في سياق الذكرى الخامسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، وبحضور شعراء ومثقفين وفنانين وباحثين في اللغة والأدب، نظمت هيئة الفنون والثقافة يومه الأحد 05 ربيع الثاني 1439هـ الموافق لـ 24 دجنبر 2017م بمدينة سلا، ندوة فكرية في موضوع: “الشعر في المشروع التجديدي للإمام عبد السلام ياسين” رحمه الله.

بعد تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم من القارئ الحبيب السلاسي، رحب مسير الملتقى الشعري بالحضور الكريم، مذكرا بسياقه الذي صادف الذكرى الخامسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، وعارضا برنامجه المتنوع بين جلسة حوارية، وندوة أدبية، ووصلات فنية وشعرية.

افتتحت فقرات اليوم الشعري بكلمة هيئة الفنون والثقافة ألقاها الأستاذ عبد القادر الدحمني، متناولا طبيعة القضية الفنية في فكر الإمام والتي تروم طرق مختلف الأسماع والميول والأذواق عبر جمال الكلمة الأخاذة، واللحن الشجي، وجمال الخط والتشكيل… مؤكدا على ضرورة تجديد التجربة الفنية وصقلها، لتسوق سفينة الجمال “يد الرفق والحكمة، لا تشغلها الحِرفية الجمالية عن المضمون”، كما ثمن جهود من أسهم في غرس مشاتل الخير، وذكر بمجال اشتغال الهيئة ربطا بين “الثقافة والفن في واجهة واحدة”، داعيا إلى استحضار السياق الثقافي للندوة حيث انعقدت بعد مرور ستة أيام عن اليوم العالمي للغة العربية.

وقد ارتأت الهيئة استهلال ملتقاها الشعري بعرض تقديمي للأستاذ الشاعر منير الركراكي، مهد له بتعريف الشعر، وكلام الشعراء فيه، مميزا بين شعر المعنى “شعر مِن الله لله”، الذي له بالجمال ذوق وصلة، وبالمعاني كشف وتجلية، وشعر اللامعنى “شعر من لاه للاه”، والذي جُعل غاية في ذاته أو وسيلة بلا غاية، أو خادما لغاية غير نبيلة، أو ما أسماه بشعر ما قبل إلا، وشعر ما بعد إلا الواردة في سورة الشعراء. ليركز حديثه على “شعر المعنى” الذي يقتضي وجود باث/شاعر مؤمن عامل للصالحات، منتصر على الظلم، ومتلق متذوق للشعر باحث عن جمال الشكل، وقيم المضمون، وظرف يفرض على الأول الجدية والتجديد، وعلى الثاني النقد والإفادة، ورسالة تحمل بلاغة فصيحة وموسيقى رنانة تمتزج فيها الذاتية هما وفهما وعزما، والموضوعية اهتماما بالمجتمع والأمة والإنسانية، وبريد رسالة لتكون الكلمة الشعرية وسيلة مؤثرة، مخاطبة للجمهور في العالم، وعنوان لخصه بقوله: “قلبي وقلبك، وعقلي وعقلك، ونفسي ونفسك، وبيتي وبيتك، وحيي وحيك…”، وثمنِ الشكر والامتنان ثمرة الكلمة الطيبة. ليختم الشاعر منير الركراكي عرضه بتصديق شعري/ قصيدة عن “شعر المعنى وشعر اللامعنى”، الذي لا يصنع بالكلام والأنغام أغناما، بل يكون للعدل نبراسا، وللإحسان رساما.

طالع أيضا  د. المسئول: أحيا فينا الإمام سننا في العبادات والمعاملات والفقه السياسي

وصِلة بالعرض، أدار الأستاذ سعيد مولاي التاج جلسة حوارية مع الشاعر منير الركراكي حول بدايته الشعرية المبكرة، وانطلاقته الثانية مع توجيه الإمام عبد السلام ياسين له لكتابة الشعر، وتتبع مساره الشعري مدا له بدواوين من مكتبته، واستماعا لأشعاره، وتوجيها له في جمالية الشكل، ورسالة المضمون. وعن سؤال الإقلال من كتابة الشعر أجاب بكونه قد يكتب قصيدة طويلة في ساعة، لكن تجويدها يأخذ منه وقتا طويلا. وختم الحوار الشيق بقراءته مقتطفا من رسالة الإمام رحمه الله له من سجن لعلو سنة 1983م يستحثه على كتابة “ملحمة شعرية” تستوعب التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل، ويغذي قراءته الشعرية، ويوقد قريحته للإبداع.

وقد أعقب الدردشة الحوارية ندوة أدبية في موضوع: “الشعر في المشروع التجديدي للإمام عبد السلام ياسين” رحمه الله، سيرها الأستاذ سعيد مولاي التاج، جدد الترحيب بالحضور، وعبر عن الأمل في أن تصير الندوة تقليدا سنويا يجمع الفنانين والمثقفين، مبرزا أهمية مدارسة تركة الإمام ياسين الشعرية التي وافت تسعة دواوين، تضم أربعة آلاف بيت شعري. وقد شارك في الندوة ثلة من الباحثين في المجال الأدبي، وهم تباعا:

– الأستاذ عبد الغني العجان: صاحب كتاب “جدلية اللغة والمجتمع، مقاربة سوسيولسانية للوضع اللغوي بالمغرب”، قارب في مداخلته التصوير الشعري في تجربة الأستاذ عبد السلام ياسين الشعرية، مقدما لذلك بمبحث في “شعر العلماء” فتح خلاله صفحة من صفحات النقد الأدبي مستقرئا بعض الموازنات بين العلماء والشعراء، وموضحا للمواقف تجاه شعر العلماء، ليخصص المبحث الثاني من ورقته العلمية لصفحة من صفحات تجربة الأستاذ ياسين الشعرية منبها إلى أمرين اعتبرهما في غاية الأهمية:

أولهما: تجسيره للتعايش بين الشعر والدين والاجتماع والفلسفة والعلم.

ثانيهما: اعتصاره للعلم من أجل تقوية بنية الشعر.

ولصعوبة تقديم قراءة لتجربة الأستاذ عبد السلام ياسين الشعرية في وقت وجيز، ارتأى ذ. العجان اكتشاف تجربة التعالق بين الشعر والعلم مجسدا في “علم الآخرة” بمقاربة التصوير الشعري في نموذج/ قصيدة من المنظومة الوعظية تحشد الصور الحية والحركية، وتوظف التمثيل التشبيهي، والفعل المضارع “طريق البلغاء” بما يناسب الموضوع ويحقق الجمال، تأسيسا لعلم الآخرة على مرتكز لغوي ناقل للمشاهد من الحياة الدنيا إلى الآخرة، ومبرز للذات العالمة والذات الشاعرة عند الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله.

طالع أيضا  ذ. الحريف يعدد مظاهر استبداد النظام الحاكم بالمغرب

– الأستاذة جهاد الساخي: الباحثة في الخطاب وقضاياه، عنونت مداخلتها بــ”دور الشعر في استنهاض الهمة وتعبئة الأمة”، فبعد جولة بيانية في الشعر وتقعيده بين القدامى والمحدثين، لفتت الانتباه إلى ضرورة اهتمام الشاعر بأمر أمته، والنأي عن جعل شعره مظروفا بمرحلة تصيره عبئا على الأدب، مركزة على ما يميز شعر الإمام عبد السلام ياسين، وهو اهتمامه بمصير الفرد ومصير الأمة، وممثلة لتلازم المصيرين بالموضوعات الشعرية التي تناولها في منظوماته من خلال نماذج أشعاره، كصحبة الولي الخِل، والحث على الذكر، والتزيي بالصدق، وتفصيل المنهاج النبوي، والدعوة إلى البناء وتعبئة الأمة، ودور المرأة في ذلك، إلى جانب القومة في وجه الظلم والطغيان، ووضع اليد على جرح الأمة فلسطين، لتختم مداخلتها بضرورة جمع الشعر بين جمال اللفظ وكمال المعنى، لافتة الانتباه إلى تجسيد شعر الأستاذ ياسين هذا الجمع أحسن تجسيد.   

– الأستاذ الحسن السلاسي: أستاذ اللغة العربية، وشاعر، ومؤلف كتاب “الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين”، عنون الباحث في الأدب مداخلته بــ“ركائز الخطاب الشعري ومميزاته عند الأستاذ عبد السلام ياسين”، واستهلها بفرش اصطلاحي حول مفهوم الخطاب الشعري تمييزا له عن باقي أنواع الخطاب، مؤكدا اتخاذ شعره صورتين متكاملتين: توظيف الشعر في سياق الاستدلال، ومساق الإبداع. وخلص في ورقته العلمية إلى ارتكاز شعر الأستاذ عبد السلام ياسين على ركائز أهمها: الاستقاء من النبع القرآني والنبوي، والنهل من علوم اللغة عروضا وبلاغة، والتثاقف مع الغير استفادة وإفادة إلى جانب الذوق السليم الرقيق الرائق. أما مميزات خطاب الأستاذ ياسين الشعرية وسماته فلخصها في ثلاث: الربانية منطلقا وغاية، والمسؤولية استيعابا للقضايا، وتفاعلا وجدانيا وفكريا معها، وتبليغا لها، والقصدية استعانة بجمالية الشعر متعة وتذوقا للتربية والتعبئة والمدافعة. وختم مداخلته بإلقاء قصيدة وسمها بــ”حسن التجلي”.

طالع أيضا  وللموت عَزاء في ذكرى الوفاء

وشكلت فترة المناقشة فرصة لتقليب الموضوع ومطارحة قضاياه، تساؤلا عن جدوى القصيدة في واقع موسوم بالتخلف، مغلق بالفساد والاستبداد، وتوضيحا لإسهام الإمام ياسين في المصالحة بين الثنائيات المتناقضة: الدين والعلم والدين والفلسفة، وتقليص الهوة وردم الفجوة بينها، والمصالحة بين الشعر والواقع، وتنبيها على تجسيد شعره لكليات التوحيد والرسالة والأخلاق، وتميزه بنكران الذاتية باعتبارها من لوازم الأدب مقابل استحضاره للآخرين وسعادتهم دنيا وأخرى، وموازنته بين الجمالية الشكلية والمضمونية.

وفتحت تعقيبات المؤطرين موضوع الندوة على عوالم جديدة، تنحو نحو التأكيد على ضرورة اكتشاف مسلك الأستاذ عبد السلام ياسين في تجربته الشعرية القابلة للقراءة والتصنيف من المبدعين والنقاد، سواء في جانبها السيري أو جانبها الموضوعي.  

وعرف الملتقى الشعري تكريما مثمنا للموجود، ومقدرا للجهود، قدمت خلاله هيئة الفنون والثقافة درعين لكل من الشاعر منير الركراكي، والأستاذ عبد الفتاح أزبير، وشواهد تقديرية لمؤطري الندوة، ليعقب التكريم وصلة فنية في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقراءات شعرية من أشعار الإمام من قبل الأستاذ أزبير والقاص حميد الراتي.

ووُقع ختمُ الملتقى الشعري بالإعلان الرسمي عن إحداث “جائزة الإمام للإبداع” تكون “عنوان وفاء، ومشروع إحياء، وفرصة لقاء” تحتضن الطاقات المبدعة في مجالات الفن والرسم والشعر والغناء…