“عمر بن الخطاب” في الدار البيضاء!

في الدار البيضاء وجد المفتش الجديد بيئة مختلفة تماما عن بيئة مراكش؛ فالناس غيرُ الناس والطباعُ والعاداتُ، وما كان يعرفه من الحمراء مما خبره في طفولته وشبابه ومما استأنس به فيها لم يجده في البيضاء التـي كانت، ولا تزال، خليطا من الناس ومن الأعراق ومن الأعراف أعيدت صياغتها كلِّها نمطا من الحياة يصعب استيعابه أو مساكنته.

كانت قد بدأت تتغلغل في مختلف مؤسسات وإدارات الدولة بعض أدواء الفساد من رشوة ومحسوبية وبيروقراطية، وكان طبيعيا أن يكون للدار البيضاء منها حظ الأسد. وكان هذا المفتش الجديد شابا مستقيم السلوك محمود السيرة قوي الشخصية صلبا في التمسك بما يراه حقا. فكان الاستسلام لعدوى أمراض الإدارة أمرا مستحيلا، وكانت مواجهتها المحتومة إيذانا بحرب تشن عليه لا هوادة فيها:

«جربت أول الاستقلال أن أكون الموظف المستقيم، وكانت لي سلطة على كل حال على معلمي اللغة العربية في مدارس الدار البيضاء ونواحيها» 1. «في هذه الفترة تألَّب ضدي طوائف من المعلمين، كانوا يقولون عني: هذا عمر بن الخطاب! لأنهم كانوا ألفوا من قبل أن النقط التـي يترقى بها الإنسان في سلم الإدارة في التعليم تُؤخذ بالرشوة، وكنت أنا أرفض هذا، والله تعالى حماني منه» 2، و«حفظني الله عز وجل طيلة حياتي إلى الآن وأسأله المزيد من الحفظ أن أقبل شيئا من هذه المناكر، بل إني لا أذكر إلا مرة واحدة، لا أذكر أنه كانت أية محاولة لإغرائي بالعطاء إلا مرة واحدة جاءني رجل بدجاج هكذا وقال لي: “هدية”، فعنفته تعنيفا كثيرا، وأغناني عن تعنيف الآخرين ما كان يعرف عني – بحمد الله عز وجل – من الجدية، بل من الصرامة بل من الخشونة في حكم بعض الناس» 3.

“عمر بن الخطاب”؛ هذا أحد الألقاب التـي لقب بها على مدى مسيرته الطويلة، وجاء في سياق مواجهته للفساد الإداري في البيضاء. مواجهة بلغت درجة التهديد بالقتل! 4.

ويحكي رفيقه علي سقراط عن طبيعة المعاناة التـي عاناها رفيقه إبان عمله مفتشا بالدار البيضاء (1955م وما بعدها)، وعن سياق تلك المرحلة الانتقالية الحساسة من تاريخ البلاد:

«وعند التحاقه بمقر عمله الجديد بالدار البيضاء لمباشرة مسؤوليته الوظيفية المسندة إليه، وهي التفتيش، قاسى مشاكل كثيرة في ظروف قاسية، لأن من طبعه الاستقامة والعدل وتَحَرِّي أداء الواجب والمحافظة على الأمانة والسهر على تغليب جانب الصالح العام. كان مجبولا على تطبيق هذه الأخلاق العالية، وتعرض في وظيفته الجديدة هذه إلى تهديدات من طرف من لا خلاق لهم من المعلمين والنقابيين، خاصة أن المغرب كان وقتئذ يعيش في غليان، لأن الفترة فترة انتقالية من ظروف كان المغاربة قبلها يعيشون تحت السيطرة الاستعمارية وتحت ضغط شديد، أما هذه الفترة الانتقالية المذكورة فإن المغاربة عاشوها في شيء من القهر وعدم الانضباط» 5.

هذا السياق العام، أما السياق الخاص بالتعليم والذي كان ملغوما بما يكفي ليتردد ويفكر المشتغل فيه مَلِيّا قبل أن يقرر مواجهة العابثين به بشجاعة لا تعرف الخوف، فيتحدث عنه رفيقه علي:

«وقد وجد أخونا الوضع في مجال التعليم مضطربا، وكان حازما في عمله، جادا في القيام بواجبه مرشدا ناصحا كما تجب النصيحة، لا يخاف في الله لومة لائم، وهنا اصطدم ببعض المعلمين الكسالى الذين تعوّدوا التقرب إلى المسئولين ليعبثوا بواجبهم الدراسي، ومنهم تلقى تهديدات، غير أنه تشبث بإنجاز أعماله حسب ما تقتضيه المصلحة العامة. وإرضاءُ ضميره جعله يستخف بكل ذلك إيمانا راسخا منه بالقدر خيره وشره، فتابع سيره الموفق حتى النهاية، ولم يكن قط ليطأطئ رأسه للمغرضين والمساومين الذين يسعون في الأرض فسادا والذين يبيعون ويشترون الضمائر ويرقصون طربا عندما يكون الماء الراكد متوفرا. إنه ترفَّعَ عن كل ما يتورط فيه الجهلاء وينغمس فيه السفهاء ولا يتقيه السذج، وعن كل ما يتسارع إليه الطامعون ويتهافت عليه الآثمون. عاش حرا رافعا رأسه أمام الملإ، يؤدي عمله في اطمئنان ويفرض شخصيته على الكبير والصغير باستقامته وأدبه واحترامه للغير. فعلى هذا المنهج سار وبهذه الأمانة أدى مأموريته تلك باتزان وحِذْقٍ وتبصر واقتدار. ونقل إلي أحد الأصدقاء أن موظفة كانت مع السيد ياسين تثني عليه خيرا وتتمنى لو استقام رؤساء المصالح مثله، قالت:

– من كان يعمل مع السيد ياسين يعترف بأن الإسلام حي يمشي على رجليه، وأن العدل ناصع ليس عليه غبار» 6.

ويضيف سقراط:

«وإن أمثال هذه الشهادات وهذه الاعترافات لمما يدل على أنه لا يغادر وظيفة إدارية إلا وترك وراءه انطباعات ولمسات محمودة تشهد بمقدرته واستقامته وورعه» 7.

من كتاب: “عبد السلام ياسين – الإمام المجدد”، محمد العربي أبو حزم، ج1، ص: 62-64.


[1] المصدر السابق، ص: 13. 
[2] التميمي، عزام، برنامج “مراجعات”، قناة “الحوار”، ح1.
[3] رگراگي، منير/ العلمي، عبد الكريم، “حوار شامل مع الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين”، ص: 13.
[4] انظر: التميمي، عزام، برنامج “مراجعات”، قناة “الحوار”، ح1.
[5] سقراط، علي، “مذكرات”، ص: 15-16.
[6] المصدر السابق؛ ص: 16-17.
[7] المصدر السابق؛ ص: 17.