هل يستغل الصهاينة “ترامب” أم أنه يؤمن مصالح أمريكا في المنطقة؟

أي سر في القدس يجلب أنظار الجميع ويضعها موضع صراع دائم بين الأديان والأمم والطوائف عبر الأزمان؟

الانطلاق من هذا السؤال يجعلنا ندرك جزءا من جوهر القضية، فلابد وأن الصراع حول بيت المقدس يتجاوز أبعاده التاريخية في علاقتها بالإنسان والهوية، ورغم الأهمية القصوى لهذه الأبعاد، ودلالاتها في استحضار معطيات، وحوادث وأحداث، بصمت دينامية هذا الصراع، وأسهمت في إنعاش الذاكرة الجماعية، وتمتين الروابط العقدية؛ فإن بعد القداسة التي يتمتع بها المكان يضفي على القضية رونقا آخر، ويلفها بلفيف من التعقيدات، فلا نكاد نجد ديانة لا تخص تلك البقعة بالبركة والقداسة، وأكد عليها القرآن الكريم، فإذا سلمنا بأن المسجد الأقصى هو مركز البركة، بدليل قوله تعالى: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..”، حيث أن الله تعالى أثبت البركة لما حول المسجد الأقصى، وفي ذلك دوائر متعددة باعتبار القرب والبعد من المركز، يتحدث عنها المتخصصون في دراسات بيت المقدس، إذا سلمنا بهذه البركة المثبتة في القرآن الكريم، فسيجعلنا نسلم أيضا بأن من يسيطر على البقعة المباركة تلك، يسيطر معها على المنطقة ككل وله تكون الغلبة في الأخير وصاحب القرار السياسي والاقتصادي والعسكري.

 فهل أدرك الصهاينة ومعهم داعموهم في الغرب والشرق هذا السر أكثر من “أصحاب” القرآن أنفسهم؟ وجندوا لخدمة ذلك جيوشا من العسكريين والمخبرين، والعلماء والخبراء والباحثين، ورابطوا لعقود من التخطيط الداخلي بناءً وإعدادا للقوة، والتخطيط الخارجي تواصلا وإثارة للحروب والنعرات، وصناعة بؤر التوتر أو الإسهام فيها؟ أم أن إصرارهم على السيطرة على البقعة المباركة مجرد صدفة فقط؟ أم أنه اقتفاء للأثر بحثا عن مجدهم التليد، الذي يحدثهم به أجدادهم في القصص والروايات والتوراة…

طالع أيضا  فلسطينيو أوربا يعلنون رفضهم الكامل لقرار ترامب اتخاذ القدس عاصمة للكيان الصهيوني

يتحدث مؤرخون عن إدراك اليهود لهذه الأسرار التي خصت بها هذه البقعة المباركة، واستثمروا في خدمة الوصول إلى السيطرة عليها كل ما يملكون، وصاغوا خططا إرهابية، وعسكرية، وقبل تنفيذها، بدؤوا بالاستيلاء السلمي على الأرض شراءً، ودعمهم سياسيا في ذلك كبار الساسة الدوليين، الذين ينظرون إلى الملف من منظور المصلحة لإرساء وجودهم في بلدانهم بدعم لوبيات الصهاينة، كما ساعدهم في ذلك، جهل عامة المسلمين بدلالة مقدساتهم، خاصة من باعوا أراضيهم طوعا في تلك البقع مقابل دريهمات يليها الخزي ما بقيت الغلبة للصهاينة، وساعدهم أكثر من ذلك الحكام الخونة الذين تهمهم مصالحهم الشخصية لا غير…

ففي الوقت الذي تدخلت فيه الدول الاستعمارية لإقرار مقررات دراسية ومناهجها لدى الدول المستعمَرة بإيعازات صهيونية واضحة خاصة في البلدان الإسلامية، كان الصهاينة حريصين أشد الحرص -ولا يزالون- على تلقين أبنائهم أمور العقيدة، وجزيئيات العلوم الحقة، وأسرار العلوم الإنسانية، للسيطرة على الإنسان، والعالم، من خلال الحصول على مختلف العلوم وفهمها وتوظيفها، والسيطرة على وسائل الإعلام وتوجيهها، وفق مخططات أكثر سرية لا يطلع عليها إلا المستأمنون من الأوفياء لهذا المشروع، الذي يعتبرونه شاملا ومستقبليا… ووظفوا في الوصول إلى ذاك المال والمجون والعنف والدمار، واستطاعوا توريط الحكام والزعماء وعديد من “النخب” في فضائح، ومساومتهم بهدف إضعاف الخصوم والقضاء عليهم، وإشغالهم بقضايا هامشية جزئية عن القضايا المصيرية لأمتهم…

وإذا استحضرنا أن رجل الأعمال الإسرائيلي “شيلدون ادليسون”، هو من كبار ممولي الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بملايين الدولارات، وأن تمويله هذا كان على مستند وعود في عمق المشروع الصهيوني، منها نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لهم، يجعلنا نطرح سؤالا عريضا: من يخدم مشروع الآخر؟ أو بمفهوم أدق، من بيد من؟ الكيان الصهيوني أداة بيد أمريكا لتأمين مصالحها في المنطقة؟ أم أن أمريكا وسيلة يوظفها الصهاينة لقضاء أغراضهم الاستراتيجية؟ سعيا لبلوغ مجد “مملكة إسرائيل”، يجعلنا نفهم جيدا؛ لماذا يتسارع كبار رجال الأعمال الصهاينة، لتمويل الحملات الانتخابية في الدول الكبرى، التي تؤثر في السياسة الدولية، وتوجه قرارات الأمم المتحدة، كأمريكا وبريطانيا وفرنسا…

طالع أيضا  قرار ترامب وواجبات الأمة نحو قدسها

إذا كان الصهاينة يفعلون ذلك في البلدان العظمى، فإنهم لا يحتاجون في العالمين العربي والإسلامي، تمويلَ الحملات الانتخابية، لأن حكام هذه البلدان صنيعة صهيونية على المقاس أساسا، ولا تنتظر منهم شيئا في التأثير السياسي العالمي، بقدر ما تعتبرهم أداة فعالة لتنويم شعوبهم، أو قمعهم على الأقل، لإزاحتهم عن طريق أحلامها.