“يَا ابْنَ عَمّ إنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ مِنِّي وَشَرَفِكَ فِي قَوْمِكَ وَسِطَتِكَ فِيهِمْ وَأَمَانَتِكَ عِنْدَهُمْ وَحُسْنِ خُلُقِكَ وَصِدْقِ حَدِيثِكَ” 1. كان هذا كلام السيدة خديجة رضي الله عنها وهي تعرض نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الخصال التي جعلتها تقدم على هذه الخطوة، وهي الشريفة العفيفة الطاهرة الكريمة، وهو ما يؤكده الحديث، فقد كانت «امْرَأَةً حَازِمَةً لَبِيبَةً شَرِيفَةً، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا وَأَعْظَمُهُمْ شَرَفًا وَأَكْثَرُهُمْ مَالا، كُلُّ قَوْمِهَا قَدْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ». فكان من برهان كمال عقلها انتباهها إلى هذا الذي فُقِد في رجال عصرها واجتمع في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

آمنت السيدة خديجة بصدق سيدنا محمد وأمانته وحسن خلقه ولما ينزل عليه الوحي، وضعت بين يديه أملاكها فصانها وحفظها وزكاها، وفتحت له صلى الله عليه وسلم بيتها وآوته فازدادت بحسن معشره وعظيم أخلاقه إيمانا، فكان هذا تهييئا ربانيا لها لاستقبال إرهاصات النبوة الأولى بيقين كامل.

تحكي أمنا عائشة عن مقدمات النبوة، حيث بلّغ أمين السماء أمانة النبوة الصادقَ الأمين، وتقول رضي الله عنها: «فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الُله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللُه أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» 2.

صبر وتروّ في استجلاء سبب خوف الزوج، وعناية فائقة لطيفة أذهبت الروع عن الحبيب، يقابله بوح الزوج بمخاوفه ولواعج صدره، فترد عليه الحصيفة بما يعده البعض من أبلغ ما دوّنه العرب في الحكمة.

ثم تشرع الزوج الرؤوم في امتحان برهان الوحي تثبيتا لقلب زوجها، فتقول: “أَيْ ابْنَ عَمّ أَتَسْتَطِيعُ أَنّ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِك هَذَا الّذِي يَأْتِيك إذَا جَاءَك؟»، ويستجيب لطلبها النبي، حتى إذا جاءه سيدنا جبريل أخبرها فأجلسته على فخذها اليسرى ثم اليمنى ثم في حجرها وهي تسأله في كل مرة إن كان يراه ويجيبها بنعم، ثم تلقي خمارها ورسول الله في حجرها وتعيد سؤاله، فيجيبها بالنفي، فتبشره قائلة: «يَا ابْنَ عَمّ اُثْبُتْ وَأَبْشِرْ فَوَاللهِ إنّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ» 3.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تنطلق سيدتنا خديجة رضي الله عنها بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل ناشدة رفع حيرة زوجها.

مواساة وتخفيف وحنو وتهمم من أمنا خديجة بما ألم بزوجها، وسعي حثيث في قضاء حاجته، وإلحاح في طلب الحل، وثقة خالصة منه في رأيها وحكمتها جعلته يمشي معها إلى حيث تأخذه.

فدلت الواقعة على أن السيدة خديجة كانت حصن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصين، وملاذه الأمين، ووزيره الصادق الوفي. عندها وجد السكن والراحة والأمان والتثبيت.

وتتحقق البشرى، ويستيقن محمد أن من يأتيه رسول كريم من رب العالمين ليبلغه الرسالة، فتكون خديجة أول من يومن به من الرجال والنساء، فتنال بذلك درجة السبق والفضل على جميع الأمة، وتكتم خبره، وتكمل مسيرة رعايتها بنفسها ومالها لسيد الخلق وهو متفرغ لتلقي الوحي وتبليغه. وتظهر الدعوة ويتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه أصناف التكذيب والتعذيب، وتستمر السيدة خديجة رضي الله عنها في مواساته والتخفيف عنه والمسح على قلبه.

ثم تتعرض الأسرة الكريمة إلى امتحان آخر عسير، فتطلّق رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله، وكان صلى الله عليه وسلم قد زوجهما عتبة وعتيبة ابني أبي لهب 4، فلا يزحزح هذا ثقة أمنا خديجة بزوجها ولا يتزعزع إيمانها به.

وتتوالى المصائب، ويعلو جور قريش فتكتب وثيقة الحصار الظالمة وتسوق نبي الله وأهله وصحبه إلى شِعب مكة، فتعاني الكريمة الحسيبة الشريفة ضنك العيش صابرة راضية محتسبة مواسية ثابتة غير متبرمة أو مشتكية، تركت الفراش الوثير والعيش الرغيد وخرجت إلى جانب زوجها تعاني القر والحر وتكابد الجوع والعطش. وتمر أيام الحصار وهي شامخة شموخ الجبال الرواسي، سامقة سموق النجوم العوالي.

وتمر سنوات الحصار الثلاث، وتخرج منه سيدتنا خديجة وقد أوهنها المرض وأنهكها الجهد وبراها الجوع، فيشاء الله سبحانه وتعالى أن ينقلها إلى جنابه الكريم غير مبدلة ولا مغيرة.

همة عالية وعزيمة ماضية وسند عظيم للدعوة ولحاملها، بذل للجهد والمال والنفس والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، هكذا كانت أمنا خديجة، وبهذا استحقت تكريم الله سبحانه وتعالى لها أن خصها من بين نساء العالمين برسالة مع أمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام يبلغها سلام ربها وسلامه، فما أكرمها من منزلة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ)) 5.

وكان من إكرام نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها أن لم يتزوج عليها في حياتها، وحزن على فقدها أشد الحزن حتى سمي العام الذي توفيت فيه (وتوفي فيه أيضا عمه أبو طالب) بعام الحزن، وظل يذكرها بالخير طيلة حياته، حتى إذا ورد اسمها في مجلس لرسول الله لا يفتأ يذكر فضلها ويستغفر لها حتى يقطع عليه عارض حديثه، وظل صلى الله عليه وسلم يكرم صويحباتها من بعدها. ويوم فتح مكة، أبى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يبيت في أي بيت وكان بإمكانه أن ينزل في أحسنها، وضرب خيمته إلى جوار قبر خديجة، وكأنه عليه الصلاة والسلام يتذكر تثبيتها في بدء الدعوة، فيأبى إلا أن يبيت بجانبها اعترافا بجميلها، وشوقا إليها، ورقة لها حتى وهي غائبة، وتشهد لها بهذا مشاهد كثيرة في حياة رسول الله لا يتسع لها مقال.

فهنيئا لسيدتنا خديجة هذه المحبة وهذه المنزلة، وهنيئا لنا -أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- هذه الرحمة وهذا العطاء من الله كرما وفضلا. نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا لسيدنا محمد وآله وصحبه تابعين ولطريقهم سالكين وعلى أثرهم سائرين.


[1] كتاب “الذرية الطاهرة النبوية” للدولابي، الحديث رقم: 8، باب استئجار خديجة النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج لها في تجارة.
[2] كتاب “فتح الباري بشرح صحيح البخاري” لابن حجر العسقلاني، الحديث رقم: 3.
[3] كتاب السيرة النبوية لابن هشام، باب امتحان خديجة برهان الوحي.
[4] الموسوعة في صحيح السيرة النبوية (العهد المكي)، باب طلاق ابنتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رقية وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب.
[5] متفق عليه.