في سياق إحياء الذكرى الخامسة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، يقدم موقع الجماعة نت سلسلة من الحوارات مع ثلة من أبناء جماعة العدل والإحسان الذين أصدروا مؤلفات تدور موضوعاتها حول الإمام المجدد أو بعض قضايا امشروع التغييري رحمه الله.

في هذه الحلقة يحاور الموقع الأستاذ محمد العربي أبو حزم، في موضوع الجزء الأول منن كتابه “عبد السلام ياسين – الإمام المجدد”، والذي صدر أواخر عام 2016.

في حوالي 500 صفحة، موزعة على خمسة أبواب، والذي قدم له الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان.

 

نود أن تحدثنا بداية عن السياق الذي انبثقت فيه فكرة سيرة إمامنا المجدد، واللبنات الأولى لإنجازه؟

الحمد لله حمدا يوافي نعمه والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.

أشكر لموقع الجماعة هذه الالتفاتة الكريمة، وأدعو الله لكم بمزيد من التوفيق والسداد والقبول.

ولدت الفكرة في شهر يونيو من عام 2010، ولدت في لحظةٍ ما دون أن يسبقها في وعيي ما يتدرج عادة من الخاطر الذي يبعثه في النفس حدثٌ ما إلى الفكرة القائمة الأركان. أقول هذا وإن كانت قراءة سير رجال الأمة وعظماء الإنسانية في الفكر والسياسة والعلوم والفنون هواية استهوتني منذ طفولتي المبكرة.

الاشتغال على السيرة الغيرية له اكراهات عدة ويتطلب مجهودا كبيرا لنقل حياة صاحب السيرة بأمانة ودقة، قربنا من الصعوبات التي واجهتك؟ وكم احتاج من الوقت هذا المشروع؟

نجري هذا الحوار أوائل دجنبر 2017 وقد دفعت لتوي الجزء الثاني من سيرة الإمام إلى المطبعة، أي إن هذا العمل، إلى حدود إنجاز الجزأين الأول والثاني، تطلب سبعة أعوام ونصف العام. أما الصعوبات والإكراهات فتكفي الإشارة إلى أنها سيرة عن الأستاذ عبد السلام ياسين، للدلالة على طبيعة الصعوبات والإكراهات التي صاحبتها. فالرجل المترجم له تعرض لمخطط كبير كانت الغاية منه التعتيم عليه والحد من إشعاعه وتشويه صورته في عيون العامة والخاصة. كما أن رجلا في قامة الإمام رحمه الله وفي غنى تجربته واهتماماته وتنوع أبعاد شخصيته وامتداد إشعاعه وعمق آثاره وثراء فكره وكبر ما واجهه من تحديات وحدة ما تعرض له من حرب ميدانية وإعلامية… كل هذا يجعل من الكتابة عنه مهمة شديدة الصعوبة تكلف من يقوم بها ما لا يدعيه من ملكات ومؤهلات، وما لا يطيق من جهد وما لا تسعفه به الإمكانات وما لا يتحكم فيه من ظروف الإنجاز. وهي على كل حال تجربة فكرية وتربوية وروحية واجتماعية وإنسانية هي نفسها جديرة بالتوثيق.

اخترت لهذا المؤلف عنوان “عبد السلام ياسين الإمام المجدد”، ماهي معالم التجديد التي وقفت عندها في هذه السيرة؟

إن كان من صفة يمكن أن تنطبق على الإمام المرشد رحمه الله في كل مراحل حياته فهي صفة التجديد. فهي صفة يبدو كأنه وُلد وَوُلدت هي معه. ولهذا كان دائم التجدد والتطور والبحث لتجديد ذاته وتجديد من حوله. ففي عمله الوظيفي كان دائم البحث والتجديد في عمله فكان، على سبيل المثال لا الحصر، أول من أدخل التعليم الموسيقي لمدارس المعلمين حرصا أن يؤدي المعلمون مهمتهم في تحفيظ الأناشيد التربوية لتلاميذهم على الطريقة العلمية الصحيحة، ونهج مع تلامذته خاصة في مدرسة المعلمين بمراكش أواخر الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي أساليب جديدة في التعليم والتربية والتكوين، وكان له الفضل في تجديد المقررات الدراسية التي كانت فيها الدولة عالة على المشرق العربي، فكانت مقرراته الدراسية لمدارس المعلمين جديدا ومجددا في برنامجهم التكويني، وكانت “المطالعة الجديدة” و”الحساب الجديد” و”الجديد في دروس الأشياء” مقررات تخرجت عليها أجيال وأجيال من المغاربة وظلت مقررات معتمدة إلى نهاية الثمانينيات. ومن خلال صفة “الجديد” المضافة إلى العناوين السالفة الذكر يظهر الهمّ التجديد لدى الرجل.

وجدد الإمام رحمه الله في شؤون الزاوية البوتشيشية حين كان منتسبا إليهان وتكفي هنا الإشارة إلى جهوده في ترشيد عملها لينضبط بضابط الشريعة حتى لقبوه ب”عبد السلام الشريعة”. وجدد في طرحه للتغيير ابتداء من كتابه الأول “الإسلام بين الدعوة والدولة” في توجهه الفكري الجديد. وجدد في طرحه للعمل التنظيمي التربوي للحركة الإسلامية ابتداء من رسالته/الكتاب: “جماعة الإرشاد” إلى الشيخ حمزة رحمه الله عام 1973 حين كانت الحركة الإسلامية المغربية في مهدها وفي مبتدإ عملها الذي لم يكن يوجهه تصور واضح مكتوب. وجدد في كثير من جوانب المشروع الإسلامي مما يطول فيه الحديث ومما تجد إشارات عنه بين ثنايا سيرته.

قسمت الكتاب إلى أبواب وفصول وعناوين ثانوية كثيرة، هل هي خطة منك لإبراز كل تفاصيل السيرة، أم هي استراتيجية أدبية تحاصر أي تسرب للملل قد يستهدف القارئ؟

هذه تضاف إلى التحديات التي تحدثت عنها آنفا. فمسار الرجل طويل وغني ومتنوع وعميق ومتشعب ومتسع بالقدر الذي يطرح تحديا كبيرا على صعيد خطة العمل ومنهجية الكتابة وأسلوب السرد وطريقة العرض وحدود وطبيعة التحليل. وقد يفلح الكاتب في الباب الأول وفي الفصل الأول، ولكن الحفاظ على منهجية العمل وعلى النَّفَس السردي وعلى المتابعة اليقظة للقارئ من أول باب من السيرة إلى آخر باب على مدى مجلدين اثنين أمر لا يدرك صعوبته إلا من كابده. وإن شئت المزيد فإنني اضطررت إلى استعمال أكثر من منهجية في معالجة الموضوع بسبب ما احتاجه العمل من جهد في التوثيق والتحقيق والتعليق.

كان لك تواصل دائما مع الإمام رحمه الله، كيف استثمرت علاقتك به في توثيق حياته في هذه السيرة؟

هذه كانت عقبة أخرى مضافة؛ إذ كيف يكتب أحد تلاميذ الإمام عنه دون أن تغلبه العواطف، وما أشد أثرها، فيصيبه ما يصيب الأرواح حين تتعلق بمن لا ترى من حبه فكاكا، فتصير الكتابة مجرد انطباعات ذاتية لا رائحة فيها للموضوعية المطلوبة. وأعترف أنني عانيت في هذا الجانب كثيرا وأنا أحاول أن ألجم عواطفي وأُكَـتِّم مشاعري لأفصل بين صفة التلميذ المحب الذي ترعرع بين يدي أستاذه على مدى أكثر من ثلاثين عاما وجلس إليه عشرات المجالس حتى تعلق به قلبه وروحه وكيانه كله به فغدا يرى فيه المثال الكامل الأعلى في الحياة وفي السلوك وفي الدعوة وفي العمل و… وبين صفة الباحث المتسلح بالموضوعية المتدرع بالنزاهة التي تنأى بصاحبها عن العواطف، المحتكمة إلى الحجج والوثائق وشهادات الشهود.

صدر هذا الشهر الجزء الثاني من الكتاب/السيرة، وهو امتداد للجزء الأول غير أنه يختلف عنه بشكل كبير لكونه يرسم مسارا فاصلا في حياة مؤسس جماعة إسلامية معارضة، قربنا بإيجاز من هذا الجزء وهل وجدت فيه نفس إكراهات الجزء الأول؟

الجزء الثاني يتناول المرحلة بين عام 1978، وهو تاريخ إطلاق سراح الإمام بعد اعتقاله على خلفية رسالة “الإسلام أو الطوفان”، وعام 2012 وهو تاريخ التحاقه رحمه الله بالرفيق الأعلى.

أما الإكراهات فقَلَّتْ من جانب وتضاعفت من جانب آخر. فهي قلت من جانب أن الجزء الثاني يتناول مرحلة كابدت فيها مشقة أقل من تلك التي كابدتها في الجزء الأول للحصول على الوثائق الخاصة بها وعلى شهادات الشهود الذين شهدوها. ولكن الإكراهات زادت في الجزء الثاني من حيث كثرة وتوالي الأحداث وتعدد الوثائق والشهادات التي احتجت فيها إلى مزيد من الجهد في قراءتها وتحليلها وتحقيقها ووضعها في سياقها الزمني المناسب. وهو أمر مرهق ومضن خاصة مع الحاجة إلى المحافظة على نَفَس الكتابة هو هو. والممتع في هذه المرحلة هو متابعة الإمام وهو يبني مشروعه التغييري على الأرض بما يكتنف عملية البناء من عقبات وتحديات وإكراهات يظهر معها المعدن الحقيقي للرجال.

هل بعد الجزء الثاني جزء ثالث؟

إن شاء الله عز وجل.

في مضامين هذا الجزء وقفت في تفاصيل حياة الرجل على بناء شخصيته التي غذاها بمجموعة من المهارات في كثير من المجالات، هذا دون الحديث عن البحث والتكوين الذاتي، وفي جزء كبير منه الجانب الفكري، كيف تقرأ لنا هذه الشخصية الفذة؟

هذا من عجائب هذا الإمام العظيم. إذ كيف استطاع الجمع في شخصيته بين كثير من المهارات والكفاءات وفي كثير من المجالات الفكرية والتربوية والميدانية والإنسانية والاجتماعية وبدرجة عالية وفي مدة زمنية قصيرة نسبيا؟ وقد كان الأستاذ والأديب المغربي الكبير أحمد الشرقاوي إقبال رحمه الله يصف إمامنا بأنه “العقل الجبار” إشارة إلى قدراته ومؤهلاته التي عرفها من قرب زملاؤه وتلامذته. أمر لا يمكن تفسيره إلا بأنه عطاء رباني خصه به الله تعالى. وكان هذا العطاء إعدادا ربانيا للرجل للقيام بمهمته التاريخية التي احتاج معها أن يكون شخصية فذة فريدة متميزة جمعت في ذاتها ما تفرق في غيرها. 

أبرز مرحلة في حياة الإمام هي مرحلة التحول أو مرحلة “الأزمة الروحية”، كيف تعاملت في التوثيق لهذه المرحلة الحساسة؟

هذه من المراحل التي استمتعت فيها بمتعة فكرية وروحية وأدبية وتاريخية في آن. فهي أكثر المراحل التي احتجت فيها إلى البحث أكثر في التاريخ البعيد والمتوسط والقريب، وإلى معالجة عدة نصوص أدبية روائية توثق لسيرة الإمام، وإلى مناقشة بعض القضايا الفكرية المرتبطة به من ناحية وبطبيعة الانقلاب الروحي الكبير الذي حصل في حياته. ولهذا السبب احتاج الأمر إلى تقمص أكثر من دور لمحاولة تناول هذه المرحلة الدقيقة من سيرة الإمام تناولا مناسبا.

هل ترى أنك نسخت حياة الإمام عبد السلام ياسين كما عاشها؟ وهل الجزآن كافيان للإمام بسيرة الرجل؟

أما نسخ حياة الإمام المجدد كما عاشها فهذا أمر مستحيل. ولم يكن هذا مطلبَ هذه السيرة، وإنما كان مطلبَها تقريبُ صورة الرجل في ملامحها الكبرى من خلال الوثائق وشهادات الشهود بما يمسح عنها غيوم التعتيم المخزني، وبما يفيد الأجيال الحاضرة واللاحقة في معرفته وفي استحضار السياقات الخاصة والعامة والسياقات السياسية والاجتماعية المحلية والعالمية التي ولد فيها مشروعه العظيم لمزيد من فهمه.

على أن هذه السيرة تصلح منطلقا بحكم أنها الأولى في نوعها التي توثق لسيرة الإمام رحمه الله بالمنهجية التي اتبعتها، ولكنها ليست نهاية المطاف حتما، ما هي إلا جهد بسيط لا يمكن أن يمنع غيري من التفكير في تناول الإمام المجدد من زوايا أخرى وبرؤى أخرى وعلى أضواء أخرى. وستبدي لنا الأيام أن هذا الرجل العظيم أكبر من أن تكفي للحديث عنه سيرة واحدة أو أن تتناولها زاوية واحدة أو أن تُعرض برؤية واحدة.