تتمة

الإعفاءات التعسفية من المهام والمسؤوليات الإدارية، والتمييز بين المغاربة في ولوج الوظيفة العمومية وتقلد المسؤوليات فيها على أساس الانتماء السياسي[1]:

من أهم مستجدات الانتهاكات الحقوقية الممنهجة التي ارتكبتها الدولة المغربية في حق مواطنين أعضاء جماعة العدل والإحسان خلال سنة 2017، إعفاء حوالي 150منهم من مهامهم ومسؤولياتهم الإدارية بقطاعات حكومية بالإضافة إلى مستخدمين بشركات ومؤسسات غير عمومية. وقد استهدفت هذه القرارات أشخاصا ذووا خبرات وكفاءات مشهود لها بالنزاهة المهنية والجدية والمواظبة من مهندسين ومتصرفين ورؤساء أقسام ورؤساء مصالح، ومدير إقليمي، ومفتشين ومستشارين تربويين ومديري ثانويات وإعداديات ومدارس، وحراس عامين ومقتصدين…، حملة تعسفية ممنهجة  أثارت موجة استياء وواكبتها حملة إدانة واسعة من هيآت حقوقية ونقابية ومهنية وشخصيات وطنية وفعاليات رافضة لهذه الانتهاكات…،كما تعاطف مع المتضررين زملاؤهم ومرؤوسوهم بل وحتى رؤساؤهم الذين وقعوا قرارات الإعفاء كان العديد منهم محرجا وهم يبلغون هذه القرارات.

لقد تسببت الحملة الممنهجة في أضرار كبيرة للمستهدفين بها. فبالإضافة إلى الضرر المادي، فقد مست القرارات التعسفية كرامة المتضررين بسبب الحيف والظلم الناتج عنها. كما تجاوز الضرر المعنيين وطال أسرهم خاصة في الحالات التي طلب من أصحابها الإفراغ الفوري للسكن الوظيفي، أو الالتحاق بإدارات بعيدة عن سكناهم قصد القيام بمهام لا تمت إلى تخصصاتهم في بعض الأحيان بصلة، أو مهام هدفها الأساسي العقاب.

كما لحق الضرر الإدارات المعنية بالإعفاءات من جراء الفراغ الذي تسببت فيه هذه الإعفاءات التي تمت في وقت وجيز دون استعداد لها لتعويض المعفيين،  ودون مراعاة البعد التربوي للمؤسسات التعليمية التي طالتها الإعفاءات، وخاصة أن استراتيجية المؤسسات تنطلق من المشروع البيداغوجي للمؤسسة الذي يعده المدير ويشرف على أجرأته، مما يعني توقيف هذا المشروع التربوي حيث سينعكس سلبا على هذه المؤسسات، ومن أخطر ما في الأمر إعفاء موظفين، ليس من مناصب المسؤولية فقط بل من المهام الوظيفية أيضا. كيف تُقْبِل الجهات المسؤولة على إعفاء مفتشين أو مستشارين في التوجيه التربوي من مهامهم، علما أن هذا مجال تخصصهم، ووصلوا إلى هذه الدرجة الإدارية بعد اجتيازهم لمباريات الولوج، وقضائهم لفترة تكوين مدة من الزمن ونجاحهم في امتحانات التخرج. كما حدث مع مفتش ممتاز للغة الفرنسية بالناظور وهو المفتش الوحيد بهذه النيابة أي أن المؤسسات التعليمية ستبقى بدون مفتش في المادة التي هي مجال تخصص هذا المفتش !!كيف تفرض الإدارة على مستشار في التوجيه التربوي يقطن مع أسرته بورزازات أن يلتحق بالمديرية الإقليمية لتنغير (على بعد 170 كلم) ليزاول “مهمة عقابية” تعسفية لا صلة بينها وبين تخصصه….إنه الإمعان في الظلم والتعسف. إذ كان من الإمكان أن يلتحق بأقرب إدارة تابعة لنفس الوزارة، وهي المديرية الإقليمية لورزازات، أو بأقرب مؤسسة تعليمية من مسكنه…

ومن خلال المتابعة الخاصة لهذه القضية التي شغلت وتشغل بال الرأي العام الوطني، يتبين أيضا أن حملة المسؤولين بإصدار القرارات المزاجية التعسفية تجاه المتضررين المعنيين ابتدأت بوزارة الشباب والرياضة ومديرية الأرصاد الجوية، وانتقلت لتشمل بقوة أواخر شهر يناير2017 أطرا بوزارة المالية ووزارة الفلاحة والصيد البحري، كانوا يشغلون مهام رؤساء أقسام ومصالح راكموا تجارب مهنية مهمة، ويشهد لهم بالخدمات الجليلة التي قدموها لفائدة المرافق الإدارية التي اشتغلوا بها. وارتفعت وتيرة الإعفاءات بطريقة سريعة خلال الأسبوع  الأول من فبراير في قطاع التربية والتكوين بمدن مختلفة حيث بلغ العدد 93 مستهدفا، مما تسبب في ارتباك كبير في تدبير المؤسسات التعليمية، حيث صدرت قرارات الإعفاء متزامنة مع بداية الأسدس الثاني من السنة الدراسية، ومست أطرا لهم دور كبير في السهر على السير العادي للمسار التربوي والإداري كالمفتشين، ومستشاري التوجيه التربوي والمدرين، والحراس العامين.

إن الأمر يتعلق بقرارات تعسفية جائرة تستهدف حرية الرأي والتعبير والحق في الانتماء الفكري والسياسي والعقدي لمواطنات ومواطنين مغاربة .

والملاحظ في هذه القضية أن الدولة استهدفت فيها الأصوات المعارضة المناشدة للتغيير ومناهضة الفساد، والتصدي للاستبداد، وقد نالت جماعة العدل والإحسان حظا وافرا من هذه الهجمة المنظمة والمخطط لها مع سبق الإصرار والترصد.

إن هذه الحملة إجراء تعسفي مخالف لالتزامات الدولة على المستوى الحقوقي تجاه الآليات الأممية، ويشكل تناقضا خطيرا مع ما تم تضمينه بالتقريرين السابقين للاستعراض الدوري الشامل اللذين قدمتهما الحكومة المغربية سنتي 2008 و2012، وكذا تقرير 2017 . كما تتعارض القرارات من جهة أخرى مع مقتضيات الدستور المغربي الحالي، وخاصة الفصل 6 الذي ينص على أن: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. وأن الجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له. تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وتعتبر دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة. “

وتعد هذه القرارات خرقا لمقتضيات القانون الأساسي للوظيفة العمومية إذ ينص في الفصل الأول على أن : ” لكل مغربي الحق في الوصول إلى الوظائف العمومية على وجه المساواة ” وفي الفصل العشرين من نفس القانون: “يهيأ ملف خاص بكل موظف تسجل فيه وترقم وترتب بدون انقطاع جميع الأوراق التي تهم حالته المدنية وحالته العائلية وحالته الإدارية، ولا يجوز أن تدرج في هذا الملف أية إشارة لنزعات صاحبه السياسية والفلسفية والدينية”.

ويشكل كذلك تناقضا مع المادتين المادة 1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء”، ومع المادة7 من نفس الإعلان : ” كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعا الحق في حماية متساوية ضد أي تميز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا”، والمادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية الذي صادقت عليه الدولة المغربية سنة 1979، وتم نشره في الجريدة الرسمية في غشت 1980 :” تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب” ومع المادة 25 من نفس العهد: “لكل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز المذكور في المادة 2، الحقوق التالية، التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة:

أ – أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون بحرية.

ب – أن ينتخب وينتخب، في انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين.

ج – أن تتاح له، على قدم المساواة عموما مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده”

كما تتعارض القرارات التعسفية مع المعايير الأساسية لمنظمة العمل الدولية خاصة المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية رقم 111 الخاصة بالتمييز في مجال الاستخدام والمهنة التي اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية سنة1958 ، ودخلت حيز التنفيذ سنة 1960 .

 إن هذه الحملة تعسفية وانتقامية من مواطنين ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان، تستهدفهم الدولة بسبب قناعاتهم الفكرية ومواقفهم السياسية، وتندرج هذه القرارات التعسفية ضمن حملة استهدفت التنظيمات والأشخاص الذين انخرطوا وساهموا بقوة في الحراك السياسي الذي قادته حركة 20 فبراير خلال سنة 2011، كما تعتبر شططا في استعمال السلطة واستغلالا للمرفق العمومي لتصفية حسابات سياسية، وانتهاكا لمبادئ الحكامة وهدرا للمال العام، وضربا لمصالح المواطنين والمواطنات…

لهذا، فإن القرار الصائب والمنتظر من الدولة، هو التراجع الفوري عن هذه القرارات التعسفية وإرجاع الأمور إلى سابق وضعها، مع رد الاعتبار وجبر الضرر إنصافا للمتضررين وذويهم، وخدمة للصالح العام، وتطبيقا للقانون.   

 

[1]  اعتمدنا تقرير اللجنة الوطنية لدعم ضحايا الإعفاءات التعسفية  التي أسستها فعاليات حقوقية مغربية، مع تصرف طفيف.