عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» 1.

أهل القرآن الذين اختصهم الله لولايته هم حفظته الملازمون لتلاوته العاملون بأحكامه، رجالا ونساء شبابا وكهولا، المتعهدون له آناء الليل وأطراف النهار، المُتَوجون بشرف الخيرية على شرط تعليمه وإفشاء الرحمة الإحيائية الإيمانية الإحسانية في الناس، وتحبيب الله إلى عباده وتحبيب العباد إليه سبحانه  جل وعلا، حتى ساروا مدارس قرآنية متنقلة عبر الأجيال والأزمنة والأمكنة.

أهل القرآن أسر وبيوت قرآنية، أم صالحة وأب صالح وأبناءٌ هم عملهم الصالح، مِحوَرُ اجتماعاتهم كتاب الله تلاوة وحفظا، تعهدا وتعليما، تخلقا واقتداءً وسعيا لبناء صرح دولة القرآن.

بيوت أرقمية

يُجلِّي الحق سبحانه من أجل الاقتداء بيوت أهل القرآن فيقول: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ 2، وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة 3.

هي مدارس قرآنية، عامرة بذكر الله وتلاوة كلامه، تغشاها الرحمة وتحيطها السكينة، ويشع نورها الآفاق، تتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض، أنوار حسية ومعنوية تعلو بيوت أهل القرآن أثارت انتباه الأنصار فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: “ألم تر يا رسول الله ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة يزهر فيها وحولها أمثال المصابيح فقال لهم: فلعله قرأ سورة البقرة، فسئل ثابت بن قيس، فقال: نعم قرأت سورة البقرة” 4.

هي بيوت دعوية أرقمية، تنوب مناب المساجد في التعليم والإيواء، تؤوي التائب الوافد لرحاب القرآن، بيوت أمر الله أن تعظم، تنبض فيها حياة الإيمان وتفيض على أهلها بالبركات والأرزاق “أَلَا إِنَّ أَصْفَرَ الْبُيُوتِ مِنَ الْخَيْرِ بَيْتٌ صِفْرٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ” 5.

لذلك دأب أهل القرآن على أن يخصصوا داخل مساكنهم مصليات ومحاريب لختماتهم تكون شاهدا عليهم يوم لقاء الله، حيث بَوّب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه “باب المساجد في البيوت، وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعة”، وروى رحمه الله من كلام عائشة عن أبي بكر الصديق أنه ابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، كما روى رحمه الله حديث عتبان بن مالك، “وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى” 6.

وفي السياق نفسه، ذكر الإمام النووي في المنهاج قصصا أقرب إلى الخيال عن حال شيوخ مسلم رحمه الله مع القرآن؛ فقال “عن عبد الله بن إدريس أنه قال: لبنته حين بكت عند حضور موته: لا تبكي فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة، وروينا عن إبراهيم بن أبي بكر بن عياش أنه قال: قال لي أبي: إنَّ أباك لم يأت فاحشة قط، وإنَّه يختم القرآن منذ ثلاثين سنة كلَّ يوم مرَّة، وروينا عنه أنَّه قال لابنه: يا بني! إيَّاك أن تعصي الله في هذه الغرفة فإنِّي ختمت فيها اثني عشر ألف ختمة .وروينا عنه أنَّه قال لبنته عند موته وقد بكت: يا بنية لا تبكي، أتخافين أن يعذبني الله وقد ختمت في هذه الزَّاوية أربعة وعشرين ألف ختمة” 7.

ثم علق رحمه الله على المنكرين لفضل الله في زمانه وفي كل مكان “هذا ما يتعلق بأسماء هذا الباب ولا ينبغي لمطالعه أن ينكر هذه الأحرف في أحوال هؤلاء الذين تستنزل الرحمة بذكرهم مستطيلا لها، فذلك من علامة عدم فلاحه إن دام عليه والله يوفقنا لطاعته بفضله ومنته” 8.

أسر أشعرية

نال الأشعرية قَدَمَ السبق والصدق في مواساة بعضهم البعض، كما نالوا شرف الأسبقية بالاعتناء بكتب الله قراءة وتحبيرا، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار” 9.

اشتهر أهل القرآن الأشعريين بالتعهد الدائم لكتاب الله مخافة التفلت واستجلابا للفضل وصونا للعهد، فقد كان عليه السلام يتمثل حال الحال المرتحل في تحزيبه لكتاب الله، وكان يقول “طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى أَقْضِيَهُ “.

أما عند ختماتهم المنتظمة فكان أهل القرآن ينظرون، إن كان زمن شتاء وقَرّ جعلوه أول الليل حتى يطيلوا وقت صلاة الملائكة عليهم، وإن كان زمن صيف وحصر جعلوه أول النهار، وأشركوا من حولهم لتعميم البركة، فعن أنس بن مالك أنه كان إذا أشفى على ختم القرآن بالليل أبقّى منه شيئاً حتى يصبح، فيجتمع أهله، فيختمه معهم. “وكان رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا بهم” 10. فقمين أن يستجاب لهم، قال ابن الجوزي في كتيب “لفتة الكبد في نصيحة الولد” فإني لما عرفت شرف النكاح وطلب الأولاد ختمت ختمه وسألت الله -تعالى- أن يرزفني عشرة أولاد”.

طالع أيضا  كيف نهتدي بالقرآن؟

فأما إذا جن الليل وأرخى سدوله ونام النوام، ألفيت أهل القرآن السعداء بمناجاة ربهم ينتظرون لحظة السحر، ليُزَكوا حِفظهم ويُناجوا حبيبهم، فعن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة، سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا: يصلي هذا، ثم يوقظ هذا. 11

تلكم أحبتي سمات أهل القرآن في بيوتهم وبين أسرهم، ورب قائل يقول أنى لنا بذلك الجيل القرآني الفريد الخالد، أُذَكره بقول أبي مسلم الخولاني رحمه الله حين كان يصلي من الليل، فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالا!! ثم يصلي إلى الفجر. 12.

فلا عين بكت ولا همة انبعثت والله المستعان.


[1] سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية ، بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.
[2] النور آية 36.
[3] يونس آية 87.
[4] مقدمة تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة ، ط 2،  1999 م.
[5] الزهد والرقائق لابن المبارك، تحقيق  حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية  بيروت ، بَابُ مَا جَاءَ فِي ذَمِّ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا.
[6] صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة ، ط1،  1422هـ، بَابُ المَسَاجِدِ فِي البُيُوتِ.
[7] المنهاج شرح صحيح مسلم، الإمام النووي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، ط2 ، 1392 ، بَابٌ فِي الضُّعَفَاءِ وَالْكَذَّابِينَ وَمَنْ يُرْغَبُ عَنْ حَدِيثِهِمْ.
[8] المنهاج شرح صحيح مسلم، الإمام النووي، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، ط2 ، 1392 ، بَابٌ فِي الضُّعَفَاءِ وَالْكَذَّابِينَ وَمَنْ يُرْغَبُ عَنْ حَدِيثِهِمْ.
[9] صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة ، ط1،  1422هـ، باب غزوة خيبر.
[10] المعجم الكبير للطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد، مكتبة ابن تيمية، ط 2، صِفَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهَيْأَتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
[11] صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة ، ط1،  1422هـ، باب الرطب بالقثاء.
[12] التبصرة لابن الجوزي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1986 م.