مقدمة

   يزخر الفكر المنهاجي الذي أسس له الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى بمجموعة من المفاهيم التي لها دلالات مختلفة في ميدان التربية والتعليم والتنظيم والدعوة والحركة. وأريد أن أقف اليوم ونحن نحيي الذكرى الخامسة من وفاته رحمه الله مع مفهوم له قيمته العلمية داخل المنظومة الفكرية، وهو مفهوم الذات. فنجد في ثنايا صفحات كتبه كلمات كثيرة مضافة إلى هذا المفهوم أو مركبة منه. منها على سبيل المثال: الذات الفردية والذات الجماعية، الذات المقدسة والذات المحمدية، الاكتفاء الذاتي والركن الذاتي، العامل الذاتي والحافز الذاتي، الذات الراضية عن نفسها، الكمال الذاتي وإثبات الذات، الذات المتفكرة والذات المجاهدة، القوة الذاتية والذاتية الإسلامية، تقويم الذات والنقد الذاتي، الذاتية المستعارة وغيرها.

     وهذا المفهوم لم يكن من اختراع وتأسيس الإمام رحمه الله بل وجد قبله في الحقل الفلسفي والأدبي خاصة، غير أن ما يرمي إليه الإمام من خلال استعماله لهذا المفهوم ليس هو ما يرمي إليه الآخرون. فالإمام رحمه الله عندما يستعمل مفهوم الذات يضفي عليه الصبغة الإيمانية والجهادية ليتحول إلى مفهوم منهاجي ويؤدي وظائف منهاجية على مستوى الفرد والجماعة والأمة.

ويرتبط مفهوم الذات عند الإمام رحمه الله بمفردات هي من قاموس الإيمان وحقائق الأكوان التي تنقل الإنسان من عالم إلى عالم، فهي تنقل الإنسان من عالم العجز والتخلف والعوز إلى عالم القدرة والفعل والتنمية. وتنقل المؤمن إلى نفس العالم القادر الفاعل النامي. فإن كان الإنسان يكسب بهذه المفردات حين يتحقق بمضمونها الإنساني الأرضي المحض قدرة أرضية، وفعلا أرضيا، ونماء أرضيا. فإن المؤمن بالله واليوم الآخر الذي يتحقق بحقائق نفس المفردات، يكسب قدرة ونماء وفعلا تسمو بسمو أهداف المؤمن وغاياته 1.

لنستعرض بعض ما قاله الإمام رحمه الله تعالى عن هذا المفهوم وما يرتبط به من معان إيجابية تحتاج إلى تثبيت وأخرى سلبية تحتاج إلى تغيير.

الذات الفردية والذات الجماعية    

    الذات الجماعية كما يحدها الإمام رحمه الله تعالى تشكل جسما عضويا وسط الأمة، وهي تتكون من ذوات أفراد مؤمنين، ليس الإيمان معنى مضافا إلى ذات أحدهم، بل هو معنى قائم بها. فكمال الإيمان هو كمال المؤمن في معناه. وما يحصله المؤمن في مجموعه من التحلي بصفات الإيمان، والتخلق بشعبه، هو مدى كماله الذاتي الذي يبعث على صورته إن ختم الله له بالحسنى. وهو مقامه عند الله أبد الآبدين. فإذا اكتمل الإيمان من كل جوانبه، واستمد قلب المؤمن من كل شعبه، ارتفع به إلى الإحسان ليصبح ذاتا إحسانية 2.

طالع أيضا  التحولات السياسية في مشروع الإمام المجدد (1)

   التعبير بالذات الفردية عن الذات الجماعية هو تحول على مستوى الذات من الضمير المتكلم إلى نون الجماعة، تحول في التفكير والسلوك، فبدل التفكير الواحد يصبح وحدة في التفكير والتصور والاجتهاد، وبدل السلوك الواحد يصبح وحدة في السلوك والإرادة والعمل، هو اندماج وسط الجماعة، هو انتماء جماعي بعدما كان الإنسان منعزلا ومنطويا على ذاته. هو تبنّ لقضايا الجماعة وآرائها. فتكون مصلحة الفرد هي مصلحة الجماعة، ومصير الفرد هو مصير الجماعة، وخلاص الفرد هو خلاص الجماعة، يموت الفرد لتحيى الجماعة وتستمر.

    هل يعني هذا التعبير الكلي ذوبان الذات الفردية في الجماعة مما يفقدها حقيقتها؟ قد يبدو ذلك، لكن عند تدقيق النظر سنجد هناك تكامل، لأنه كما يحرص الفرد على مصلحة الجماعة تحرص الجماعة على مصلحة الفرد، باعتباره لبنة من لبنات بنائها التي لا يمكن التفريط فيها. فهو قويّ وغني وكبير بالجماعة، سعادته وراحته، غذاؤه وشرابه، حياته ومماته في بوتقة الجماعة وحضنها.

العامل الذاتي

     في ميدان الصراع بكل أنواعه يولي الإمام رحمه الله للعامل الذاتي الذي يمثل الصفّ الإسلامي المنظم أهمية كبيرة في حسم معادلة هذا الصراع، ولذلك يؤكد على توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه وذلك من خلال إعطاء الأهمية القصوى لفحص الذات، والنظر في عيوبها، وتمحيص الصف، وتربية النفوس وصقل القلوب وتهييء المحل الذي يتنزل فيه نصر الله 3.

وفي انتظار نضج العامل الذاتي واكتمال الاستعداد لقبول الحل الإسلامي لدى الأمة يؤكد الإمام رحمه الله على أن المهمة المطلوبة هي تربية الجيل القادر على تغيير المنكر، ودخول ميدان العمل لتبيين للناس بالمواقف الواضحة، وخطة العمل، ومثال السلوك، ماذا تعني الحياة الإسلامية بالنسبة لمستقبل الأمة ومستقبل كل فرد وكل فئة 4.

الذات المتفكرة

يتحدث المفكرون عن الذات العاقلة والذات المفكرة، التي يتمرد فيها العقل ويتحرر من كل قيد شرعي أو عرفي لينساق وراء رغباته، بينما يتحدث الإمام رحمه الله عن الذات المتفكرة التي يرتبط فيها العقل بالقلب ويخضع له. فإن كان التفكير عند الذات المفكرة لا يعود عليها إلا بنتائج عقلانية ومادية، فإن التفكر عند الذات المتفكرة يعود عليها بالعبر والدروس في الأنفس والآفاق، في الدين والدنيا والآخرة. ومن المواضيع التي يقع فيها التفكر عند الذات المتفكرة:

طالع أيضا  صفحات من سيرة الإمام المجدد - الصفحة الثانية: معلم في الجديدة

موضوع النفس: يقول الله تعالى: أَوَلم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون 5. وذلك بالتفكر في طبيعة النفس أحوالها وتقلباتها، وفي عملها بالأجهزة المختلفة داخل الجسم الواحد بأدوار منتظمة ومتناسقة. فمن عرف نفسه عرف ربه.

موضوع الكون: يقول الله تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذي يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات الأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك، فقنا عذاب النار 6. وذلك بالتفكر في مخلوقات الله تعالى الصغيرة والكبيرة، البحرية والبرية والجوية، كيف تتحرك وكيف تعيش، وكيف تتوالد وتتكاثر، وكيف سخرها الله تعالى للإنسان وذللها له. ثم التفكر في كون هذه المخلوقات كلها تسبح لله تعالى وتمجده وتسجد له.

موضوع الدنيا والآخرة: يقول الله تعالى: كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة 7. وذلك بالتفكر في الدنيا وقصر أملها وتقلبها بأصحابها وكثرة فتنها، وأما التفكر في الآخرة فيكون بالتفكر في الموت وما بعده من بعث وحشر ونشر، ومن موقف بين يدي الله تعالى وتطاير للصحف ونصب للميزان، ومن مرور على الصراط ثم إلى الجنة أو إلى النار.

تعاريف أخرى

من التعاريف التي نجدها في كتابات الإمام المجدد رحمه الله تعالى والتي ترمي إلى أهداف إيجابية:

القوة الذاتية: هي معادلة تتشكل من ذوات مؤمنة وتماسك الصف والصدق. ومنبع هذه القوة الذاتية للجماعة المؤمنة هو قلب كل الفرد العضو وفكره وحركته وسائر طاقاته. وهذا ما يحقق النظام ووحدة القيادة وضبط المسؤوليات 8.

الذاتية المجاهدة: هي ذاتية جماعية ملتحمة التحاما عضويا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذاتية روحها البيعة له صلى الله عليه وسلم ورائدها التشوف لجزاء الآخرة وخيرها 9.

إثبات الذات: ويكون إثبات الذات ببنائها على معرفة تامة بمن نحن، وبارتياح كامل لكل مروءة ورثتها البشرية وطورتها شرقا وغربا 10.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان تعلن عن تنظيم الذكرى الخامسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين

الركن الذاتي: يعتبر الإمام رحمه الله الصدق الذي هو أحد شروط التربية الثلاثة الركنَ الذاتي والشرطَ الأول للسلوك، ألا وهو صدق المؤمن هو وطلبه ونيته.

النقد الذاتي: هو عبارة عن مناصحة يضبطها الشرع وتلطفها المحبة وسلامة الصدر.

وعند حديث الإمام رحمه الله عن الذات بهذا الشكل الإيجابي الذي رأيناه، لم يستبعد وجود ذوات أخرى تعاني من السلبية، إذ تشكل بمجموعها عقبة لنفسها أولا ثم لغيرها ثانيا وذلك بما تحدثه من أثر وتأثير في المجتمع. نجد من هذه الذوات الذي ذكرها الإمام رحمه الله تعالى:

الذات الراضية عن نفسها: وهي ذات تشير إلى الغير بأصابع الاتهام، وتعيث فسادا في المجتمع بأفكار صبيانية ساذجة 11.

الذاتية المستعارة المقلِّدة: هي نمط استهلاكي استيرادي بمقتضاه يتعايش البؤس والترف في مرجل الكراهية.  ذاتية عاجزة عن كبح جماح التغيرات العشوائية، وعن مواجهة التحديات المصيرية. وعاجزة أيضا عن تنظيم حاجات المجتمع الحقيقية الرخائية التي تفتقر إلى تدريب علمي عملي خلقي ملائم. 12.

خاتمـــــــــــــــــــــة

    هذه الذات التي يتحدث عنها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بمفهومها الشامل سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو الأمة هي موضوع التغيير الذي ينشده رحمه الله. هي موضوع البناء المطلوب الذي يمثل أساس كل بناء آخر اقتصادي كان أو سياسي أو اجتماعي. فما تعيشه الأمة اليوم من أزمة في الذات مردّه إلى تجاهلها للاهتمام بذاتها الحقيقية تربية وتعليما وتدريبا وخبرة، لإثباتها في ساحة الصراع المحلي والعالمي. فبدون إثبات هذه الذات الحقيقية للأمة عن طريق توزين العامل الذاتي وعن طريق القوة الذاتية ستبقى الحيرة ويبقى التخبط هما سيدا الموقف.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون 13.


[1] انظر عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص:192.
[2] انظر عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص:180.
[3] انظر حوار مع الفضلاء الديقراطيين، ص:10.
[4] انظر المنهاج النبوي، ص:230.
[5] الروم:8.
[6] آل عمران: 190-191.
[7] البقرة:219-220.
[8] انظر المنهاج النبوي، ص:238.
[9] انظر المنهاج النبوي، ص:407.
[10] انظر عبد السلام ياسين، سنة الله، ص:287.
[11] انظر المنهاج النبوي، ص:217.
[12] انظر حوار مع الفضلاء الديقراطيين، ص:186.
[13] يوسف:21.