مقتطف من كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم”، ص 462 – 463:

أكتب هذا ليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1411، والحشود الأمريكية الحليفَة لليهود تهدد بشن الهجوم على القوة العربية الوحيدة التي تحسُب لها دولة اليهود ألف حساب. والأدهى من هذا أن الغزوة يمولها سلاطين النفط. العربُ يقاتلون عدوّ اليهود بأموال العرب!

أيّ مخاض هذا وأيّة هزة وأي زلزال وأي احتضار! تجرع المسلمون غصص تاريخهم الحديث كأساً أشد مرارة من كأس. وهذه هي العلقَم. المسلمون غرقَى في لُجَج البؤْس واليأس والإخفاق والفشل. فهذه ضربة أخرى من مقارع القدَر أليمةٌ، لعل المسلمين يَنفَضُّون من حَوْل الإديولوجيات الغربيـة، اللبرالية منها والتقدمية الاشتراكية، وينفضون من حول العصبية القومية ليَفيئوا إلى دين الله معتَمَدِ المستضعفين، وليبْنوا، بعد التخفف في أتُون الآلام من ركام الغثائية، ذاتاً جديدة مُخْلَصة من شوائب الجاهلية، قوية بإسناد ظهرها إلى الله عز وجل لا إلى الأمل الشيطاني، قائمة لإسقاط عرش الشاهات أعشاش البلاء.

وتلك سنته سبحانه وتعالى عند كل عُقدة من عُقَد التاريخ البشري وعند بداية كل فصل من فصول الهداية أن يُذيق الغافلين عن آياته المعرضين عن أمره مرارة الفقر والبؤس ليرجعوا. قال تعالى يخاطب حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم ويعَلِّمُه لنتَعَلَّمَ: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ 1. وقال وقوله الحق: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ 2.

كلَّفَنا سبحانه، معشرَ خيرِ أمة أخرجت للناس، أن نقاتل في سبيله وسبيل المستضعفين. فعَيْنُنا الواحدةُ على سنته وسَوْطِ قَدَره، والعين الأخـرى على التماس أسباب القوة الحسية والمعنوية لتغيير موازين القوى لصالحنا.

من أول الأسباب أن نكُف عن التعلق بالأحلام وعن إناطة مستقبل بالبطل المحرر، تداعب مِخيالَنا المكبوتَ صُوَرُ صلاح الدين، عند أقدامه نطرَحُ خيباتِ ماضينا وخسارةَ حاضرنا. من طفولة الشعوب، أو قل من هَرَف الشيخوخة، أن يُعْبَدَ البطلُ الوَثن. وقد عبد القوميون عبد الناصر وصداما وأزلاما أخرى صغرى في مدة جيل واحد، فقد آن أن نعبد الله وحده لا شريك له ونغْسِلَ وصْمَةَ الهزائم في طَهور توبة عامة، نتضرع إلى المولى جل وعلا، ونأخذ بأيدينا مقادَة مصيرنا ننتزعه من الأيدي المجرمة. فعدوُّنا الأول منا. وما أُتِيَ المستضعفون من جهة هي أنكى فيهم من أنفسهم، من حكامهم المجرمين، أجرموا وعتـوا في الأرض واستكبروا استكبارا وتحالفوا مع المستكبرين لقعود المسلمـين عن الطلب ولهبّتهم الطفولية مع كل ناعق.


[1] سورة الأنعام، الآية 42.
[2] سورة الأعراف، الآية 94.
طالع أيضا  في القدس.. الاستيطان على أشده وناشط يجلي حقيقته