قسم الأستاذ المقرئ أبو زيد الإدريسي كلمته في الندوة الصباحية حول مؤلف عبد السلام ياسين.. الإمام المجدد” لصاحبه الأستاذ محمد العربي أبو حزم والذي يؤرخ لسيرة الإمام المرشد رضي الله عنه، إلى قسمين؛ الأول “ومضات في السيرة” والثاني “ومضات ثانية في صاحب السيرة”. مستشفا من قراءته أن الكاتب كتب مؤلفه “بروح وعقل”.

في القسم الأول، افتتح الأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء قوله بأننا “بصدد سيرة سيرة، وحَقّ المؤلف علينا أن نقول له “هم السعداء لا يشقى بهم جليسهم”، وكم شرف المادحون والمؤرخون بما كتبوا عنهم.. نرجو أن يكون لأخينا حظ من هذا الشرف”. ونوه الإدريسي إلى أن كاتب السيرة “هو الذي يشرف، وهو الذي يؤرخ لنفسه، وهو الذي يحيي نفسه بالكتابة عن هذا الرجل، خصوصا وأن الله لا يضيع أجر العاملين، وقد بذل سبع سنوات طوال في إخراج هذا السِفر الضخم من أزيد من ألف صفحة”.

وزاد الكاتب والمفكر والداعية والقيادي الإسلامي: “هي سيرة عملاقة لمترجَم له عملاق؛ ضخمة الحجم متشعبة المناكب تشعبا وتشابكا وتركيبا وتحليلا في حياة الشخص وحياة العصر”. وأضاف “كتب أخونا هذه السيرة وفي شرعنا ما تكتبه يكتب عليك.. وحفظنا من شعرائنا الكبار:

وما من كاتب إلا سيفنى ** ويُبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك يوم القيامة أن تراه

وأردف قائلا: “هذه لغة الشرع ولغة الفنان “أنت لا تكتب وإنما يكتبك ما تكتب””.

ثم انتقل الأستاذ الجامعي للتحدث عن المنهج المتبع في الكتاب “كشف مقدم الكتاب المستور الذي هو “لقد تعلمنا في مناهج البحث العلمي أن الموضوعية لا تعني الحياد بالمعنى البارد” الذي يلزم الصحفي عندما يصور مشاهد ذبح المسلمين في بورما أن لا يتأثر”.. مؤكدا “هذا حياد لا نريده لأنه الموت”. واعتبر المقرئ أبو زيد سقف الموضوعية ما سطره الكاتب لنفسه في الصفحة 12 “الأول أن أجمع الشهادات والثاني أن أرتبها وبحجمها الطبيعي وبعمقها الحقيقي دون بخس أو تفخيم”.

وعدّ هذه السيرة “سيرة عصر” مضيفا “هكذا علمتنا سير الجادين.. وهو ما وقف عليه المقدم الأستاذ عبادي في تقديمه حين قال “هذه السيرة لا تغفل الحديث عن الزمان والمكان وعن الأوضاع السياسية والاجتماعية وعن الملابسات والحيثيات التي اكتنفت صاحبها” لأن المثقف العضوي لا يمكن عزله عن محيطه تفاعلا وفعلا، وكذلك كان الشيخ رحمه الله” يؤكد أبو زيد.

وتابع صاحب كتاب “القرآن والعقل” واصفا “الكتاب كما ذكر مقدمه يشدك إليه، محبة لم تمنع موضوعية، نَفَس أكاديمي صارم شع ليحول دون برودة الأكاديمي، لغة جميلة فيها إشراق ونورانية، سفر شريف بتعبير الإمام التهانوي أحد أعلام هذه الأمة في كتابه الرائع الذي أعتبره من أسس إبستومولوجيا المسلمين؛ كتاب “كشاف اصطلاحات الفنون” عندما قال في المقدمة “إن كل علم يَشرُف بشرف موضوعه أو شرف غايته أو شدة الحاجة إليه” وأظن أن هذه الثلاثة قد اجتمعت في هذا السفر الجليل، وخصوصا الأخيرة “شدة الحاجة إليه” فما أقل سِير المغاربة البانين التي كتبت، وما أحوج أبناءنا اليوم إلى القدوة في زمن افتقاد القدوة”.

وفي نهاية هذا القسم دعا الإدريسي “دعوتي في هذه الكلمات إلى أن أحفز إلى هذا الكتاب.. وأدعو إلى تلخيصه وتبسيطه ليوضع بين يدي الناشئة في كتاب صغير متوسط الحجم، لا يزيد عن 150 صفحة، لأن أبناءنا لا يقرؤون”.

ثم انتقل أبو زيد إلى القسم الثاني الذي تطرق فيه إلى ومضات ثانية في صاحب السيرة. افتتحها بقوله “حياة المترجم له، كما في هذا السفر الضخم، حافلة مزدحمة، حابلة بداياتها الواعدة، حافلة وسطها بالتحولات الدالة، مزدحمة نهاياتها بالإنجازات النوعية وصولا إلى خاتمة حسنة نرجو”. ليضيف “سواء كنتَ من مريديه أو من خصومه أو من المحايدين لا يمكنك أن تتجاهل أنه ليس شخصا عاديا.. بل إنك تستفيد منه ويستفيد منه تابعه ومريده وخصمه ومعانده والمحايد المطلع عليه، كل على قدره من هذه الأصناف الثلاثة”.

وواصل مؤلف “عموم الرحمة وعالمية الإسلام” قائلا “لا شك أنه ليس فوق النقد.. ولكنه فوق كل اتهام فأحرى كل تجاهل. كان جدا كل أمره في مراحل عمره الثلاث: ما قبل الحيرة وأثناء التحول ثم في مرحلة الاستقرار والعطاء والبناء إصرارا في إصرار”. مؤكدا أنه “شخصية متعددة الأبعاد؛ حاول الكاتب في المقدمة أن يلخصها بطريقته في سطور فقال “أبعادها الاجتماعية والأخلاقية والمهنية والفكرية والروحية والجهادية والتجديدية” وهو ما فصله وبينه في هذه الألف صفحة أو يزيد”.

وأردف موضحا “لو أخذت بعدا واحدا يأتي في الرتبة الثانية – بعد البعد الأول الذي هو التربية والدعوة والجماعة – هو بعد التأليف، وقد لخصته شخصيا في طرة الكتاب الصفحة الخامسة “غطى في كتبه شتى مجالات الحياة والفكر؛ كتب للملوك والعلماء والعوام، كتب في شتى القضايا الشائكة، أغضب الكثيرين وأفاد الكثيرين وتعلم منه الجميع، حَرْكَنَ التصوف – مع اعتذاري للغة العربية – وفَكْرَنَ الروحَ ورَوْحَنَ الفِكر وسَيَّسَ الدعوة بالمعنى الإيجابي لكلمة تسييس ودَعْوَنَ السياسة“، مشيرا في الختام “وهو يعد مدرسة أسلوبية فريدة؛ لا يشبه أسلوبه اللغوي أسلوب غيره من كبار الكتاب فقد اختطَّ له في العربية باب إبداع خاص، لم تزده أصوله الأمازيغية وإتقانه للغات الأجنبية إلا نصوعا”.