1-  الشعوب تقول كلمتها..

على حين غفلة من القبضة الاستبدادية الشاملة المدعومة من طرف أنظمة الاستكبار العالمي، انطلقت بعض الشعوب العربية في هبات جماهيرية مع نهاية سنة 2010م لتكسر معادلات الداخل والخارج ولتؤكد أن إرادة الشعوب لا تقهر، وأن السيادة للشعب سيسترجعها ولو بعد حين من التسلط والتحكم والاستبداد.

هبات اختلفت في أشكالها ومساراتها لكنها التقت جميعا على ثلاثية المطلب: الحرية، الكرامة والعدالة، وهكذا طالبت الشعوب المنتفضة برحيل الاستبداد وتحقيق دولة ديمقراطية ركيزتها السيادة للشعب، وكانت البداية من تونس الخضراء لتعم الهبة الشعبية دولا أخرى مثل مصر، المغرب، ليبيا، اليمين، سوريا، البحرين …

2-  الاستبداد يتحرك..

وعوض الاستماع لنبض الشارع والاستجابة لمطالبه المشروعة اتفقت أنظمة الاستبداد على مواجهة التحركات الشعبية وإجهاض حلم التغيير بدعم من أنظمة إقليمية متسلطة وتواطؤ مكشوف من أنظمة ادعت فترة من الزمن أنها نصيرة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم.

وقد تنوعت أساليب الاستبداد في مواجهة الهبات الشعبية بين خيار المقاربة الأمنية الصارمة واستدراج الثورة والثوار إلى مستنقع الصراع الدموي (حالة سوريا وليبيا) خاصة بعد التدخلات الأجنبية التي خلطت أوراق الثورة وشقت صفوف الثوار، إضافة إلى خيار إجهاض الثورة بعد نجاحها (الانقلاب العسكري في مصر)  ثم المناورة والالتفاف بتقديم تنازلات شكلية سرعان ما سيتم التراجع عنها تدريجيا (حالة المغرب).

فهل فشل التحول السياسي في المنطقة؟

3-  رؤية من أعالي المشهد..

صحيح أن الاستبداد في المنطقة العربية استطاع كسب الجولة الأولى، وصحيح أن قوى التغيير لم تكن على مستوى كاف من التصور والرؤية الكاشفة لمتطلبات المرحلة وآفاق التحول ومنعرجاته، وطغت على العموم نظريات إصلاحية في لحظات تغييرية، وصحيح أيضا أن الشعوب المنتفضة في مجملها إنما ردت الفعل على واقع الاستبداد والظلم ولم تصل بعد إلى مستوى الفعل الواعي بالمصير المشترك الباني لقوة مجتمعية تحررية، لكن دروس التاريخ تؤكد أن التغيير حلقات وجولات، تبنى الحلقة على أختها، وتضيع جولة صغرى لتكسب جولات كبرى، وترتكب أخطاء لتصحح الوجهة، وتختلط الأوراق لتكشف الحقائق، وتطول المعاناة لتنقى الصفوف من الانتهازيين والوصوليين ولتظهر معادن الرجال.

طالع أيضا  حسن التجلي

فما هي أهم دروس الربيع العربي؟ وكيف السبيل إلى بناء عملية تغييرية تلافي أخطاء المرحلة السابقة؟

إن هذين السؤالين يحيلاننا إلى أهمية العلم قبل العمل وأثناءه وبعده، ومصيرية النظرية قبل الممارسة وأثناءها وبعدها. ويعتبر الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه من أبرز من تصدى لقضية التغيير وفق نظرية متكاملة، رامت بناء مدخل تصوري محكم قادر على تفكيك بنية الاستبداد من قواعده وبناء عملية تغييرية جذرية وفق خطوط ومفاهيم محكمة، نجدها مبثوثة على طول كتاباته رحمه الله سنحاول أن ننطلق منها لقراءة واقع تحولات الربيع العربي مقتصرين على مدخلين أساسيين:

أ‌-             الموقف من منظومة الاستبداد: يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “دولة النزوة المستبدة، والإرادة العلِيّة التي لا تناقش، ولا يقف أمامها سلطة موازية تقوم الاعوجاج إنما هي دولة غموض وخوف. والغموض والخوف متلازمان. في هذا يحقّ أن ننعت دولة الإرادة الفردية المستبدة بأنها دولة ظلامية، ونقدَحَ فيها، ونمدح الديمقراطية بما هي وضوح وأمن. ” 1.

من هنا تبرز لنا مجموعة من القواعد في السلوك السياسي للإمام عبد السلام ياسين في تعامله مع منظومة الاستبداد:

·      أولا: عدم الرهان على مقولات الإصلاح من الداخل أو إصلاح ما يمكن إصلاحه أو العمل في الهوامش لتوسيعها في جميع المراحل وعدم الانخداع بأي مناورة من مناورات المستبدين أو وضع اليد في أيديهم بأي شكل من الأشكال.

·      ثانيا: المدخل الصحيح للتغيير هو العمل المجتمعي تحضيرا للقيام الشعبي من أجل إسقاط الاستبداد، وهذا تقره تجارب كل الحركات التغييرية الشاملة أو العميقة عبر التاريخ وأكدته الانتفاضات الشعبية خلال الربيع العربي.

·      ثالثا: ضرورة الوضوح التام في تحديد جوهر المعضلة، فأصل الداء هو اغتصاب الحكم والذي ترتبت عنه كل مظاهر الاستبداد والفساد من غياب الحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

طالع أيضا  د. أمكاسو يفتتح فعاليات الذكرى الخامسة لرحيل الإمامِ ويرحب بضيوف الجماعة

·      رابعا: عدم الاستعجال في الوصول إلى الحكم، وذلك وفق استراتيجية ترتب المراحل نحو التغيير الجذري بشكل لا يبخس الفرص التاريخية السانحة حقها من الاستثمار.

ب‌-    تدبير المرحلة الانتقالية: يقول الإمام ياسين رحمه الله “لا مناص لنا ولكم معشر الديمقراطيين من تمريض هذه المرحلة الانتقالية بحكمة” 2، هي دعوة أولا للعمل المشترك والتوافق والتعاقد السياسي، الذي يشمل مختلف الأطراف السياسية والمدنية الرافضة للفساد والاستبداد، من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات وهيئات مدنية وعلماء ومفكرين ومثقفين. ومما يساعد على هذا التعاقد مد جسور الحوار والتواصل والتفاهم في مرحلة المعارضة. وهي أيضا معالجة دقيقة لأمراض المرحلة الانتقالية من “الارتجال في الفكر والعمل، والغليان بعد الفتور، وما يتبع ذلك من تسلسل الاضطراب أمراض ساخنة يقابلها الأمراض الباردة كاحتكار الفكر والمبادرة، ومنع نقد الحكام، وتنشئة الناس على تأليه السلطان” 3.

كما أن “الانتقال من مجتمع متمزق الأطراف إلى مجتمع متصالح مع ذاته يتطلب توافقا يلتف حوله الشعب المسلم بأكمله” 4، وذلك بإعداد ميثاق وطني يرسم خارطة سياسية مستقبلية متفق عليها وتشكيل حكومة وطنية انتقالية وتشكيل هيأة مستقلة للإشراف على الانتخابات؛ وانتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور بشكل يضمن تمثيل مختلف الأطراف ووضع دستور توافقي بتقديم تنازلات مشتركة دون الوصول إلى مستوى الانسلاخ عن المبادئ وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة مسموح بمراقبتها محليا ودوليا.


[1] الشورى والديمقراطية، عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى 1996 ، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء ص 57.
[2] العدل: الإسلاميون والحكم،  الطبعة الأولى، 2000 م ص 691.
[3] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ص 254.
[4] الإسلام والحداثة، عبد السلام ياسين، دار الأفق، الطبعة الأولى مارس 2000، ص 249.