في المداخلة الثالثة من ندوة “التحول السياسي بين محاولات الإجهاض وفرص التجاوز”، تناول التونسي الأستاذ أنور الجمعاوي، الكلمةَ وشكر جماعة العدل والإحسان وأمينها العام، على الدعوة لحضور فعاليات هذه الذكرى، واعتبر هذه الندوة فرصة لمساءلة تجربة الربيع العربي، مخصصا كلمته للحديث عن موضوع: “ثورات الربيع العربي، الوعد والإنجاز والمآلات”.

المترجم الأكاديمي عرج في نظرة سريعة عن تجربة الربيع العربي، الذي “انطلقت شرارته الأولى من تونس، بسبب فشل النموذج التنموي، والحيل السياسية، والنهج الثقافي المغرق، والدولة الشمولية التي عجزت عن إدارة الشأن العام”، مؤكدا على أنه كان بمثابة نداء، استجاب له كل المقهورين  في البلدان العربية، وهو ما أدى إلى زوال بعض الحكام، وفرض على آخرين إجراء تعديلات وإصلاحات أخرجتهم من عنق الزجاجة، بعدما “ترددت شعارات موحدة من قبيل الحرية والكرامة والشغل، والشوق إلى العدالة”.

الضيف التونسي الذي تحدث عن تجربة الربيع في بلده وفي البلدان الأخرى خاصة مصر وليبيا، تساءل حول ما إذا حقق هذا الربيع أهدافه؟ خصوصا “بعدما واجهته مجموعة من التحديات التي لم تكن خافية على أحد، وما سيساعدنا على تحديد ذلك هو المآلات التي آل إليها الأمر خاصة في شقها السياسي والاقتصادي”، معتبرا أن مرحلة ما بعد الثورات  تميزت بسيمات مهمة مشتركة، لخص أهمها من الناحية السياسية في “شيوع الشوق إلى التغيير، والشعور بعدم اليقين في الراهن والمستقبل، وعودة الاحتجاجات ذات النزعة المطلبية من قبيل المطالبة بالعمل، والمطالبة بالعدالة والمزيد من الحريات، وواكب ذلك حالات من الانفلات الأمني، نتيجة العلاقة بين رجل الأمن والمحكومين”. معتبرا أن “الثابت سياسيا في هذه الثورات على الأقل في تونس هو بلورة دساتير مدنية توافقية عربية جديدة” رغم عدم استكمال هذا المسار في ليبيا ومصر بسبب صعود الميليشيات والعسكر، الذين استولوا على الحكم بقوة البندقية، معتزا بأن “هذه الثورات مكنت من إسقاط جدار الخوف… كما تمكنت من تقليص إرهاب الدولة البوليسية، وأصبح المواطن عنصرا مهما مؤثرا في سياسات صناع القرار”.

أما المآل الثاني الذي وقف عليه الأكاديمي التونسي، هو المآل الاقتصادي، حيث لم يتم استثمار ما تحقق سياسيا، وتحويله إلى منجز اقتصادي، إذ إن الثوار ورثوا اقتصادا هشا، ولم يعملوا على تطويره، قائلا: “لم يتم تحقيق التوزيع العادل للثروة وغيرها من الوعود التي قطعها الحكام الجدد بما فيها تونس”، مؤكدا كذلك أن الفوارق الطبقية ما تزال بين الأغنياء والفقراء.

وفي حديثه عن التحديات التي واجهت ولا زالت تواجه الربيع، أشار في نقطة مهمة إلى ضرورة مواجهة مواقف الإقصاء والتطرف المؤسسة على أساس ديني أو علماني. وأكد على أهمية تظافر الجهود لبناء وطن يسع الجميع ويسهم فيه الجميع.

وفي ختام كلمته تحدث عن بعض الاحتمالات التي تؤدي إليها تجارب التغيير؛ منها قيام الدولة التعددية، والدولة الطائفية، كما أن هناك إمكانية سرقة التجارب الثورية. آملا أن ينتصر الخيار الأول.