نشرت جريدة أخبار اليوم، في عدد الإثنين 18 دجنبر، حوارا أجرته مع الدكتور عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، ناقش محاور عديدة، من بينها إمكانية خضوع المواقف السياسية للجماعة للمراجعة، وتأسيس حزب والمشاركة في الشأن السياسي كما هو متعارف عليه، وكذا موقفها من المؤسسة الملكية.. كما تطرق الحوار إلى ما يشاع عن الجماعة من انغلاق دوائر اتخاذ القرار، والخوف من إقصاء الشركاء السياسيين في حال دخلت الجماعة في انتخابات وفازت.. وإلى التنسيق بين الجماعة واليسار، وإلى رأي الجماعة في تجربة العدالة والتنمية.. وغيرها من المحاور التي تجدونها في الحوار التالي:

تحيي جماعة العدل والإحسان الذكرى الخامسة لوفاة الشيخ عبد السلام ياسين.. خلال هذه الفترة هل قامت الجماعة بأية مراجعات؟

ما يعيشه المغرب اليوم يبين صواب الرؤية التي تعتمدها جماعة العدل والإحسان وسلامة التحليل الذي انبت عليه تلك الرؤية، ولا أعتقد أن هناك ما يمكن أن نراجعه من مواقنا الأساسية. إذا كنت تقصدين الموقف السياسي تحديدا، فأنا سأجيبك بقول شخص من خارج الجماعة وهو الأستاذ الريسوني ذكره الله بخير (أحمد الريسوني الرئيس السابق للتوحيد والإصلاح) والذي سبق له أن أجاب عن سؤال حول موقف الجماعة “ما الذي تغير حتى تريدون من العدل والإحسان أن تغير موقفها؟”.

في رأيكم ما الذي تغير في نظامنا السياسي حتى يراد منا مراجعة موقفنا، الآن الكل يتكلم لا من داخل الحكومة أو من خارجها بكلام واحد عن التراجع الرهيب الذي تعرفه بلادنا على كافة المستويات.

اليوم يمكن أن نسجل تغييرا أفقيا على مستوى طريقة تعامل النظام مع ملفات الفساد والاختلالات، رأينا كيف تم إعفاء وزراء وموظفين سامين ورجال من وزارة الداخلية في ما سمي بالزلزال السياسي لثبوت تورطهم في اختلالات على مستوى التدبير.. وهو دليل على حسن النية والتدشين لمرحلة جديدة.. هل هذا لا يجعل الجماعة تعيد النظر في مواقفها؟

دعيني أكن صريحا، أحسب أن بعد الانتخابات الأخيرة وما وقع لعبد الإله بنكيران يؤكد عمليا بأن السلطة  قد كشفت عن أنيابها وكأنها  تريد أن تنتقم لتلك الانحناءات البسيطة التي اضطرت إليها في سنة 2011، فالرسالة التي يريد النظام أن يوصلها لكل المغاربة واضحة، ومفادها أن القرار ليس بيد الحكومة ولا البرلمان ولا الانتخابات بل بيد  الملك ومن يحيطون به.

ألا تعتقدون أن اصطفافكم في الظل، والاكتفاء بدور المراقب من بعيد يسيء للجماعة؟ ألم يحن الأوان بعد لمشاركة الجماعة في الشأن السياسي وتنزيل منظورها للإصلاح؟

هذا سؤال يطرح كثيرا، وينطلق من منطلقات خاطئة. الجماعة لا تتفرج. الجماعة منخرطة في العمل السياسي من الموقع الذي يسمح به الوضع السياسي الذي يضيق ويتضايق من الأصوات الحرة. أما  فيما يتعلق بمناهج التغيير هناك ثلاثة مناهج كبرى معروفة  في العلوم السياسية، هناك ما يسمى بالتغيير من الداخل وهناك ما يسمى بالتغيير من خارج المؤسسات وهناك التغيير الثوري، نحن كما تعلمين التغيير بالعنف هو خط أحمر بالنسبة لنا، أما التغيير من الداخل  فقد اعتمدته كل الأحزاب المغربية وقد رأينا المآل الذي آلت إليه هذه الهيئات من ضعف وتلاشي المصداقية، وقد زعمت بأنها تريد القيام بالتغيير التدريجي إلى حين أن يحدث التغيير الشامل، فكانت النتيجة أن جل هذه الأحزاب هي التي  تغيرت ولم يتغير النظام.

بقيت الاستراتيجية الثالثة التي نشتغل بها، وهي التغيير المجتمعي، فما حصل بعد سنة 2011 من التغيير لنفترض أنه إيجابي وكان سببا في تبوء حزب العدالة والتنمية صدارة الانتخابات ورئاسته للحكومة، فإنه لم يأت من الداخل وإنما بضغط خارجي وهو حركة 20 فبراير التي كانت جماعة العدل والإحسان إحدى عناصرها القوية.

لكن إذا عرجنا إلى انتخابات 2016 فحزب العدالة والتنمية بعد مرور خمس سنوات على تواجده في الحكومة استطاع مضاعفة مقاعده البرلمانية ومتعاطفيه والكتلة الناخبة التي صوتت عليه، ألا يمكن اعتبار هذا إنجازا؟

ما تفضلت به صحيح، ولكن في النظام المغربي ماذا ستصنع لو حصلت على الرتبة الأولى؟ هذا النظام يتسم بخصائص عجيبة، فالمهزوم في الانتخابات يخرج منتصرا، والمنتصر انتخابيا يخرج منهزما، والذي يشكل الحكومة ليس هو الحزب الأول وإنما تشكل بأوامر من فوق.

يعتبر البلوكاج الحكومي حدثا بليغا ورسالة واضحة للجميع تؤكد بأن هناك سلطة فوق السلط بحيث لا تخضع للمساءلة وتتخذ القرارات التي ترغب بها، هذا من جهة ومن جهة ثانية النظام الانتخابي المعتمد على تقنيات أصبح يعرفها حتى الطلبة المبتدئون في كلية الحقوق تعمل بمنطق فرق تسد، وبالتالي الحزب الفائز في الانتخابات سيضطر للتحالف مع أحزاب معروفة بفسادها، ولا تستطيع أن تقول للنظام لا، وإذا أراد الحزب الأول تجاوز الخطوط الحمراء، يصدر الأمر لتلك الأحزاب لتنسحب فتسقط الحكومة.

وهو ما حصل لحزب العدالة والتنمية الذي وجد نفسه في ورطة أمام أعضائه ومتعاطفيه وعموم المواطنين، إذ توهم أن الإصلاح ومحاربة الفساد أمر ممكن بشروط النظام واكتشف متأخرا أنه مكبل تماما.

رغم ما ذكرته إلا أن حزب العدالة والتنمية استطاع أن يكسب حليفا من اليسار وهو حزب التقدم والاشتراكية، لذا اليوم إذا كانت الجماعة أقدمت على المشاركة السياسية كانت ستعزز جبهة الأحزاب الممانعة للسلطوية، وهذا إنجاز ديمقراطي أليس كذلك؟

لا يمكن للنظام أن يسمح للعدل والإحسان بتكوين حزب، هم يريدون مشهدا على قدر المقاس، متحكم فيه، ولن يسمحوا بدخول عنصر آخر عصي على التطويع. النظام لم يسمح حتى للأحزاب التي ليست بحجم وقوة العدالة والتنمية  مثل حزب الأمة  والبديل الحضاري، لأنه لا يريد أن يترك تكوين المشهد السياسي للمغامرة بل يسعى للتخطيط لكل شيء من البداية إلى النهاية.

هل قدمتم طلب تأسيس حزب ورفض طلبكم؟

نحن نعلم أن هذا  غير ممكن، ستقولين كيف عرفتم هذا، سأعطيك مثالا بسيطا؛ جماعة العدل  والإحسان هي جماعة قانونية بعشرات من الأحكام القضائية، وهناك أحكام  نهائية غير قابلة للطعن، لكن لا زالوا يعتبروننا جماعة غير مرخص لها ومحظورة.. فآخر ما يمكن أن يفكر فيه النظام هو تطبيق القانون.

هل هذا يعني أنكم تريدون المشاركة في المشهد السياسي وموقفكم من الملكية والنظام قد تغير؟

لنا الرغبة في تأسيس حزب سياسي، لكن موقفنا من الملكية هو موقف من المؤسسة وليس من الأشخاص، نحن نتحدث عن مؤسسة تحتكر السلطة وتحتكر الثروة، هذا الوضع غير طبيعي وهو إهانة لـ35 مليون مغربي ومغربية، كيف  يمكن أن تكون هناك تنمية حقيقية إذا لم يتمكن المغاربة من المساهمة في تسيير شؤونهم واتخاذ القرارات المصيرية التي تعنيهم؟

في هذا السياق هل راسلت الجماعة الملك محمد السادس بعد وفاة الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله.. وقد كان الشيخ سباقا إلى ذلك بعد تولي العاهل المغربي للعرش؟

ما هي النتيجة من تلك الخطابات التي وجهها الشيخ عبد السلام ياسين؟ هل أثمرت عن شيء؟ هل لينت من مواقف النظام تجاه الجماعة؟

لم يتغير أي شيء، عندما تقوم بالمبادرة وتعيد الكرة مرة أخرى ولا تثمر عن أي شيء فما الفائدة من تكرارها؟  هل النظام سيستجيب للعدل والإحسان؟ النظام لم يستجب حتى للأحزاب  التي لا تنازعه في أي شيء ومواقفها لينة إلى أبعد حدود.

العدل والإحسان في ماذا تنازع الملكية؟

في الاستحواذ على كل شيء، في تصورها لإمارة المؤمنين، النظام القائم الآن يا ليته اتخذ مسارا معينا ويمضي فيه ويكون واضحا مع نفسه ومع الآخرين. فالمغرب حسب الدستور  ملكية دستورية. هل هذه هي الملكية الدستورية؟ الدستورية البرلمانية هي التي في إنجلترا وإسبانيا، وحسب نفس الوثيقة  عندنا إمارة المؤمنين، هل هذه هي إمارة المسلمين؟ هناك خليط غير متجانس من المصطلحات بهدف التمويه والتضليل، لكن الحقيقة التي يعلمها الجميع هي أن النظام السياسي المغربي هو نظام استبدادي متخلف حتى النخاع.

لكن لم تجبني على سؤالي، العدل والإحسان في ماذا تنازع الملكية؟ هل ترفض الترخيص لها خوفا من أن تنازعها الحكم؟

لا يمكن للنظام أن يسمح لتيار سياسي أن يدخل للمجال إلا بشروطه، وشروطه تعني أن تلتزم حدودا معينة وألا تتجاوزها، ونحن لا يمكن أن ندخل مجالا نعلم أننا مكبلون فيه. نريد أن نمارس السياسة كما يمارسها الجميع، نريد أن تكون لنا انتخابات نزيهة ودستور ديمقراطي بصلاحيات واضحة للحكومة وللبرلمان وقضاء مستقل، ونريد أن  يكون لنا قانون انتخابي يفرز حكومة مسؤولة ومنسجمة وقوية وقادرة على تطبيق برنامجها.

نحن لا نطالب بالمستحيل، نريد نظاما سياسيا واضح المعالم ويجعل لصوت المواطن معنى واعتبارا، هذا  في ما يتعلق بالنظام السياسي، أما في ما يتعلق بالتغيير، فنحن واقعيون لا نقول بأن التغيير  سيتم بين عشية وضحاها، لأننا نعلم أن الخراب موروث منذ عقود، وبالتالي يجب أن يكون هناك نوع من التدرج، نحن لسنا في عجلة من أمرنا وليست لدينا أوهام.

العدل والإحسان إذا قررت أن تدخل للمشهد السياسي هل تقبل بالنظام القائم وهل لكم تصور لتغيير النظام؟

مشاركتنا مرهونة بشرط وهو: هل النظام مستعد لكي يتنازل عن احتكاره للسلطة والثروة، هذا السؤال يجب أن يوجه للملكية.

لكن هناك من يقول إن العدل والإحسان إذا تمكنت من الحكم ستمارس الاستبداد وستقصي الأطراف السياسية الأخرى؟

هذا ما يسمى بالحكم على النوايا، ونابع من حملات التشويه التي يتعرض لها تيار لم يتمكنوا من تحجيمه، واستطاع أن ينمو رغم كل العراقيل.. هذا التوجه غير ممكن، نحن نؤكد على ضرورة وجود قوانين ودستور.

لنفترض أن هناك دستورا ديمقراطيا صادق عليه الشعب، وكان هناك نظام سياسي واضح المعالم ومؤسسات بصلاحيات حقيقية، ثم شاركت العدل والإحسان وفازت بالمرتبة الأولى وشكلت الحكومة.. هل يمكن أن تنقلب على  كل شيء وتقصي الجميع، هذا غير ممكن. لا يمكن أن تفرض على الناس أي شيء في هذا الزمن إلا إذا كنت تريد أن تنتج الفشل وتريد التعجيل بسقوطك، نحن لا نريد الفشل. بل حتى الحكم لا نتسرع في تحمل مسؤوليته، لأننا نعرف أن التبعية كبيرة وأن الأمر يحتاج إلى تعاون الجميع على ذلك.

العدل والإحسان اليوم تعيش مشكلة تجديد النخب، وهناك انتقادات من داخل الجماعة تقول بانفراد بعض القياديين في الجماعة بسلطة القرار وإقصاء باقي الأعضاء؟

لو أحصينا التهم الموجهة للجماعة وما يقال عنها ستجدين العجب.

(مقاطعة) لكن هذا نراه على مستوى القيادة ونلاحظ أن هناك تداولا فقط على السلطة؟

القرار في العدل والإحسان يتخذ بالنقاش والشورى وبالأغلبية وليس بوسع أي فرد أن يتخذ قرارا منفردا، وهذا لم يتم حتى في عهد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، بالنظر لمكانته الاعتبارية. لدينا مؤسسات منتخبة، وانتخابات تتم بشكل دوري، ونميز بين الشأن السياسي والتربوي. حيث أن هذا الأخير لا يخضع للتغير المستمر مثلما يحدث في المجال السياسي.

في الجماعة لا يفرض أحد نفسه على الناس، نحن نعمل بمبدإ يعمل به الإخوان في التوحيد والإصلاح وهو عدم الترشح، ومن رشحه إخوانه عليه أن يتقدم، وحين يريدون تغييره بشخص آخر فإنهم يبعدونه. لا يمكن أن نلعن الاستبداد صبح مساء ونمارسه في الجماعة.

هذا النظام لم يفرز لنا وجوها غير التي ألفناها، إذ يقال عن الجماعة إنها لا تفتح المجال للشباب خصوصا الذين احتكوا مع تيارات أخرى خصوصا في 20 فبراير، وربما لو منحت لهم الفرصة يمكن أن تذهب الجماعة في توجه آخر؟

(يضحك) وهذا ما لا نريده؛ أن تذهب الجماعة في توجه آخر غير الذي هي فيه.

لكن يقولون إن هذا سيكون لصالح الجماعة؟

أنت تصرين على نقل صفات ليست في جماعة العدل والإحسان، والنقاش ليس مطروحا فيها.

أنا فقط أنقل لكم ما يقال.

الذين يقولون هذا الكلام يستخفون بذكاء الناس، العدل والإحسان فيها آلاف الأطر، لا يمكن أن يكون هؤلاء مجرد قطيع، نحن في الجماعة لنا مؤسسات وكل سنة نقوم بتعديلات ونقاش يساهم فيه الكل، ولو كانوا بالفعل يشعرون أنهم محاصرون كما تقولين وأنه مضيق عليهم ما الذي يمنعهم من الذهاب لجهات أخرى فيها انفتاح.

في الجماعة لدينا حرية كبيرة وكنا من الأوائل الذين رفضوا القول بالبيعة، وأكدنا على أنه يجب أن يبقى العضو حرا وأن يدخل ويخرج متى أراد.

يلاحظ أن العدل والإحسان اليوم تعيش في حالة تيه، وأن العبادي لم يستطع أن يلعب نفس الدور الذي كان يلعبه الشيخ عبد السلام ياسين؟

الناس يقولون بالشيء ونقيضه، كانوا يقولون إن عبد السلام ياسين يحتكر كل شيء، وكانوا يقولون أنه  بمجرد ما سيختفي عبد السلام ياسين ستتشتت الجماعة، واليوم يقولون كلاما آخر مناقضا لما سبق، هم يريدون شخصية تستحوذ على كل القرارات لكننا نعمل بالقوانين والمؤسسات، مثلا أنا سافرت لبريطانيا من أجل الدكتوراه، وظلت الدائرة السياسية مشتغلة في غيابي دون مشاكل.. الأفراد لهم دورهم لكن ليس بالشكل الذي يتصوره الغير.

هناك حديث عن أن العدل والإحسان تقاطع الانتخابات خوفا من أن تفقد شعبيتها التي تقوم على خطاب المظلومية وأنها تتعرض للاستبداد، ما قولكم في ذلك؟

(منفعل) ليرخصوا لنا لنؤسس حزبا ثم لينظروا بعد ذلك ماذا سنصنع، عجزوا عن مواجهة العدل والإحسان وتقسيمها وتحجيمها وتفجيرها، لذلك لجؤوا إلى بضاعة الإشاعات، بضاعة الجبناء.

اليوم كم هو عدد أعضاء العدل والإحسان؟

لا نصرح  بعددنا نخاف العين (يضحك).. ليرخصوا لنا وسينظرون إلى عددنا.

لوحظ في الفترة الأخيرة أن هناك تنسيق بين الجماعة وفيدرالية اليسار، هل يمكن القول إنكم اليوم تجدون أنفسكم مع اليسار؟

نحن ننطلق من أن المغرب لا يمكن  أن ينهض إلا بكل أبنائه وبناته وأنه لا مناص من التلاقي في أرضية مشتركة، وأن لا سبيل إلى ذلك إلا بالحوار الجاد والمسؤول من أجل تحديد الأولويات وإرجاء الخلافات إلى فرص مستقبلية، قناعتنا تذهب في اتجاه  أن تكون لنا علاقات مع كل الهيئات السياسية والمجتمعية والحقوقية، لا نقصي أي أحد.

هل يمكن أن نراكم تشكلون جبهة مع اليسار وحزب العدالة والتنمية؟

ينبغي أن نطور النقاش ونؤسس لأرضية مشتركة ويشارك فيها الجميع لأن قضايانا ومشاكلنا المستعجلة غاية في التعقيد، ينبغي  أن نترفع عن الحسابات والمعارك الإيديولوجية، نحن الآن كمن  يوجد في باخرة  على وشك الغرق ويريد أن يتحدث في أشياء هامشية، الآن نحن نريد أن ننقذ البلد من الكوارث التي تحيط به، هذا الأمر يجب أن يشتغل عليه عقلاء البلد وأن نؤجل الأشياء المختلف فيها لزمن آخر.

لا نريد أن يكون مصير بلادنا كسوريا واليمن وليبيا، هناك إصرار عجيب للدفع بالمغرب إلى مثل هذا الوضع الكارثي.

(مقاطعة) من يدفع في هذا الاتجاه؟

النظام، لن أتردد في أن أحمل المسؤولية الكاملة للنظام، هو الذي يدفع في هذا الاتجاه، هناك إصرار عجيب منه لإيصال الدولة للهاوية ولا أدري ما هو السبب لذلك؟

في بحث أجرته الباحثة الأمريكية فيش ساكتيفال Vish Sakthivel عن العدل والإحسان، صدر عن مركز دراسات الشرق الأدنى، خلصت فيه إلى ظاهرة سمتها “ظاهرة الغيرة” عند أعضاء الدائرة السياسية للجماعة من العدالة والتنمية وذلك بسبب الصعود الكبير للبيجيدي منذ دخوله معترك الانتخابات سنة 1997، حتى أصبح القوة الأولى في البلاد، ووصل إلى رئاسة الحكومة، ويحظى بشعبية..

نعم أعرفها كانت عندي قبل شهور، وبالمناسبة قالت لي أنها تراجعت عن كثير من الأمور في ذلك البحث. في اعتقادك هل العدل والإحسان لها شعبية أم لا؟ ألا ترون  أنه حين تنادي العدل والإحسان بتظاهرة كيف يتجاوب الناس وقد يكون ذلك في أقل من أسبوع، ماذا يعني هذا؟

 العدل والإحسان لا تغار من حزب  العدالة والتنمية بشكل مطلق، بل تشفق عليه جراء الإهانات المتكررة التي تلقاها من النظام بدون داع أو مبرر.

تابعتم مؤتمر البيجيدي والجدل الذي أثاره، ما هو موقفكم من الأحداث التي عاشها الحزب والنتائج التي أسفر عنها المؤتمر؟

النظام لا يتحمل أن يكون  هناك حزب له شعبية ويزداد قوة وتكون له سمعة لدى الناس، وبالتالي سيسعى ويقوم بكل الوسائل الممكنة لتحجيمه وسيسعى بكل الوسائل لتصدير المشاكل إليه، وخلق الأزمات في صفوفه ومحاولة تفجيره من الداخل، هذا ما تعرض له حزب العدالة والتنمية، قد تمكن الإخوة وأحسب أن هذا نجاح  أنهم خرجوا من المؤتمر موحدين لكن المسيرة لا زالت  أمامهم، لأنه كما قلت لك النظام يريد أن تبقى  كل الأحزاب ضعيفة ومشتتة، لا يستطيع أي منها أن ينادي بإصلاحات حقيقية وبتطبيق برنامجه وهذا ما يتعرض له حزب العدالة والتنمية.

ما موقفكم من الطريقة التي غادر بها بنكيران رئاسة الحكومة والحزب، خصوصا وأن هناك من كان يقول إن هناك تخوف من ارتفاع شعبية بنكيران وبالتالي منافسة الملك في هذا الجانب، وأيضا إخوانه في الحزب كانوا يقولون إنه باستمرار هذا الأخير على رأس الحزب لن تشتغل المؤسسة الملكية معه؟

قلت إن النظام لا يتحمل شخصيات قوية وأحزاب نظيفة، لا بد أن يفسد العمل السياسي حتى يبقى وحيدا في الميدان لا ينازعه أحد، و ما رأيناه في قصة بنكيران هو تطبيق لهذه السياسة.

هل هذا يعني أن هناك أياد تدخلت ليذهب بنكيران من الحزب؟

ليس ليذهب من الحزب، النظام ألقى قنبلة داخل الحزب وتركهم يتصارعون.. النظام متمرس في تدمير الأحزاب وخير دليل ما فعله بحزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان له رصيد نضالي مهم، الناس ذهبوا للسجون وتعرضوا للتعذيب لكنه استطاع محو كل ذلك.

كيف ترون طريقة ركن بنكيران للتقاعد السياسي من طرف حزبه؟  

(يضحك) تجرينني للتدخل في الشأن الداخلي للحزب وأنا لا أريد ذلك، هم يقولون إن لديهم قوانين وتأويلات وبنكيران أكد ذلك في حديثه غير ما مرة، وهم راشدون بما يكفي لتسيير أمورهم الداخلية، وأنا لا أريد أن أعلق على القرار الذي اتخذوه، هم أدرى ولا يمكن أن نمارس عليهم الوصاية.

في هذا السياق ما هو رأيكم في بنكيران؟

أعتبره رجلا صادقا كان يريد الإصلاح ويسعى للقيام بإصلاحات حقيقية، لكن كان مكبلا، وهناك في المغرب أشخاص كثيرون يريدون الخير للبلاد لكن الوضع السياسي لا يسمح لأحد مهما أوتي من صدق وإخلاص أن يحقق ذلك.

علاقتكم مع بنكيران كانت متوترة، وكانت له تصريحات تنتقدكم في الكثير من الأحيان.. اليوم كيف ستكون علاقتكم مع البيجيدي بقيادة العثماني؟

نحن نتعامل مع الحزب كمؤسسة وليس كأفراد، هذا  الحزب له اجتهاده ورؤيته، رغم أننا نعتبرها غير صائبة، وهم أيضا قد يعتبرون اجتهادنا غير صائب وهذا حقهم، وحقنا أيضا أن نعرب عن موقفنا وقناعاتنا من حزب المصباح.

يعني هذا أنه ليس هناك تنسيق مستقبلي مع الحزب؟

هناك صعوبة من جانبهم وليس من جانبنا، تعرفين أن النظام يضع خطوطا حمراء.

هل أنتم خط أحمر بالنسبة للعدالة والتنمية؟

نعم بالنسبة للبعض العدل والإحسان خط أحمر لا ينبغي أن يتجاوزوه ولا أن يدخلوا معها في حوار أو تنسيق، نحن نعيش في نظام  يتدخل في كل شيء، ولذلك نحن لا نريد أن نحرج أحدا.

كانت لكم علاقة جيدة وخاصة مع مصطفى الرميد، هل لا زالت هذه العلاقة الشخصية مستمرة؟ وكيف تقيمون عمله في وزارة العدل واليوم في وزارة حقوق الإنسان؟

علاقتنا الإنسانية جيدة ومستمرة، لكن كما قلت لك الأفراد رغم كفاءتهم لا يستطيعون تحقيق شيء من تطلعاتهم وما سيتحقق سيكون متواضعا جدا، هناك نظام ليس بوسع أي أحد دخله إلا أن يندمج فيه ولا يستطيع أن يتجاوزه وإلا سيجد نفسه خارجه.

ما هو رأيكم في ظاهرة إلياس العماري؟

العماري هو رجل النظام.. لكن  من بين الأمور التي وقعت في المغرب التي كان لها أثر على المغاربة هو هذا التحول من النقيض للنقيض، كنا نعرف أسماء مناضلين وشرفاء قضوا جزءا كبيرا من أعمارهم وراء القضبان وكانوا مع الشعب وقضاياه ثم أصبحوا مع الاستبداد ويدافعون عنه باستماتة غريبة ويقولون أمام الملإ كلاما لا يصدقه حتى الأطفال.. هذه ظاهرة تفزعني.

هل العماري من هذه الطينة؟

نعم هو كذلك.. الإنسان الذي عنده مروءة لا يمكن أن يرضى لنفسه هذا السلوك ويأتي أمام الناس ويقول كلاما يعرف أنه غير صحيح، فهو يكذب فقط على نفسه. أما الناس فهم يعرفون الحقيقة من السراب.