طه، الآية 114 : وقل رب زدني علما، اللهم صل على من اصطفيت في الخلق رحمة وعلما، وزينت به الخلق رأفة وخلقا، نبيك ورسولك ومصطفاك وعبدك حقا، وعلى آله و أزواجه و أصحابه و إخوانه وحزبه وجنده وخلفائه الراشدين وورثته علما وحلما، وعلينا معهم، آمين ..

خاتمة

العلم والتربية يعملان معا متعاضدين متكاملين مجتمعين لتحقيق أهداف:
– التجديد والتجديد مستمر؛
– تجويد وإتقان كل الأعمال؛
– الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، بلسان المصطفى صلى الله عليه و سلم؛
– إيجاد الأداة الرافعة للفرد والجماعة، من حيث العبادة وكمال الأخلاق، والتي يجب أن نكتسبها ونعمل بها وتصاحبنا في كل صغيرة و كبيرة..
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

الأحد 18 رجب 1438 هـ موافق 16 أبريل 2017.


[1] محمد: 19.
[2] فاطر: 28.
[3] العنكبوت: 43.
[4] آل عمران: 79.
[5] نقلا عن “الموافقات” للشاطبي، ج 4، ص 61.
[6] مجلة الجماعة العدد 8، ص 55.
[7] رواه الطبراني بإسناد صحيح.
[8] أخرجه مسلم.
[9] ص 152 – 153.
[10] ص 178 – 179.