حلقة جديدة من برنامج “حدث الأسبوع” تناولت موضوع “احتجاجات جرادة وسياسة التوزيع العادل للفقر”، واستضافت من وجدة، لمناقشة الملف وطبيعة الاحتجاجات، المحامي والناشط الحقوقي عبد الحق بنقادى.

هل فعلا ترك ما سمي بـ”الزلزال السياسي” أثرا على تدبير حياة المواطنين ومعيشهم اليومي أم أن الكوارث التي تقع تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن تغيير الأشخاص ما هو إلا در الرماد على العيون؟

إلى متى ستظل السلطات تواري سوءات سوء تدبيرها ونهبها للثروات بدثار القمع والترهيب وتوظيف القضاء؟

ألا تخشى السلطات من بوعزيزي المغرب؟ فليس كل مرة تسلم الجرة.

أسئلة وغيرها أجاب عنها المحامي بهيئة وجدة.

استهل الأستاذ بنقادى كلامه بتقديم “التعازي الحارة لعائلتي الشهيدين الشابين حسين وجدوان، ولكافة ساكنة جرادة في مصابهم الجلل”.

ثم أكد الناشط الحقوقي أن ما حصل في جرادة “لا يشكل استثناء باعتبار أن ما يعرف داخل جرادة بـ”الساندريات” أو ما اصطلح عليه بـ”مناجم الموت” تعرف حالات وفيات لمجموعة من العمال الذين يشتغلون داخل هاته الآبار لاستخراج الفحم الحجري، وبالتالي كان استشهاد الشابين هي النقطة التي أفاضت الكأس، فالمدينة ككل تشهد واقع هشاشة كبير جدا: اتساع دائرة الفقر والبطالة ومجموعة من المظاهر الاجتماعية، وقد أعطى حدث وفاة الشابين انطلاق هاته الشرارة وخروج الساكنة في احتجاجات على واقعهم الاجتماعي المزري“.

وحول تعامل السلطات مع مطالب ساكنة جرادة الاجتماعية، كشف بنقادى “أن الدولة لا تزال تتعاطى بالمقاربة الأمنية للأسف سيرا على ما فعلته في الحسيمة وفي زاكورة وفي مجموعة من المدن التي شهدت احتجاجات اجتماعية”، وأضاف أن ناشطون أكدوا أن السلطات قابلت هذه الاحتجاجات بـ“مجموعة من الممارسات والأساليب التي عفى عنها الزمن، في محاولة لثني الساكنة عن الخروج والمطالبة بمطالب اجتماعية أساسية”.

طالع أيضا  سوس تنتفض للمرة الثانية تضامنا مع حراك الريف واحتجاجا على أوضاع المنطقة

وطالب الدولة “بحلول جذرية، وتسطير برنامج شامل للنهوض بالمنطقة، حيث المدينة منجمية بامتياز، لا تتوفر على أي موارد فلاحية أو صناعية أو تجارية”.

وأبرز بناقدى، في معرض جوابه عن استمرارية الاحتجاجات وما إذا كان المغرب بصدد حراك آخر بعد حراك الحسيمة، أن “الاحتجاجات لا تزال مستمرة في مدينة جرادة وحتى في الدواوير المجاورة، وقد عرف الإضراب الذي دعا له نشطاء المدينة – الجمعة الماضية – نجاحا تاما، تلاه انخراط الجماهير على مستوى الأحياء توّج بالخروج في مظاهرات عارمة”.

وأوضح بنقادى، في ربط للهشاشة التي تعرفها مجموعة من مناطق المغرب بالتوزيع “العادل للفقر”، أن “إغلاق منجم جرادة سنة 1998، وتوقيع الاتفاقية الجماعية في 17 فبراير 1998 بين وزارة الطاقة والمعادن والمركزيات النقابية ومفاحم المغرب بجرادة، والتي أفرزت مصفيا لحقوق العمال تمثل في الصندوق الوطني للتأمين والتقاعد، لم تفرز بدائل اقتصادية وتنموية للمنطقة، والتي كان من الممكن أن تغني الشباب والعائلات عن استمرارهم بالمخاطرة بأرواحهم داخل آبار تحصد مزيدا من أرواح العمال والشباب الذين يطلبون رزقهم بكرامة، ولسان حالهم يقول إما أن يكسبون قوت يومهم أو يستشهدون دونه داخلها”.

ونفى المحامي بهيئة وجدة أن يكون الأمر عاديا “استحضارا للسياق العام حيث تعرف المنطقة أزمة اقتصادية خانقة، وتعاني مدينة جرادة على الخصوص وضعا اقتصاديا مزريا، حيث كان المصدر الوحيد للعائلات هو أجور آلاف العمال الذين سرحوا من مناجم الفحم بعدما تم حل الشركة، فأصبح الموت في جرادة يتم بطريقتين، الأولى بواسطة المرض المهني المسمى بالسليكوز المعروف داخل المدينة جراء الاشتغال داخل المناجم، فالعمال الذين سبق لهم أن اشتغلوا داخل العمق يعانون من مرض مزمن يصيب الرئتين ويتطور ويفضي إلى الموت، في غياب تام لتغطية صحية أو اجتماعية ولمستشفيات مجهزة وأدوية وعلاجات كافية ولوسائل إسعاف. أما بخصوص الطريقة الثانية فالشباب الآن يموتون بعدما أغلقت الشركة وأصبح الشباب يعملون بشكل عشوائي داخل الآبار بحثا عن لقمة العيش، حيث يفاجؤون إما بانهيارات التربة كما وقع مع الشابين أو خنقا بالمياه الجوفية”.

طالع أيضا  «مجالس الذكر» في حلقة جديدة من حديث القلب بالحسانية

وبيّن بنقادى أن هذه الاحتجاجات “تدل على وعي الشباب المغربي الذي يكتوي بلظى السياسات التي أفرزت هذا الواقع الكارثي الذي أصبحنا نعيشه في عدد من المدن، فنحن نتحدث عن نموذج تنموي فاشل أعلن عنه حتى الخطاب الرسمي، وبالتالي فسياسة إعفاء مجموعة من المسؤولين هنا وهناك أو المقاربة الأمنية لم تعد تجدي مع هذا الجيل الجديد من الشباب، الذي أصبح يستعمل سلطة الشارع للضغط على الدولة من أجل أن تفتح أمامه الأوراش والمشاريع التنموية وتعطي حلولا جذرية من أجل الحياة التي يعيشها”. ووجه خطابه للسلطات طالبا منها “أن تتحمل مسؤوليتها بهذا الصدد”.

واسترسل قائلا “هذا حراك جديد تطور واستفاد من حراك الحسيمة والمدن الأخرى، فالشباب يخرجون ليطالبوا بمطالب اجتماعية بسيطة، يخرجون من عمق المدينة ومن الأحياء المهمشة، صغارا وكبارا، رجالا ونساء للتعبير عن مدى عمق “الحكرة” التي وصلت إليها ساكنة المدينة”.

وشدد المحامي بهيئة وجدة، بخصوص المدخل الحقيقي لهذه الكوارث الاجتماعية، أنه “آن الأوان كي تستمع الدولة إلى صوت الشارع وآهات الساكنة وآلامهم، وأن تستجيب لمطالبهم الاجتماعية البسيطة، وتغير من كيفية تعاطيها مع هاته الاحتجاجات، وإلا فالشارع سيصبح هو الحاسم في احتجاجات يمكن أن تنتقل إلى المدن التي تعيش نفس أوضاع مدينة جرادة”.