عين الأستاذ ياسين مفتشا إقليميا ببني ملال 1 في ماي 1958م، وكانت زوجه حاملا بابنتهما البكر، ندية، التـي رأت النور في فاتح دجنبر 1958م بمدينة الدار البيضاء.

كان إقليم بني ملال «يتخبط في الانحلال والفتور وسوء التسيير، واستغلال النفوذ من طرف الرؤساء شيء يتنافى والضمير المهني، ويتنافى مع حسن التدبير والتخلق بالمروءة، مما أدى إلى تفاهة النتائج ونزول المستوى العام وغياب التربية» 2.

وحتى نأخذ فكرة عن مستوى المسؤولية الجديدة للرجل نلقي نظرة خاطفة على مقتضياتها آنذاك:

«- المفتش الإقليمي موظف من إطار مفتشي التعليم الابتدائي، وهو يتحمل مهمة الإشراف المادي والبيداگوجي في ناحية من نواحي المغرب.

– ولا أقل من أن يشرف المفتش الإقليمي على 300 فصل و200 معلم ومعلمة.

– والمفتش الإقليمي يوافق على تنظيم الامتحانات التـي يشرف عليها مفتش التعليم الابتدائي سواء من حيث اختيار المواضيع إن كانت أو من حيث استدعاء لجان المراقبة والتصحيح كما يتوقف أمر تعيين الموقتين والعرفاء وحصر عددهم وأمكنة عملهم على موافقته أيضا.

– وله الحق بتفتيش جميع المعلمين من مختلف الدرجات.

– والمفتش الإقليمي يؤيد المراسلات المرفوعة إلى الوزارة ويبدي نظره فيها ومن اللازم أن تمر على يده كل المراسلات التـي يبعث بها المفتشون وغيرهم إلى وزارة التربية مهما كان موضوعها إلا فيما يتعلق بتقارير التفتيش» 3.

فكيف أدى المفتش الإقليمي الجديد مهماته؟

«جاء أخونا وتقبل وظيفته الجديدة بالعزم والحزم والاتكال على الله، فقام بعمل جاد إصلاحي عام، فنظم ورتب وحمل الجميع على الجادة، فظهرت بوادر العمل ونتائج الاجتهاد؛ فهو كعادته لا يتساهل مع المعلمين الكسالى والمستخفين بالمسؤولية. فزار المجموعات المدرسية والمدارس المركزية مهما بعدت المسافات، فحرك الضمائر وألجم المطامع وأخذ بيد الضعيف وأنار الطريق وهدى السبيل وذلل العقبات وتغلب على المشاكل، فسارت الأعمال نحو الازدهار والتخلص من التدهور وانتعش التعليم في الإقليم.

وهكذا ترك السيد ياسين بصمات التقدم والانفتاح في التعليم بإقليم بني ملال، ووسع دوائر المعرفة بما أوتيه من صبر وروح إدارية فأحبه الخاص والعام» 4.

وحين يتحدث سقراط عن الأثر الكبير الذي خلَّفه صديقه القديم في إقليم بني ملال فهو يعني ما يقول؛ وقد شهد بهذا الأستاذ الجامعي والمفكر الاشتراكي ووزير التربية الوطنية السابق عبد الله ساعف 5 حين تحدث عن الأستاذ ياسين فقال:

طالع أيضا  انطلاق فعاليات الذكرى الخامسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين

«أعطى الكثير للمنظومة على عدة مستويات، وقد تابعت ذلك بشكل دقيق في الستينات وجزء من السبعينات. أتاحت لي المسؤولية التـي كنت أتحملها في حكومة التناوب (1998-2000م) فرصة الاطلاع على رصيده في بني ملال بخط يده، وأكثر من ذلك الصورة التـي بقيت في الأوساط التعليمية أستاذا ثم مفتشا، الصورة التـي وجدتها عند من لا يزال يتذكر أنه أستاذ جدي ملتزم بالرسالة التعليمية، كان يتميز دائما بمحاربته للمحسوبية والرشوة والانتهازية… وأظن أن الآثار المكتوبة ستعطي الكثير في المستقبل…» 6.

وبين أيدينا دفتر تقارير الأستاذ ياسين باللغة الفرنسية بخط يده، خاصة بمديري المدارس الفرنسيين في مختلف مناطق إقليم بني ملال كالفقيه بنصالح وسوق السبت وآيت عْتَاب ودار ولد زِيدوح وبني ملال، تعود إلى عام 1959م. وهي تقارير مفصلة ودقيقة تشخص حالة التربية والتعليم في بعض المدارس من زوايا عدة، وتمنحنا فكرة عن أسلوب الرجل في العمل، وعن نظرته المعظمة لشأن التربية والتعليم، وعن درجة تحمله للمسؤولية التـي ألقيت على كاهله.

من كتاب: “عبد السلام ياسين – الإمام المجدد”، محمد العربي أبو حزم، ج1، ص: 69-71.

 


[1] مدينة في الوسط الغربي للمغرب الأقصى بين جبال الأطلس المتوسط وسهل تادلة، تبعد عن مدينة الدار البيضاء بـ 250 كيلومترا، وعن العاصمة الرباط بـ 340 كيلومترا.
[2] سقراط، علي، “مذكرات”، ص: 26.
[3] اشماعو، محمد بن أحمد/ العربي، المنيار، “كتاب التشريع المدرسي”، ص: 21.
[4] سقراط، علي، “مذكرات”، ص: 26.
[5] أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة محمد الخامس بالرباط. حاصل على دكتوراه الدولة في القانون العام من جامعة باريس 2. درّس في جامعات المغرب وفرنسا، شغل منصب وزير منتدب لدى وزير التربية الوطنية مكلف بالتعليم الثانوي والتقني (1998-2000)، ثم أسندت إليه حقيبة وزارة التربية الوطنية (2000-2002). يساهم في العديد من المؤسسات والهيئات الأكاديمية والبحثية المغربية والدولية. وله حوالي 20 مؤلفًا منشورا باللغتين العربية والفرنسية في المجال السياسي والشأن التعليمي.
[6] من كلمته في الذكرى الأولى لرحيل الإمام عبد السلام ياسين؛ 14 دجنبر 2013.