أحْيَت جماعة العدل والإحسان بأكادير الذكرى الخامسة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وذلك يوم الجمعة 29 دجنبر 2017م الموافق لـ 10 ربيع الثاني 1439هـ، بحضور عشرات من ممثلي الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية والشبابية والجمعوية من مختلف التوجهات، فضلا عن بعض أطر الجماعة ونشطائها. وقد استهل هذا الحفل الذي قامت بتنشيطه الأستاذة السعدية بيرات، بكلمة الجماعة التي ألقتها الدكتورة خديجة الناصري، والتي رحبت فيها بالحاضرين وشكرتهم على تلبية الدعوة، وذكرت من خلالها بسياق وأهداف تنظيم هذه الفعالية.  

وقد تميزت الدورة الخامسة للذكرى السنوية بتنظيم ندوة حوارية في موضوع “قراءة في واقع مغرب ما بعد 2011 .. الانتظارات، الحصيلة، المآلات”، أدار فقراتها الأستاذ السعيد متوكل، بمشاركة شخصيات أكاديمية وسياسية وحقوقية. وفي أجواء من الحوار المفتوح والنقاش الصريح والواضح والمسؤول، تعاقب على منصة مداخلات الندوة كل من السادة محمد همام، أستاذ جامعي وأكاديمي، وإبراهيم أعراب، فاعل حقوقي عضو المكتب التنفيذي للهيئة المغربية لحقوق الإنسان، ومصطفى المتوكل الساحلي، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، ويونس السالمي، عضو الكتابة الجهوي لحزب النهج الديمقراطي، ورشدي بويبري عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية.

الأكاديمي محمد همام: المشكل الثقافي مطروح داخل أي حراك

أثار الأستاذ الجامعي محمد همام سؤال المثقف والحراك المجتمعي.. المثقف الديني نموذجا. فبعد تعريفه بالمثقف الديني الذي قدمه باعتباره ينطلق من خلفية دينية لبناء رؤية وجودية وفعل سياسي، أكد أن المشكل الثقافي مطروح داخل أي حراك مجتمعي أو سياسي ليخلص إلى أن أحد أسباب ضعف حركة 20 فبراير مرتبط بخلاف ثقافي غير معلن بين مكونين أساسيين للحركة. كما خلص إلى أن دور المثقف هو تهيئة أجواء الاصطفاف على مطالب فكرية ابتداء، مستعرضا لذلك نماذج عند مفكرين إسلاميين ويساريين في المغرب وخارجه.

طالع أيضا  د. المسئول: أحيا فينا الإمام سننا في العبادات والمعاملات والفقه السياسي

المعتقل السابق يونس السالمي : المغرب يعيش لحظة فرز سياسي

الأستاذ يونس السالمي، المعتقل السياسي السابق وعضو الكتابة الجهوية لحزب النهج الديمقراطي، أشار إلى أن ذكرى رحيل الأستاذ عبد السلام ياسين أضحت محطة أساسية لفتح النقاشات واستمرارها. وقد استهل مداخلته المعنونة بـ”سياقات الحراك المجتمعي لــ 2011 وسؤال ما بعد”، بتحديد ثلاث مميزات أساسية لحراك 2011: خروج المغاربة بمطالب سياسية واضحة، وتنوع الفئات المشاركة في التظاهر مع صمود وسلمية الحراك لسنتين.  من جهة أخرى، حدد أبرز نقاط ضعف الحراك في غياب قيادة سياسية وميدانية له، وعدم وصوله إلى نقطة اللاعودة كما حدث في تونس ومصر. وأكد أن المغرب بأوضاعه الحالية عاد إلى ما قبل 2011 في ظل المزيد من القمع والاستبداد. وأشار إلى أن الجماهير أصبحت تنحو نحو تنظيم نفسها كما في الريف وجرادة، ليخلص إلى أن المغرب يعيش الآن لحظة فرز سياسي حقيقي.

الفاعل الحقوقي إبراهيم أعراب: وضعية حقوق الإنسان بالمغرب حرجة

في قراءته الحقوقية لما بعد 2011، ذكر الأستاذ إبراهيم أعراب بمجموعة من المحددات والمعايير التي يتم البناء عليها لقياس مؤشر احترام حقوق الإنسان، معتبرا أن أية قراءة حقوقية لها منهجيتها وخصوصياتها. وبعد أن عرض الوضع الحقوقي بالغرب على بعض المؤشرات الدولية، من قبيل المصادقة على الاتفاقيات الدولية ورفع التحفظ عليها، تساءل عن مدى إدماج تلك الاتفاقيات وانعكاسها على التشريع المغربي، وعن إحداث آليات ومؤسسات لتنزيلها. وفيما يرتبط بمؤشر التقارير الدولية، أشار إلى أن الأوساط الرسمية لا زالت تتعامل معها بنوع من التشكيك رغم كونها مرجعا حقوقيا في الرصد والتوثيق والرقابة، وهي تقرر في غالبيتها أن الوضع الحقوقي في المغرب يمر بوضعية حرجة، حيث ساق لذلك أمثلة من بينها الحق في تأسيس الجمعيات – الهيئة المغربية لحقوق الإنسان وغيرها من الجمعيات الجادة نموذجا – بالإضافة إلى الاعفاءات التي طالت 150 إطارا من الإدارة المغربية على خلفية انتمائهم السياسي.

طالع أيضا  انطلاق اليوم الثاني للذكرى الخامسة للإمام.. وتقديم كتابين جديدين يميزان الفعاليات

الفاعل السياسي مصطفى المتوكل الساحلي: ضرورة التوافق والتراضي بين أبناء الوطن

من جهته تناول الأستاذ مصطفى المتوكل، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، مداخلته حول الحراك القانوني والسياسي والاجتماعي وواقع الحال. أكد في البداية أن المغرب يعيش هدرا للزمن السياسي والاقتصادي والتنموي، مؤكدا على السؤال المحوري الذي يجب أن يجيب عليه كل أبناء الوطن، هو: ماذا نريد؟ وأثار المتدخل أهمية التمييز بين التغيير الواعي الذي يعتبر أقل كلفة من التغيير غير الواعي، متأسفا على انهيار مؤسسات وآليات الوساطة التقليدية، ومحذرا في نفس الوقت من أن إضعاف وإعدام هذه الوسائط بين الشعب والدولة هو بداية انهيار المجتمع. وخلص في نهاية مداخلته إلى أن التوافق والتراضي لركوب ”الحافلة” يستلزم الإجابة من كل أبناء الوطن دون استثناء عن تحديد الوجهة والمسار.

الفاعل السياسي رشدي بويبري: المطلوب استرجاع زمام المبادرة والاصطفاف بمنطق سياسي

من جهته، تناول الأستاذ رشدي بويبري عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة، واقع ومستقبل المغرب بين الانتظارية والمبادرة، مبتدئا مداخلته بكون 2011 لم يكن حدثا بل انعطافة، وبأن ست سنوات غير كافية لإعطاء تشخيص موضوعي لما حدث ويحدث. فالمغرب يعيش أزمة سياسية خطيرة، لا ترتبط بضعف الفاعل الحزبي أو المدني وإنما في كوننا بصدد نظام سياسي ليست له خطة استراتيجية لقيادة البلد. فالنظام يتعامل بمنطق تكتيكي مبني على الاحتواء مع الأزمات وبؤر التوتر المتنامية كما حدث مع الحسيمة وجرادة. كما أكد أن جزء من الطبقة السياسية يعول على النظام، مما أفرز نوعا من التيه السياسي والحقوقي. وخلص إلى أن المطلوب في المرحلة الراهنة هو استرجاع زمام المبادرة والاصطفاف بمنطق سياسي وليس بمنطق إديولوجي.

بالإضافة إلى مساهمات المتدخلين، تميزت الندوة بنقاش غني وساخن بين مختلف فعاليات المجتمع المدني الحاضرة التي أجمعت على ضرورة مواصلة مثل هذه النقاشات البناءة بالموازاة مع العمل الميداني المشترك مساهمة في بناء مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

طالع أيضا  د. مقبول: هناك مساحات واسعة من فكر  الإمام  ياسين لم تكتشف بعد

وفي نهاية حقل الذكرى الخامسة، تقدم الأستاذ عبد الهادي بلخيلية، عضو مجلس الإرشاد، بكلمة ختامية شكر فيها الحضور، وترحم على الإمام مؤكدا أن الجماعة منذ بدايتها كانت ولا تزال حريصة على الوضوح والصدق اللازمين، في عرض مشروعها للعموم رغم الحصار والتضييق المستمرين عليها. وأضاف أن البناء الذي يأتي سريعا يذهب سريعا، لذلك وجب على جميع القوى أن تتداعى للحوار وتنصت لبعضها البعض دون وسائط من أجل بناء مستقبل الوطن. وختم كلمته بالدعاء بالفرج والتمكين للأمة.