توطئة

عندما تجتمع بركة الزّمان؛ الرّبيع النبويّ، ويوم الأحد؛ يوم من أيّام الأحد، وبركة المكان؛ رباط الفتح في مَغرِب الأولياء، وبركة اجتماع الأمّة على نُصرة مُقدَّس أرادوا أن يُدنّسوه بعَقْد سِفاح بين مُهوِّدٍ ومُتصَلِّب، لا تملِك الأقدام إلاّ أن تتقدّم، والأعين إلاّ أن تتملّى طَلْعة مَن أتى مِن كلّ حدب وصوب وأقْدَم واقتحَم، والآذان إلاّ أن يُشنِّف سَمْعها صوتُ نساء ورجال وأطفال دَوّى في المكان ودَمدم: “خيبر خيبر يا يهود، جيش مُحمّد سوف يعود”. أمّا القلوب فرجاؤها أن تستمرّ يقظة الشّعوب وتُستَثمر حتّى ينكسِر المـُستبِدّ، ويتراجع المـُستعمِر ويتقهقر إلى أن يُهزَم ويُدحَر، والأيادي مرفوعة إلى السّماء والألسنة لاهجة بالدّعاء: “بفضلِك مولانا جُد علينا، أَهْلِك مَن طغى وتجبّر علينا”. هل يملِك مُنتظِم في هذا المِضمار، أو ناظِم أشعار إلاّ أن يرفع هذا الشِّعار: “إلاّ مسرى النبيّ المختار”؟! 

إلاّ مسرى النبيّ المختار 

إلى التي اغتُصِبَتْ لا مَن بكى حَزَنا ** فالعُربُ في شُغُل عن غَصبِها زَمَنا

نادَت: تَحرَّش بي صهيون وا أسفي ** على قلوب سَهَت عنّي رِضىً بِدُنى

هل يرقُبون مِن الباغي التلطُّف بي  ** متى اتّقى الله في عِرْضٍ ضَجيعُ زِنا؟!

مُشرَّداً كان لا مأوى له فَغدا ** بيتي لشرِّ الورى أُسْدِ الشَّرى ثَكَنا

في التّيه أمضى قرونا سائما هَمَلا ** حتى أعَرْناه مَثوى فاقتنى وبنى

مُستوطنا آمِناً والغَرْب داعِمُه ** “بِلْفور” أعطاه حِصْناً كان قبْل لنا

منّا اشترى الأرض بالأموال مُغْرِية **  ما بيع سِرّا غدا مُستعمرا عَلَنا

ما بِعْتَه للعِدا طوْعا فلا عَذَلٌ **  إن رام ما لم تَبِع كَرْها، فكُن فَطِنا

مِن بعد سبع وستّين انبرى حَكَما **  يُعطي ويَمْنع والصّيْد الثّمينُ أنا

لمّا أذلَّ “جمالا” خاسِرا حُطَما **  في سِتّة بعدها أصبَحْتُ مُرْتَهَنا

ما تَمّ في رمضان الخَيْر فاتِحةً ** أنهاه “سادات” مِصْر المُـستخِفُّ بنا

قضى ولم يَقْضِ مِن شَرّ الورى وَطَرا ** “حُسني” تَلاهُ ومَن فاقوا القِباحَ كُنى

“سيسي” و”سَبْسي” و”روسي” ومَن عَلَيّ بَغَوا ** قَهْرا وكُفرا ودَعْما للذّي وَهَنا

مُفاوِضا غاصبي والمُـبْتغى سَقَطٌ ** مَن ذا يساوِمُ صهيوناً عَلاَ مُنَنا[1]

إلاّ إذا رامَ لي التّهويد مُبتدَأً ** وقَدَّم المسجِد الأقصى لَهُم مِنَنا

ما نال منهم سِوى خِزْياً ومَهْزَلة ** سُحقا لِمَن لم يُرِدْ إلاّ الهَوان هَنا

راعي الولايات لم يُصْدِر حَماقته ** هَديّةً لرفاق الدَّرْب دون عَنا

إلاّ لأنّي بِلا رَهْطٍ ولا أمَل ** في نُصْرة مِن شُعوب تعبد الوَثَن

أو في بَيانٍ مِن الأشْباح يُنصِفني ** أو جلْسة تحت سَقْف قَد عَلا ودَنا

لهيْئة أصبحَتْ إِلْباً على أُمَم ** إسلامُها تُهَمٌ تستقْطِب المِحَن

أو في مُؤامَرَة مِن صُلْب مُؤتَمَر ** لمن يبيع الحِمى كي يشتري دِمَنا[2]

خَضْراءَ فاتِنةً في حُسنِها دَخَن ** قد حَذَّر المصطفى مِن خُبْثِها النَّتِن

دُنيا هوى حِلْس بيتِ الجُبْن عافية ** هَجا “حُطَيْئة” مَن في ظِلّها رَكَنا

“دَعِ المَكارِم لا تَرْحَل لبُغْيَتها” ** واقْعُد أخ الذُلّ نال الأَمْنَ مَن دَهَن[3]

والشّاعِرُ التونُسيّ اهتاج مُعترِضا ** على الذين أبَوا أن يَصْعَدوا القُنَن[4]

رَضوا بها حُفَراً أبْئِس بها نُزُلاً ** تُزري بمن يرتضي عيش الذّليل هُنا

ومَن هُناك بِدار الخُلْدِ سوف يرى ** أنّ الرَّفاه لِمَن يرجو الجِنان غِنى

لا الفقرُ يُزري بمَعْدوم إذا زَهدَتْ ** أنْفاسه في حُطامٍ مُنْذَر بِفَنا

ولا الغِنى ينْفع المَغرور كم سَخِرَت ** دُنيا السَّراب بمن أوعى ومَن جَبُنا

هلاّ تمنَّيْت ما يُعطى لذي جَلَد ** نِلْتَ المُنى دون أن تستدعِيَ الفِتَن

دَعْني لِهَمّي وحُزْني سُلوتي هِمَمٌ ** مِنْ نَسْل قائِمَة مَحبوبُها سُجِن

لم تَبْكِ مِن أَسَف بل أدْمَعَت فَرَحا ** لمن غدا فَنَناً أكْرِم به فَنَنا[5]

مِن دَوْحَة المصطفى خير الورى سَنَناً ** ومَن دَعاهُم لإحياء الهُدى سُنَنا

الزّوجُ مَن فقدَتْ والنّجْلُ مَن نُعِيَت ** فاسْتَبْشرَت أن جَنَتْ بالصّبر خَيْر جنى

ما كنتُ يوماً لشَرّ الخَلْقِ عاصِمَة ** ولن أكون لجُنْد المُعتدي سَكَنا

وفي حِمى المسجد الأقصى  أشاوسة ** لا يقبلون سِوى لُبْس التُّقى كَفَنا

لا يرقُبون مِنَ الحُكّام مَلْحَمَة ** لا خيْر في حُكْمِ مَن في جِسْمِه دُفِن

مَن ظنّ بالقُدس ظنّ السَّوْء باء به ** فالقدس عاصمةٌ مِمَّن تَأَمَّرَنا

لِجَعْلِها لدُعاة الجَبْرِ عاصِمَة ** خاب الجَهول ومَن أمسى له سَدَنا[6]

مِنَ الرِّباطِ على أرْض الرِّباط صَدى ** مَلْيونِ مُنْتَفِضٍ مِلْءَ القُلوب ضَنى

لسانُهم واحد: القدس تُحْفَتُنا ** هيهات يأخُذها المعتوه مِن يَدِنا

في مولد المصطفى طابَتْ مَسيرتنا ** مِنْ بابِه -جَلّ رَبّي- سار موكِبُنا

لمسجد السُّنَّة الغَرّاء حَطَّ بنا ** رِحالَه مُبْتَدا فَأْلٍ بَدا حَسَنا

ذي خُطْوَة لا تفي بالمُرتجى أمَلا ** لكنّها يقظة قد أعْقَبت وَسَنا[7]

لا تحْسِبوه قراراً طائشا عبَثاً ** الخيْر مِن شَرِّهم يُرجى لأُمّتِنا

مِن غَوْرِهم نستَقي ماءً يُطهِّرنا ** ممّا دهانا فأعمانا وأخْرَسنا

مِن مَكرِهم يُلْهِب المَيْدانُ غَيْرتنا ** لولا القرارُ لكان الوَهْنُ دَيْدَننا

فلْنُتْبِع الخُطوة الأولى بثانيةٍ ** تدعو إلى عَقْد ميثاقٍ يُوَحِّدُنا

لدَرْءِ عاقِبَةِ الطوفانِ مَوْعِدِهم ** بقَوْمَةٍ تُرْجِعُ الأقصى لِحَضْرَتِنا

بابُ المغاربة الأحْرارِ نفتحُها ** لندخل المسجد الأقصى برغْبَتِنا

لا تيأسوا أو تنوا أو تبخلوا فلنا ** وعدٌ مِنَ الله مشروط بنهْضَتِنا

هذا  وإلاّ فوعد الله مُنتظِر ** مَن لا يخاف  ولا يحْمِل الإحَن

إن قيل نادى المنادي للنّفير غزا ** أو قيل مَن لِفِداء القُدس قال أنا

أو قيلَ إنَّ قرار الخَبّ كارثةٌ ** قال الكوارِث إن لم تُرْدِ مُمْتَحنا

أحْيَتْهُ مِن غفلة فاشتدّ ساعِدُه ** وقام مُستبسِلا صَلْبا بدون وَنى

شُكرا لمن رام إذلالاً لنا فجنى ** مِنْ كِبْرِه هَبّة أذْكَت مَشاعرنا

والشّكْرُ -يا صاح – موصول بمن خنَسوا ** فأشعلوا في حِمانا نار غيرتنا

ومَنْ ربيعُ حبيب الله أفْقَدَهم ** صَوابَهم فعَتَوا واسْترهبوا بِخَنا

إلاّ الرّسولَ نبيَّ الله أُسوتنا ** إلاّ المُشَفَّع مَن مَسْراهُ قِبْلَتُنا

صلّوا على مَن به الأقصى عَلا وحلا ** حتّى غدا قُدْسُه أغلى الثَّرى مُدُنا

صلّوا على آله ما حَنَّ مُنْتَسِب ** لذكرهم فهفا قلبا وما سَكَنا

صلّوا وصلّوا وصلّوا إنّها سَنَد ** أكْثِر تجِدْها دواء شافيا وسَنا

ذ. منير ركراكي

فاس 25 ربيع الأول 1439هـ/الموافق لـ 14 دجنبر 2017م


[1] – المـُنن: جمع مُنّة وهي القوّة.
[2] – خضراء الدِّمَن: حسنة المظهر سيّئة الباطن.
[3] – دَهَنَ الرَّجُلَ : خَدَعهُ، دَهَنَ فلانٌ دَهْنًا : نَافَقَ.
[4] – القُنن جمع قنّة، وقنَّة كلّ شيء أعلاهُ، وقنّة الجبل قِمّتُه.
[5]  – الفَنَن: الغُصْن.
[6] – سَدَن الرّجل: خدم الكعبة كناية عن العبودية  والتّقديس، وإن ورَدَت هنا إشارة لمن لا يستحقّ.
[7] – الوسن: النّوم.