في سياق إحياء الذكرى الخامسة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، يقدم موقع الجماعة نت سلسلة من الحوارات مع ثلة من أبناء جماعة العدل والإحسان الذين أصدروا مؤلفات تدور موضوعاتها حول بعض قضايا المشروع التغييري للإمام المجدد.

في هذه الحلقة يحاور الموقع الأستاذ الصادق الرمبوق، في موضوع كتابه “لغة القرآن في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين”، والذي صدر في طبعته اﻷولى عام 2015 عن “مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين”، في 248 صفحة من الحجم الكبير. ويتضمن الكتاب مقدمة وخاتمة وأربعة فصول.

ما هي الدوافع التي دفعتك للكتابة في موضوع لغة القرآن الكريم في خطاب الإمام المجدد؟

خلال سنة 2010م، انهمكتُ في البحث في موضوع: “خصائص خطاب عبد السلام ياسين”. وقد نحوتُ، في هذا البحث، منحى الحصر الذي يُعِين على ضمّ الانتشار، فرتّبتُ الخصائص المتضايفة المتآزرة المتجانسة تحت محور واحد من المحاور الستة الجامعة، والتي هي بمثابة أمهات وأصولٍ مرجعُ الخصائص الفرعية إليها، ومدارُها عليها. لذا يترجِم الاسمُ المنسوب في كل محور جهةً محدَّدة تتضافر خصائصُها وتتفاعل وتلتحم آخذاً بعضها بحجزة بعض لإفراد تلك الجهة وإبرازها وإشهارها. والمحاور الستة المقصودة هي: الخصائص التربوية، الخصائص التنظيرية، الخصائص الدعوية، الخصائص الحوارية، الخصائص الأدبية، الخصائص الموسوعية. ويستحق كل محور من المحاور الستة، لغناه وفرادته، أن يكون موضوع بحث مستقل، حتى تنال كل خاصية، على حدة ومرتبطةً بأخواتها، حقَّها وحظها من الدراسة.

وقد لاحظتُ حينها، وأنا أبحث في مستوى الخصائص الأدبية، أن خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين متأثر غاية التأثر بالخطاب القرآني، إلى درجة أنه وظّف معظم أساليبه البلاغية، بياناً وبديعاً ومعانيَ، كما استثمر “التوسع الدلالي” للمفردة العربية بالطريقة القرآنية نفسها، فجاء خطابه أصيلا بديعا في الآن نفسه.

لذا قررتُ، لحظة الاطلاع على إعلان مؤتمر “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي” ، إلى المشاركة بورقة في موضوع: “أثر البيان القرآني في خطاب عبد السلام ياسين”. وقد أزمعتُ جعلَ المبحث الأول للموضوع خاصا بلغة القرآن في تصور الأستاذ، لكنني، وأنا أجمع مادة هذا المبحث من مؤلفاته التي ناهزت الأربعين كتابا، هالني الكمُّ الضخم جدا للنصوص التي تعالج موضوع “لغة القرآن” في هذه التصانيف، ناهيك عن التوسع الكبير الذي جعل من لغة القرآن إشكالية حقيقية، متقدمة الطرح، ومتكاملة النسق، ومتساوقة مع نظريته الكبرى المعروفة بـ”نظرية المنهاج النبوي”. ولم أجد من خيار إزاء ذلك سوى تعديل عنوان المشاركة وتحويره إلى موضوع: “لغة القرآن في نظرية المنهاج النبوي”. وشكّلت هذه الورقةُ الأرضيةً التي مكّنتني من توسيع البحث وإغنائه وتوفيته حقه من الدراسة في كتاب كامل هو المعنون بـ”لغة القرآن في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين”.

طالع أيضا  وللموت عَزاء في ذكرى الوفاء

إن اهتمامي عموما بخطابه الفريد، وشغفي على وجه الخصوص بأسلوبه الأدبي القرآني الأخّاذ، تزامن وفعاليات مؤتمر إسطنبول، فأثمر ذلك هذا الكتابَ، موضوعَ الحوار.

كيف فصل الإمام المجدد في خطابه بين “لغة القرآن” حتى جعلها “أم المطالب والرغائب” في تأسيسه لمشروعه التغييري، وبين “لغة الضاد” التي ينطلق منها القوميون العرب في تأسيسهم لمشروعهم القومي؟

لا يسع المتتبعَ لكتابات الأستاذ عبد السلام ياسين إلا أن يتنبه إلى ما وصفْتُه في الكتاب بـ”تزاحمَ الأسبقيات” على سلم الأولويات التي سطرها رحمه الله، وما أكثرها في مجالات شتى. وقد نوّع الإمامُ عبارات التنبيه على هذه الأولويات. لكنه نحتَ، في كتاب “حوار مع صديق أمازيغي”، عبارة جامعة للدلالة على اندراج كل هذه الأسبقيات تحت “اللغة” التي هي عنده «أُمّ المطالب والرغائب».

إن «اللغة العربية الشريفة»، بتعبير الأستاذ، لم تنل هذا الشرف إلا بحمْل القرآن وصُحبته، فلم يكن اللسان العربي المبين لسانا شريفا إلا باختيار الله له وعاء لكلامه، وحاملا لخطابه. ولهذا الاقتران الوثيق بين شرف العربية وصحبتها للقرآن، يقرر رحمه الله أن العربية جزء ماهية القرآن، إذ هي حاملته وحاضنته. فالعربية، في خطاب عاشق هي لغة القرآن، من صميم الدين، جزء لا يتجزأ من الدين، جزء لا يتجزأ من الوحي، والحفاظ على اللسان حفاظ على الدين. فليس غريبا أن يعتبر التعلقَ الخاص باللغة القرآنية تعلقاً من صميم الدين، لأن شكل اللغة لا يمكن فصله عن مضمون الرسالة.

بيّنٌ إذن أن موجب التعلق بلغة الضاد، عند عبد السلام ياسين وعند القوميين العرب، ليس تعلقا من الجهة نفسها؛ فإن الولاء للُغةٍ قومية غيرُ الولاء للغة وحي منزل. وإذا كان ولاء العرب القوميين هو ولاء للغة التي نزل بها القرآن، فإن ولاء الأستاذ إنما هو ولاء للقرآن، رفضا منه للعصبية التي هي تقَلُّصٌ في الوجود من الانتساب إلى الله عز وجل إلى الانتساب القومي لا غير، ورفضا للطرح القومي الذي لا يقر بالاختيار الإلهي للغة العربية وتشريفها بحمل رسالته.

إن اغتباط الأستاذ بامتلاك لغة شرفها الله عز وجل واختارها لينزل إلى عباده فيها ذكرَه، يقابَل عند العروبيين بتمجيد العروبة التي قدمت للإسلام وللقرآن هذه اللغة العبقرية، تماما كما أن اعتباره لصنع الله عز وجل، حيث خلق قوماً، ودرجهم في أطوار النشأة، حتى تطورت لديهم لغة كان اللّهُ عز وجل في سابق علمه هيأها لتكون وعاء لوحيه، كما هيأ رجلاً من بين أولئك القوم لتلقي ذلك الوحي، يجابَه بالتنويه بكون الأسلاف ونباهة العرق وشرف الأرومة هي معطيات موضوعية أفرزت اللغة العبقرية وأفرزت النبي معاً. وعند هذا المستوى ينتهي الأستاذ إلى القول في أحد كتبه: «فشتان ما بيننا».

ولعل عنوان الفصل الثالث: “العربية بين الولاء للقومية والولاء للقرآن”، من كتاب “لغة القرآن في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين”، كاف في الدلالة على هذا التمايز الحادّ بين التصوريْن. وفي الصفحة الأولى من هذا الفصل تنصيصٌ على أن القومية، في خطاب ياسين، جزء من عوامل الغثائية الذاتية للأمة.

طالع أيضا  تجارب في التحول السياسي

ما هي في نظرك الفروق الأساسية بين المشروعين في بعدهما اللغوي؟

يقدم الفصل الثالث نفسه جوابا عن هذا السؤال؛ ذلك أن فقرة “أَلْيَكة العربية” قد استغرقت حيز ست وعشرين صفحة، عرضا للبيان التفصيلي لاتهام الأستاذ ياسين النصارى العرب بالجناية على لغة القرآن، عبر إخضاعها بالتدرج إلى أليكة محْكَمة، بعد أن كانت وعاءَ الخطاب الإلهي، ولغةَ الوحي، حتى صيروها لغة معلمنة فقدت كفاءتها التعبيرية حين أصبحت عاجزة كل العجز عن التعبير عن البعد الروحي.

لقد شكلت اللغة العربية مجالا خصبا للمنازلة المحتدمة بين الإسلاميين والقوميين العروبيين، وكانت أليكتها فرس الرهان والطليعة المتقدمة لبسط اللائيكية في المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية، في الوقت الذي يعمل فيه الأستاذ عبد السلام ياسين على صون قرآنية العربية واسترجاع التمكين لها على مستوى توطين علوم العصر الكونية، وعلى مستوى استعادة وحدة المسلمين على أساس لسان القرآن وروحه، لا على قاعدة لسان قومي تمنع عصبيتُه هذه الوحدة الأمَل.

إن التصدي لمعضلة التخلف التاريخية لا يتم، في نظر عبد السلام ياسين، عبر المرجعية العرقية التي تزيد في طيننا بِلّة وفي قلوبنا عِلّة، وإنما تتم، وينبغي إنجازها، بعناق الواسع الشامل الإنساني الذي ينحو إلى تحقيق ثلاثة مطالب إنسانية مشتركة من جهة، وملحة على وضعنا المتردي من جهة ثانية: مطلب اكتسابِ الحريَّة والعدالة و”الديمقراطية” في نظام الحكم، ومطلب الانفتاح الشجاع على مكتسبات العقل البشري في ميادين التنظيم الإداري، وتوطين العلوم والتكنولوجيا، ومطلب توحيد جهود الأمة وكسر أغلالها، وخرق الحدود القطرية القَفَصيّةِ التي قَزَّمت الأمةَ وشلَّتْها وأوهنتها. وهي مطالب يَحُول دونها ازدواجُ الانتماء الذي يتمحور حول مشاغل جانبية، مثل ثقافية المطلب القومي والانكباب على التراث والتاريخ القومي. هي مشاغل جانبية في عصر تحشد الأممُ فيه كلَّ جهودها، وكل طاقاتها، وكل إمكانياتِها المادية والبشرية، لخوض معركة البقاء في عالَم تندثر فيه الكيانات المبعثرة، وتُعْزَل فيه الشعوب الضعيفة المفَتَّتَة في هوامش الفُلكلور الثقافي.

يلاحظ من يقرأ للإمام شدة تشبثه بالكلمة القرآنية وحرصه عليها لفظا وروحا ومبنى ومعنى، إلام يرجع هذا في نظرك؟

هذا التعلق الفريد من الإمام بالكلمة القرآنية، هو من صميم تعلقه بالقرآن كلامِ الله عز وجل. وقد كان موضوع المؤتمر الدولي الأول بإسطنبول دالاًّ في هذا المنحى؛ فإن القرآن يشكل حقا وصدقا مركزا عنه تَصدُر، وإليه ترجع، جميعُ مواقف الرجل وتصوراته المعروفة بنظرية المنهاج النبوي.

طالع أيضا  د. المتوكل يختتم الذكرى على أمل اللقاء وقد تحررت أوطاننا من ربقة الفساد والاستبداد

ثم إن للمفردة القرآنية خاصية تميزها عن الاستعمال العربي المألوف في لغة الضاد؛ ذلك أن توظيفها الدلالي في القرآن الكريم منحها قدرة متجددة تفتح مسامَّها على استيعاب لا محدود ولا متناه لآفاق إنسانية مستجدة باستمرار. هكذا، وفي ما يقرب من ثلاثين صفحة، تتبع الكتاب مطولا بعض المواطن التي وظف فيها خطابُ عبد السلام ياسين هذا الانفتاح والتوسيع الدلاليَّ المدهشَ للمفردة القرآنية، والذي هو أحد أظهر خصائص المفردة القرآنية التي ارتقت باللفظة العربية من طبيعتها الاستعمالية العادية المحدودة، إلى رحاب من الثراء والغنى لا ينفد. وبهذا “التفجير” الدلالي لينبوع المفردة القرآنية، يتدفق من اللفظة طرح ثرّار مغاير حتى للخطاب الإسلامي المألوف.

هناك علاقة “جدلية” بين عودة لغة القرآن للهيمنة في ميادين التعليم والإعلام والتكنولوجيا… وبين عودة الإسلام للهيمنة على حياة الإنسان فردا وجماعة وأمة، كيف عالج الإمام رحمه الله هذه العلاقة من حيث حاجة الواحدة منهما إلى الأخرى؟

خصصتُ المبحث الأخير في الكتاب لمقاربة هذه المسألة، مستهلا بتوطئة موجزة تطرقَت لأولى تجليات هذه العلاقة الجدلية، والمتمثلة في الجدال الفكري الطويل العريض الذي لا يزال يداور، منذ مرحلة النهضة، جدليةَ تخلف العربية وتخلف أهلها؛ فهل يَرجع التخلفُ العلمي للمسلمين إلى تخلف ذاتيّ في لغتهم، أم أن تخلف الثقافة الحاملة لهذه اللغة هو المسؤول عما تعانيه من نكوص وعجز في الميدان العلمي؟

وقد وقف البحثُ على أربعة أسباب حمّلها الأستاذ عبد السلام ياسين جريرةَ تخلف العربية: تقهقر المسلمين وكسلهم وذُلّهم وخذلانهم للغة القرآن، والاحتلال الثقافي الذي غيّب لغة القرآن ومكّن للغة الغزاة، والتَنازُعُ والتشاكس بين المسلمين على ولائهم اللغوي بين لغة القرآن وضَرّات من بنات أوربا بشكل أفضى إلى موالاة للغات المحتلين السادة، وتجييشِ هذه اللغات الضّرّاتِ الغريمات الأجنبيات للهجات محلية ليَتألَّبْن معها على العربية لخنقها وإقصائها وتعجيزها عن إقامة شؤون الدنيا.

لا يرى عبد السلام ياسين من سبيل إلى استعادة عزة المسلمين خارج استعادة عزة لغة القرآن. إن التمكُّن من لغة القرآن يشرط عزة المسلمين المستقبلية. لكن لغة القرآن نفسها عاجزة عن إقدارهم على اقتحام عقبات التحرير والعدل والسيادة إن لم تكتسب هي نفسها سلطانَ الكفاءة العملية، سلطان السيطرة على المكاسب العلمية البشرية، سلطان الصلاحية للاستقلال بتلك العلوم.

ولن تكون للغة القرآن قيمة في معايير العصر المادية إن لم يكن الاقتصاد القوي، والصناعة ذات البأس، والوجود السياسي الموحد للأمة، من وراء الكلمات والمفاهيم والمدلولات. هكذا يكون تحدي توطين العلوم في سياق استعادة عزة المسلمين جزءً لا يتجزأ من تحدي استرجاع مجد لغة القرآن، وسنظل عاجزين عن استنقاذ العلوم الصناعية الكونية وتوطينها إن لم تكن لغتُنا واحدةً قويةً فصيحةً في كل الميادين.