•        مقدمة:

إن المتصفح لواقع الحال في بلد كمثل المغرب يدرك لا شك، أنه كارثي على كل المستويات: أوحال وأوجاع متراكمة في طريقنا وفي أنفسنا كالغنم تجز صوفها، تظلم وتهان، تسخر، تسكت، تتجرع المرارة بابتسام، تركع أمام الطاغوت، لا تأمن على حياتها، تجهل ولا تعلم،  تفتقر ولا تواسى، تمرض ولا تعالج.

وعندما لا يبقى في قوس الصبر منزع، وعندما يتعذر الانتصاف من واقع مكروه، يتحرك الشعب غاضبا معبرا عن ذلك في ميادين الاحتجاج رافعا صوته بالمطالبة بحقه في عيش كريم. فأرغم بارتفاع وثيرة نبضه أن تتحرك القوى المجتمعية وتتغير سواء على مستوى السياسة أو الفكر أو الحركة.

هذه المطالبة جعلت من التحول السياسي واجبا وضرورة وإن كنت أراه قد أصبح مقصدا من مقاصد ضمان كليات العيش الكريم حتى ولو كان في حده الأدنى عيشا في حد الكفاف.

ولأهمية هذا المقصد سأتناول هذا التحول من جانبه المطلبي، كما أرجو عدم الفصل بين هاذين المركبين الإضافيين “مطالب” و”التحول السياسي” حتى لا نخرج في الفهم عن السياق العام  المطلوب في تحقيق المصالح ودرء المفاسد. ننشد تحولا سياسيا في مطالبه الشمولية: حرية، كرامة، عدالة اجتماعية.

•        المطلب الحاجي:

1)      أول الحاجيات: وجوب حصول وعي بمتطلبات المرحلة وتكريس ذهنية الواجب العاملة، والخروج من دائرة المتفرج القاعدة والانطلاق بقافلة التغيير بالوعود الناجزة خروجا بها من كهوف الشكوى العاجزة.

       هذا الوعي بمتطلبات المرحلة لا يعني “طوينا الماضي”، بل واجب أن نفحصه جيدا ونستفيد منه ونرصد التاريخ وما يلازمه بذكاء وفطنة ومعرفة بالمعطيات الحالية وتسلسل النتائج عن الأسباب.

       حصول الوعي بمتطلبات المرحلة يعني الانجماع على أساس المطلب السياسي الجامع لا على أساس الموقف الفكري المفرق. وهنا لا تفوتني الإشارة إلى أن الانجماع على المطلب السياسي لا يعني التنكر لطبيعة المجتمع وانتماؤه الفطري لدينه.

طالع أيضا  د. أمكاسو يفتتح فعاليات الذكرى الخامسة لرحيل الإمامِ ويرحب بضيوف الجماعة

فكل تحول سياسي يقاتل البغي السياسي ولا يتعارض مع الطبيعة الغالبة للمجتمع، ويضمن حق شرف المواطنة للجميع، نحن معه على هذا القصد الحميد.

2)      ثاني الحاجيات: حاجتنا لإرادة تغيير قوية صادقة تتقوى بانجماع نخبة شجاعة ذكية قوية تفضل النظرة البعيدة وتختار الحوار.

إرادة تفرض علينا أن نعلم الشعب ونرسخ في عقولنا على أننا على فاتحة عهد طويل من العطاء والعمل الدؤوب. عمل يفرض علينا أن لا نقلد بل نخترع لزماننا، وبوسائلنا وأهدافنا الصورة المناسبة لمستقبلنا، يجب أن نبني على غير منوال.

3)      حاجتنا ثالثا: للاندماج الطوعي الإرادي، وللإدماج الذي هو فعل تفرضه قوة الوازع وهو لا بد منه وتغلب فيه الرحمة والحكمة. اندماج ودمج في إطار تكاملي وتحول يرتقي في مراحله، وصولا إلى استقامة على الحق تجعل الشعب واحدا لا مكان فيه لكل الفوارق المنافية لكرامة الإنسان.

مع مراعاة أن هناك مطلبين اثنين يتقدمان بالضرورة أي سياسة إدماج:

– مطلب الانسجام الفكري العقدي: وهذا لا يتأتى إلا بالترفع عن الأنا الاستعلائية. فاحترام هوية الشعب ومقومات وجوده الذاتية يجب أن يكون في أول أولويات شرف التنوع الحضاري.

– مطلب الانسجام المعاشي الاجتماعي: وهذا لا يتأتى إلا بتوزيع عادل في الأرزاق.

•        المطلب البنائي في التحول السياسي: أفقيات البناء / أعمدة البناء / مسلمة البناء.

حاطب بليل إن كنت تروم تحولا من غير ركائز، لذلك كان لا بد لأي تحول سياسي نريده أن يكون بنيانا شديدا ولذلك سيجته بأفقيات وأعمدة:

1)      أفقيات البناء:

       رؤية مجددة ومتجددة وقوية تنظر بعين فاحصة لمآلات هذا التحول مستقبلا، رؤية بعيدة المدى تحول قبلة الأفكار، وطبيعة المجتمع، إلى وجهة لا تدور بنا سراديبها إلى إعادة المعهود الموروث “سيطرة الحزب الواحد والزعيم الأوحد والقائد الملهم”.

طالع أيضا  تجارب في التحول السياسي

       الأرض الصلبة: المقاومة لكل أشكال الهزات والارتجاجات وهي تتمثل في قوة وصلابة الجماهير الشعبية سواء على مستوى “الكم” وذلك في تكثيف منسوب النضال الشعبي وكسر جدار الخوف القروني، أو على مستوى “الكيف” وذلك بقوة تماسك وصلابة كتلتها الطليعية والمتمثلة في النخب الفكرية والسياسية والمجتمعية.

2)      أعمدة وركائز البناء:

       إعداد الرجال: واللفظة تحمل معنى الذكر والأنثى، والقصد هو إعادة الاعتبار للدور الريادي لرموز قمة هرم التغيير الحضاري:

* العالم القدوة.

* الأستاذ المربي.

* والأم الحاضنة.

“ثلاثية البناء الصلبة” ولأهميتها فمعول الهدم بدأ من هذه الثلاثية بدءا من العنصر الأشد حساسية فيها وهي الأم الحاضنة.

       القيم والأخلاق: خروجا بالشعب من النفاق السياسي والغموض الفكري، والتخوين، واتهام النوايا، والإقصاء و… المخرج الوحيد لكل هذا مخرج الصدق والمروءة والوضوح والشفافية.

       العقد والعهد الاجتماعي الجامع:

ورش البناء يتطلب سواعد شتى على مختلف التخصصات تؤسس على قاعدة التعاقد والاتفاق والتراضي لجبهة واسعة وصف قوي يتعالى فوق كل الأنانيات، عقد وعهد ليتصرف الناس على علم بما لكل وما عليه.

       أوراش الإعداد والبناء الجامعة “العمل الصالح”: وذلك بإعادة الاعتبار لثقافة المؤسسة وتقوية العمل بها لأنها الأقدر على رعاية مصالح الناس من الأفراد ولأنها تضمن الاستقرار والثبات والاحتكام للقانون.

3)      مسلمة البناء اللازمة للتحول الحضاري: “السلمية”

وهي عصارة كل فكر ورقي مجتمعي يزن خطواته نحو المستقبل وهي مقياس التناغم السياسي والاجتماعي والفكري والأخلاقي، وهي الضامن لتحول محافظ على الاستقرار بأقل تكلفة وبأحسن النتائج.

•        المطلب الوقائي للتحول السياسي:

إن كل تحول سياسي يتميز بالرقي الإنساني إلا وتكون سمته المرونة مما يجعل طريقه منعرجة ومتموجة حسب ظروف الزمان والمكان، وسأحاول في مشهد تمثلي أن أسوقكم لأوصاف الوقاية التي تحميه من كل ما من شأنه أن يعرج به إلى حيث العهد المتسلط حيث يأتي الحاكم بأمره ليمارس تسلطه على هواه.

طالع أيضا  ذ. الحريف يعدد مظاهر استبداد النظام الحاكم بالمغرب

أتمثله أيها الأحباب كمثل سقاء الماء الجاري أو النهر الجاري الذي حيثما وجد وجدت رفاهية الحياة.

ـ هذا النهر له نبع إما من جبل أو محيط أو من جوف أرض أو فوق سطح، فكذلك التحول السياسي له نبع وهو قوة ضاغطة تجعل صبيبه مرتفعا تأتي من الشعب بمختلف فئاته المتعددة مشاربها.

ـ وللنهر روافد تغذيه وترفع من درجة صبيبه فذاكم هم النخب السياسية والفكرية والمجتمعية كل من جهة مكانها.

ـ أما إذا قويت نسبة صبيب مياه هذا النهر نقيم عليه خزانات تحمي قوة تدفقه من أن تجرف التربة أو تنفعنا بحسن تدبير مائه وقت الحاجة والجفاف. تلك هي خزان التعددية المانعة للتحول السياسي من الانجراف والجفاف.

ـ لكي نحمي مياه النهر من التلوث نقيم على ضفافه رقابة وحراسة تحميه من أن تمتد إليه الأيدي الآثمة وكذلك نهر التحول السياسي يحتاج لجهاز مناعة قوي يطهره من الأدران ولن يكون إلا بتقوية جهاز التربية والتعليم، وحوطه بفئات الشعب المتعلمة العالمة وهم أطوع الناس في تغيير مذاهب وأفكار تخشبت على ذهنيات جامدة وتحجرت.

فإذا كانت الصراعية السياسية تغذي الأحقاد فسلامة الصدر والمحبة لهذا الوطن تعلمها المروءة والثقة والحوار والتسامح والتياسر والانسجام والإيمان بالفضيلة الإنسانية التي تنتفي بها من المجال أساليب العنف.

•        خاتمة:

كل التحولات السياسية في التاريخ البشري انبنت على مطلب بشري لا تتوق النفوس لأعز منه: إنه أوكسجين الحياة: “الحرية”.

ولأجل الحرية تعالوا نقطف ثمرة الخلاص من شجرة الوفاق.

تعال… لا تكن العاجز بل كن الناجز.

تعال… لا تكن المفرق المشتت بل كن الجامع.

تعال… وتعال عن الأنا لننخرط جميعا في مشتل الغرس والبناء.