إذا كان تلامذة الأستاذ المربي الذين استأنسنا ونستأنس بشهادتهم على مدى هذه الفصول قليلي معرفة وخبرة، في ذلك الوقت، ليحكموا على مستوى التدريب الذي خضعوا له في مدرسة المعلمين، وعلى أسلوب إدارتها، وعلى الرؤية التـي أَمْلَتهما، وعلى الغاية التـي أمّلتها، فإن ما تراكم لديهم، بعد نصف قرن من الزمان، من معارف وخبرات في ميدان التربية والتعليم، وفي ميدان الفكر والسياسة، وفي ميادين الحياة، معاً، يُمَكِّنُهم من النظر إلى عمل أستاذهم ومديرهم آنئذ، بعين العارف الخبير، لتقويم الأسلوب الذي أدار به دواليب مؤسسته التربوية، وقياس درجة الأثر الذي تركه، ليس في مسار حياتهم العلمية والوظيفية الخاصة بهم هم فحسب، بل في مسار كوكبة كبيرة من رجال التعليم والأدب والفكر والسياسة في البلاد. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن الفترة التـي قضاها أستاذنا مديرا ومدرسا بمدرسة المعلمين كانت ذات أثر معتبَر في مسار كثير من الأطر التعليمية ومن النخب المثقفة ومن الشخصيات السياسية ومن عامة المتعلمين بعد ذلك في كل أرجاء البلاد. ولعل هذا استنتاج سابق لأوانه نحتاج إلى صفحات أخرى لنتأكد من مدى صدقيته وواقعيته بفحص وتحليل الوثائق المتعلقة بالموضوع، وبشهادات الشهود، وباستحضار سياق بعض المحطات من تلك المرحلة التاريخية التـي تحمل إلى الآن آثار صاحبها. آثار لم يغب عنها ظل هذا «الرجل المتميز والفريد في نوعه» من حوار المؤلف مع أبي العزم .

كان، بحكم شخصيته المؤثرة وتكوينه الشامل وخبرته الواسعة التـي زكتها مسيرته التربوية في الداخل وتدريباته بالخارج، جسرا مهما بين أولئك الشباب الذين جاؤوا من كل مناطق البلاد الخارجة لتوها من عهد الاحتلال العسكري، وبين مستقبل وآفاق لم يكونوا يدركون منها غير ما كان يُعِدُّهُمْ أستاذهم للسعي فيها ولمواجهة تحدياتها.

طالع أيضا  ذ. الرمبوق: خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين متأثر غاية التأثر بالخطاب القرآني

وكانت أعمار أولئك المعلمين المتدربين تحت إشرافه تتراوح بين 18 و22 عاما، وهي مرحلة عمرية تتوج مرحلة المراهقة المتعِبة المشوِّشة الحائرة، وتفتتح مرحلة الشباب المتحفزة الفائرة الثائرة المتطلعة إلى إثبات ذات صاحبها. شباب متحفزون ومتطلعون وطموحون، ولكنهم كانوا في أمس الحاجة إلى من يمدهم بالخبرة الكافية لاقتحام عقبات الحياة، وبالدُّفعة المسبقة لينطلقوا في دروبها دون عِثار، وبالعلم النافع اللازم في حق من يتسلمون مسؤولية تعليم وتربية رجال المستقبل، وبالثقة في النفس وبالإرادة والعزيمة الكفيلة باستصغار المصاعب المنتظرة بعد تخرجهم، في بلاد كانت تحبل بما لم يكن يبشر بخير، وتقف على أبواب متاهات أزمات سياسية واجتماعية بدأت تطل برأسها مطلع ستينات القرن العشرين، خاصة مع الوهج الذي عرفه المشهد السياسي المغربي بين عامي 1958 و1962م، والذي اشتد فيه الصراع بين القصر وبين بعض القوى السياسية خاصة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي انشق برموزه عن حزب الاستقلال عام 1959م. ولا شك أن وهج هذا المشهد السياسي المتصاعد لفح صفوة شباب ذلك الوقت. شباب تبوأ كثير منهم من الدولة، فيما بعد، مناصب مرموقة في مسالك التعليم والقضاء والإدارة، وأغرق بعضهم ميدان الأدب والتاريخ والثقافة والفكر بإبداعاتهم ومؤلفاتهم، وبات بعضهم من رموز السياسة الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس. وعلى الرغم مما أصبح عليه هؤلاء من درجات وما أضحوا فيه من حيثيات وما نالوه من وجاهة فإنهم ما فتئوا، أكثرُهم، يذكرون اليد المستقيمة التـي أخذت بأيديهم وقطعت بهم طريقا وعْرا في مرحلة من تاريخ المغرب حالكة.

ومن هؤلاء الدكتور أحمد التوفيق، وقد عرَّفْنا به في سياق سابق. ومنهم، إضافة إلى مومن وأبي العزم والسعيدي والتوفيق، الشاعر إبراهيم الحري، والأستاذ الجامعي والعضو في المجلس العلمي لمراكش الشاعر محمد البايك، والحسين ألُوَّاح رئيس أحد المجالس العلمية، والناشطُ السياسي اليساري بوجمعة الهباز، المختطَف المخفي منذ أبريل 1981م في أتُّون سنوات الرصاص، والذي لم يظهر له أثر ولم يُعرف عنه خبر إلى اليوم. وكان من ضمنهم الأديب والمؤرخ والمناضل الراحل علي صدقي أزايكو، العضو السابق بالمجلس الإداري للمعهد الأمازيغي، وعبد الله بونفور أستاذ اللسانيات بالمعهد الوطني للغات والثقافات الشرقية بباريس والأستاذ السابق بالمعهد المولوي، وعبد الفاضل الغوالي، المفتش الممتاز بوزارة التربية الوطنية، وأحمد الملاخ الذي آثر، كما يأتي في فصول لاحقة، الموقفَ التاريخي الصعب والعصيب مع أستاذه على شهادة الدكتوراه من السوربون بباريس.

طالع أيضا  حسن التجلي

وعلى الرغم من أن السبل تفرقت بهؤلاء الرجال إلى مذاهب وإيديولوجيات وتوجهات لا يكاد يجمع بينها جامع، إلا أنه جمعت بينهم الريادة في ميادين التعليم والثقافة والفكر والسياسة. ويجمع من لقينا منهم على ما كان لأستاذهم ياسين من أياد بيضاء عليهم، ومن أثر بالغ في مسارهم الدراسي والوظيفي والعلمي والحياتي.

وكنا سألنا مومن سؤالا واضحا دقيقا وطلبنا إليه جوابا واضحا دقيقا:

– لو أن هؤلاء الرجال لم يحظوا بالتلمذة على الأستاذ ياسين، هل كان منتظَرا أن يبلغوا ما بلغوا؟

فأجاب:

«بالمقاييس التـي تحكم علاقة النتائج بالأسباب: لا أعتقد ذلك. لقد وجدوا من أخذ بيدهم ووجههم وأرشدهم ودفعهم إلى العمل. وهم يعرفون هذه الحقيقة» 1.

استطاع الأستاذ ياسين احتضان هذه الصفوة من الشباب المنحدرين من مختلف مناطق البلاد، المتباينة خلفياتهم النفسية والاجتماعية والثقافية، وشحْذَ هممهم وإدخالهم في الأجواء المناسبة لتلقي ما يحتاجونه من علم وخبرة ووسائل عمل، إعدادا لهم ليتحملوا مسؤوليتهم التربوية المستقبلية، وليواجهوا ما ينتظرهم من مهمات جسيمة، حتى تخرجت منهم أفواج كانت لها كلمتها في مستقبل البلاد.

من كتاب: “عبد السلام ياسين – الإمام المجدد”، محمد العربي أبو حزم، ج1، ص: 106-108.


[1] من حوار المؤلف مع مومن.