بقلم: الجلالي تيعلاتي

مدينة جرادة على صفيح ساخن، في كل مرة يفزعنا خبر حادث مؤلم، واليوم نرزأ بفقدان شابين أخوين دفنا أحياء تحت أنقاض التراب، طلبا للقمة العيش في بلد أصابت الغربة أهله وبنيه… والآلة الإعلامية المخزنية تتناول الأحداث بمساقات تبرىء الجاني وتتهم البريء.

نقف بين ثنايا كلمات نحاول من خلالها كشف المستور وتنوير الرأي العام حول الوضع وجذوره.

مدينة جرادة العمالية تاريخا الموؤودة سياسة وتدبيرا، معالمها شاهدة على بشاعة المعاناة وجريمة المأساة، كان سكانها الأصليون والوافدون يشكلون نسيجا اجتماعيا منقطع النظير في التكافل والتعاون والرجولة والإباء. عاشت مخضرمة بين المستعمر الغاصب ووريثه الناهب، اجتمعت قبائل شتى لاجئة إلى مورد الرزق الأسود، اسألوا أهل الجنوب مراكش وأكادير وورززات وتنغير… اسألوا أهل الأطلس والغرب… لتعلموا حجم الوفود، مدينة شاهدة على وأد حياة لطالما اغتنى منها الفرنسيون، وسطا عليها “الهوليدنغيون” تحت الراية السوداء للأخطبوط “أونا” وشعارها الجشع “نا ” المسيطرة المهيمنة، فكل خيرات الوطن تنسب لها ولسان حالها يقول: فوسفاطنا وسمكنا وذهبنا وفضتنا ومعادننا بل قل إطلاقا “مغربها” وانسب ماشئت ل “نا” فلا حرج عليك.

لعقود من الزمن بعد الاستقلال الشكلي كانت المدينة مصدرا للثراء والاستغناء، يستفيد منها العلية والكبراء ويرمون الفتات للساكنة الفقراء؛ فبعد خروج الفرنسي بدأ يخلفه في التدبير والتسيير طغمة من المدراء. واستمر الاستنزاف زمنا وملؤوا صناديقهم ذهبا، وبعد ذلك بدأت مراسيم الوأد والتصفية بحجة غلاء التكلفة وتراجع المردودية، وفِي صفقة تحت الطاولة بين الممخزنين المهيمنين وبين الممثلين المخادعين، باعت النقابات دماء العمال وعرقهم وزهرة حياتهم، وتم توقيع الاتفاق المشؤوم في غفلة من شريحة المعنيين المباشرين وأغلبهم من الأميين المساكين، كانوا ضحايا وعبيدا مقهورين في الضيعة البئيسة للحاكمين. ولا من يحميهم ويأخذ لهم حقهم. بدأت تصفية التركة تدريجيا يصاحبها فرقعات إعلامية مشغلة استفاد منها الكبراء والمتسلطون بتعويضات خيالية ورموا بما فضل للعمال الكادحين، وياليتهم واكبوهم وصاحبوهم ليستفيدوا من قزامة التعويضات، فأغلب الناس من العمال المسرحين لم تمر عليهم السنة أو السنتين حتى وجدوا أنفسهم بطالين غير مشتغلين، عاجزين بلا قوة غير قادرين… اللهم بعض الاستثناءات من المهاجرين إلى إسبانيا مالبثت أن تبخرت أحلامهم مع الأزمة الاقتصادية للأوروبيين.

طالع أيضا  هيئة أممية تعبر عن قلقها من الوضع الاجتماعي الهش بالمغرب وتوصي بمحاربة الفساد

أصبحت المدينة “شبحا” يقض مضجع مصاصي دماء العمال الكادحين. ليس الأمر كما يظنه البعض تنميقا للعبارات وتشدقا بالكلمات، بل هو وصف لا يرقى لحجم الجريمة النكراء للمتسلطين. خاط الكلمات شاهد على المآسي وابن عامل بسيط لقي ربه في صمت مرض السليكوز وحشرجته، صمت الصبر والأنين والاحتساب وحشرجة سعال يلازم صاحبه ويشتد في قساوة الشتاء الحزين، توفي الوالد رحمه الله وسلمونا شهادة طبية ترجع سبب الوفاة إلى توقف كلي للرئتين عن العمل بسبب غبار الفحم الحجري المتسرب خلسة للشرايين والمسالك الهوائية. المرضى من العمال عانوا وهم يهبطون مآت الأمتار تحت الأرض يحفرون في ظروف قاسية لا إنسانية، ويعانون وهم فوق الأرض يتنفسون من خرم إبرة دون أبسط رعاية صحية أو لفتة اجتماعية. لله المشتكى من ظلم الظالمين ومن جشع المهووسين.

إنها جريمة إنسانية مكتملة الأركان لو كنّا في بلد يحترم حقوق الإنسان، ولكنه زمن يصبح فيه الحليم حيران، هذا ونحن لم نتحدث عن البلد باعتباره دار إسلام وإيمان وتقام فيه طقوس الطاعة للعميان وتوزع عليهم صكوك العفو والغفران، وإلا لقلنا كيف تهنؤون أيها العابثون وقد سقيتم أجيالا سما من الهوان، وضيقتم عليهم الحياة ولا ملجأ لهم إلا إلى الحنان المنان. فاحذروا من يقظة الأطفال اليتامى والأرامل والشبان فإنها تجتثكم من الأصول، وعد لكل ظالم أنه حقا سيهان. هذا بلاغ لكم يا قومنا وخافوا يوما ترجعون فيه إلى الملك الديان.