توطئة

حضرتُ فعاليات إحياء الذكرى الخامسة لرحيل فقيد العدل والإحسان، فسمعتُ عزاء مُواسيا ممّن جاءوا من كلّ مكان ليُشنّفوا أسماعنا بفصاحة لسان، ويُطرِبوا وِجداننا بِبيان جَنان، وليُعبّروا عن المـُشتَرك المـُلِحّ بمـُتَّفَق عليه لا يختلِف فيه اثنان؛ أنّ الأُمّة بحاجة إلى وساطة مِن أهل الثّقة والصّدق والبرهان من مختلِف أطياف شرفاء البلد وفُضلائه، وأحراره وأخياره لعقد ميثاق على ما يجمع الفرقاء على كلمة سواء لإماطة الأذى، ودرء الفتنة، وحقن الدّماء في مغرب ماض إلى طوفانِ بلاء، إن لم تتدارَكْه يقظة أهْل الأرض ورعاية السّماء.

أحبَبْتُ كلّ مَن عزّى وثمّن هذا النِّداء بتلبية ودعاء أن يحقِّق المولى الكريم الرّجاء، وخلال الندوة الأولى عن: “التحوّل السياسي بين محاولات الإجهاض وفرص التّجاوز” سأَلَني أحد الأوفياء ممّن اعتَدْنا حضوره ومشاركته، واعتاد حضورنا ومشاركتنا في مِثل هذا اللّقاء: “لم نَسْمَع منك شِعراً، والشّعر له نكهته الخاصّة في هذه الأجواء”. قُلْتُ: “غَلَب الشّارع المـُشَرَّع بسَعَته وطوله ورحابة صدره الشّاعِر المـُحاصَر بوزن وقافِيَة ورَوِيٍّ وبناء. وفي الندوة الثانية التي كانت حول: “سيرة الإمام”، وكتاب “شعب الإيمان”، سأَلَني آخر نفس السؤال، فأجَبْتُ: “لا مكان للشّعراء عندما يتكلّم الشارع المشَرّعُ بلسان أهل القرآن، وأهل حديث النبيّ العدنان؛ قول الله الذي لم يَكُن شِعرا، وإنّما هو كلام الله وكفى، وكلام مَن لا ينطِق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى نزَّله الروح الأمين على قلب النبي المصطفى.

وبعد انتهاء فعاليات اللقاء، والقيام بزيارة الوفاء لقبر الفقيد السّعيد، وقبر زوجه الفاضلة رحمهما الله في مقبرة الشّهداء، خَطَرَت ببالي فكرة بعد الدُّعاء؛ لماذا لا أُنيبُ عنّي الموت هذه المرّة في التأبين والعَزاء، فهو موعظة صامتة ناطقة بكل لسان، موازية للموعظة الناطقة ببيان القرآن؟ ويا لَلموازَنة بين نازل من السّماء، وصاعد إليها روحا لا تأشيرة لعبوره الحدود إلاّ الإيمان. لعلّ هذه الموعظة الربانية القاهرة الموازية للموعظة الإلهية الباهرة تتيح لشعري أن يستجيب لطلب من سأل بلا تَوان، ويدخل الباب على من لم يحسب له الحساب بلا حرج منه، ولا هرج مني قدر الإمكان.

ولعل اجتهادي في استنطاق الصامت والترجمة عنه –محاولةً لا مطاولةً- يمكنني من أجر للمخطئ لا يُعاب، وإن تفضل المولى ثم تكرم الموت نِلْتُ أجْرَيْ الصواب وذاك تمام النِّصاب. ولعلّ مَنِ استدعى شعري في ذاك المقام ذروة السّنام إن رآه مُقبلا احتفل به ورحّب، ومَن دخَلْتُ عليه الباب قَبِلَ ولم يَرَهُ طمعاً مِن أشعب، وفي كلا الحالتين أرجو ألاّ أُحْرمَ الثواب.

وإليكم سادتي ما تمخّضَت عنه المحاولة بعد إلحاح منيّ على الجواب، وإصرار من الموت على الاحتجاب؛ أبيات من نظم خِدَاج جانَبت عنوانَه حكمةُ الاقتضاب:

وللموت عَزاء في ذكرى الوفاء

وللموت عَزاء في ذكرى الوفاء، لا يملك إلاّ أن يُصيخ لها السّمع كلّ الشّركاء، عسى أن أُترجِم الصّامِت النّاطِق بكلّ لسان بأمين من الترجمة لا يُحرِّف الكَلِم عن مواضِعِه بزيادة أو نقصان أو افتراء. أسألُ الله ألاّ أكون قد أسَأْتُ للموت وخَيَّبْتُ الرّجاء.

وللموت عَزاء في ذكرى الوفاء

في الموت عزّى ناظِري ما رآه  **  بدْرٌ مُنير في دُجى هذي الحياه

سيماهُ مِن أَثَر السّجود تشُدُّني ** لِسَناء ناصية تَقَرَّبُ للإله

هو بسمَةٌ تُحيي مَوات قلوبنا  ** البِشْرُ والصّدقاتُ فَيْض مِن بَهاه

يُدنيكَ مِنه جمالُهُ وجلاله ** فتسيرُ مِنك إليه تطمع في رِضاه

إمّا نظَرْتَ إليه هِمْتَ بحُبّه ** وذَكَرْتَ ربّ النّاس لم تذكُر سِواه

**********

الموتُ عزّاني وعزّى إخوتي ** في مُرشِدٍ مُتودِّد ذا هِمّة

صَحِب الرّجال فنال منهم يقظةً ** صَعِدَتْ به درجَ العُلا للقِمّة

نُشدانَ إحسان يُزهِّدُ في الدُّنى ** ويُنيلُ مُقتدِيا تمام المِنّة

أعلى الجِنانِ برُفقة الماحي ومَن ** ظَفِروا برؤيته وفضلِ الصّحبة

وبشوقه وأُجورِ ربّ مُحسِن ** طوبى لمن صاروا أُسىً في الأُمّة

**********

الموت عزّى عقل كلِّ مُشَرَّد ** وجد الدّليل على السّبيلِ الأحمدي

منهاجُه النبويّ كشفُ مجدِّد ** يدعو إلى عدل وإحسان نَدي

بعد العضوض وجَبْر أشرار الورى ** لخلافة تسمو بنا للسؤدد

بجماعة سِلميّة علنية  **  ميثاقُها يدعو إلى مَدّ اليد

لِتحاوُرٍ وتشاوُر وتعاون ** يُفْضي إلى عيش رغيد سرمدي

**********

الموتُ عزّى روحَنا في رَوحنا ** مَن جاءنا بالصّدق نهج رسولِنا

مَن كان والِد صحبه ومُعلّما ** قلبا كبيرا راحِما ومُسَكِّنا

حِلْما ورِفْقا بالنّساء ونَسمةً ** تُجري زُلال الوُدّ فيما بيننا

وتُحيلُنا صَفّا يُرصِّصه الصّفا ** ويُقيم”نَحْنا”للإمامة لا “أنا”

في صحبة وجماعة تُرسي البِنا ** ءَ على أساسٍ مُحكَمٍ يُدْني الـمُنى

**********

الموت عزّى شاهدا بالقسط لا ** يخشى النِّكاية مِن مليكٍ مُبتَلى

أو مِن حَقود ناقِم يشهى الأذى ** لخصومِه يرجو لهم شرّ البَلا

أو مِن حَسود همُّه صرفُ الورى ** عمّن أحال المـستحيل مُؤَمّلا

أو مِن جَهول في الجهالة يختفي ** كي لا يكون على الملاحِم مُقبِلا

أو مِن سجين السِّرْب يحمِله الهوى ** ألاّ يُمجِّد غيره مهما علا

**********

الموت عزّى أُمّة في قائِم ** كانَت غُثاء في ظلام قاتِم

كتب الرّسالة[1] ناصِحا مُتودِّدا ** يرجو مكانا قرب طَوْدٍ هاشمي

لم يقتَرِب لم ينسحِب لم يغترِب ** بل قال قولته بصدقٍ صارِم

وأعدّ عُدّته لحكمٍ غاشِم ** هل مِثْلُ ربّك مِن مُجير عاصِم؟!

أنجاهُ مِن سجن الظّلومِ فلم يَزَل ** بطَلا يُقاتِل بالسّلاح النّاعم

بِخِطابِه وكتابِه وبما استَقى ** مِن نَبْع فُرقان الهُدى حتى ارتقى

وغدا بفضل الله داعية يَشي ** سمتاً بما جَلّى الفؤاد مِن النّقا

والنّفسُ زكّاها الـمُهيمِن فاستَوَت ** والرّوحُ ألبَسَها النُّهى لُبْس التُّقى

ولكلّ جارِحةٍ عِقالٌ ضابطٌ ** ولها مِن الأذكارِ وِردٌ مُنتَقى

ولأهله ولصحبِه ولزَوْرِه  **  من كلّ خير ما يَفيضُ تدفقا

**********

الموت عزى من سها عن حبِّ من  **  كان السوي المستقيم المؤتمن

في علمه في فهمه في عزمه  **  طوعا وكرها كي يُقى شرّ المِحن

أو رغبة في حصّة من كعكة  **  من مالكي مُنَنٍ تُرَّغِّب ُ في مِنن[2]

سَهْوٌ دَعاه لسجدة عبدية  **  بعد الركوع بلا خشوع للوثن

ولمن سها في صحبة الرّاعي لظى  **  فالسّهو “في” أو “عن”يشوبهما دخن

**********

الموت عزّى مَن بغى  ومن اعتدى  **  فوفاة ياسينِ الهدى قَطرُ الندى

نزلت على قلب الظلوم فأبردت  **  نار الضغائن فارتوى بعد الصدى

عزّاه في مَن لم يَدُرْ في فُلكه  **  أعياه رفضا للأوامر والجدا

عزّاه في من لم يكن من ورده  **  ذِكْرُ الشّريك مع المليك تعبُّدا

عزّاه في مَن لم يخف من بطشه  **  رفض الولاء لمن أساء وما اهتدى

**********

الموت أَبَّنَ مَن فَقَدْنا خامسا  **  بالندوة الأولى تُمجّد فارسا

ساس الأمور بحكمة ورويّة  **  كان الخبير مُنَظِّرا وممارسا

ودعا لميثاق يوحّد أُمّة  **  صفّا قويا ثابتا مُتجانسا

يرنو لمشترك يُجنِّبُ قُطرنا  **  طوفان من أمسى بئيسا يائسا

ويذلّل الصَّعب العصيَّ على الرجا  **  ويقيمُ عَدلا للكرامة حارسا

**********

والندوة الأخرى لها دمعي هَمى  **  إذ هيَّجَت قلبي فطار إلى السما

شوقا إلى خلّي وسرّ سعادتي  **  إن حُزتُ في بنك السعادة أسهُما

نادت إلى شكر الفقيد بخير ما  **  يهدي المـُحبُّ إلى الحبيب تكرّما

جزآن من آلاء سيرته التي  **  كانت لقارئها المـُحقِّق سُلّما

نحو المعالي والغوالي والـمُنى  **  ولمن يُعاني الوهن مثلي بلسما

**********

والندوة الأعلى سمت فوق الذرى  **  إذ قدمت شُعَبا لمن حضروا قِرى

وصوىً لإيمان تجدّد من بِلى  **  غزلا لما نقض العضوضُ من العُرا

نسجا على منوال عدلٍ مُحسنٍ  **  أخذ الأصيل عن الفحول مُجَذَّرا

وسقاه من نبع المحبّة صافيا  **  وحباه من علم الدّراية ما درى

مسترشدا برجال علم رواية  **  يحمي النصوص من الدّخيلِ المـُفترى

**********

الموت عزّى نفسه بمدامع  **  ندما على أخذ الولي الجامع

مِن أهله من سربه من شَعْبِه  **  حَرَمَ الجميعَ مِن البليغ الماتع

من عالم ومعلّم متواضع  **  من قائم ومقاوم وممانع

من كاتب من شاعر من واسع  **  من محسن من موقن من صادع

من راغب من طالب من طامع  **  في رؤية الهادي برفقة شافع

**********

صلوا على طه وآل المصطفى  **  ما جاء للتأبين إخوان الصفا

بعبارة المكلوم أفصح حبهم  **  وبعبرة المظلوم عاتب من جفا

إن كان هذا المنتدى بدأ اللقا  **  ببشاشة ممن أتى ومَنِ احتفى

من كابد الأتعاب كي يحظى بما  **  يُغني ومن أغنى الموائد مُتحفا

فزيارة المرحوم مسك ختامه  **  وهي الدليل على المودّة والوفا

ذ. منير ركراكي،

30 ربيع النبوي 1439 هجرية،

الموافق لـ18 دجنبر 2017 ميلادية.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ولله الحمد من قبل ومن بعد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]  – المقصود بالرسالة: رسالة “الإسلام أو الطوفان” التي بعثها الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله إلى ملك البلاد آنذاك الحسن الثاني رحمه الله.
[2] – المـُنن: القوى جمع منة أي قوة. والمِنن: العطايا جمع منة الأعطية.