بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان

التقريرالسنوي الحقوقي

تقديم:

يصدر هذا التقرير عن الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، متضمنا لنماذج من أبرز الانتهاكات التي استهدفت الجماعة وأعضاءها خلال سنة 2017 التي لم يبق منها إلا أياما معدودة. ومن مضامينه قضايا مستجدة في أصلها، وأخرى تشكل امتدادا لانتهاكات قديمة مستمرة ومتجددة…والخيط الناظم بينها كونها ممنهجة تستجيب لتعليمات مركزية معممة عبر التراب المغربي، بل تتجاوز حدود المغرب أحيانا، لتستهدف التضييق بطرق شتى على الجماعة وأعضائها وأنشطتها. انتهاكات تتم خارج القانون وفي تناقض جلي مع مقتضيات الدستور ومع الذي تفرضه على الدولة المغربية التزاماتها أمام المنتظم الدولي في مجال حقوق الإنسان. لعل الأحداث التي عرفتها منطقة الريف خاصة الحسيمة ونواحيها منذ وفاة محسن فكري وما تلاها من حركة احتجاجية سلمية اجتماعية قوبلت بمقاربة أمنية أسفرت عن اعتقالات بالجملة وانتهاكات متنوعة تشكل أهم حدث حقوقي لهذه السنة بالمغرب. كما أن أحداثا أخرى أخرى استأثرت باهتمام الرأي العام والمشهد الحقوقي بصفة خاصة. وسنفرد لها تقريرا خاصا، لنركز في هذا التقرير على الانتهاكات التي تخص جماعة العدل والإحسان وأعضاءها، ليكون مادة تعتمدها الجهات المعنية بإصدار التقارير الحقوقية السنوية.

فليست الجماعة وحدها من يستهدف بالانتهاكات الحقوقية بالمغرب، فجل المتتبعين للشأن الحقوقي ببلادنا يشهدون على أننا نمر بانتكاسة حقوقية غير مسبوقة، تعيدنا إلى زمن الجمر والرصاص بأساليب قد تبدو ناعمة لغير المكتوين بلظاها، أو لمن يقارنها بما تعيشه الحركة الإسلامية وعموم المسلمين في مناطق عديدة من العالم. لم تسلم من الانتهاكات مناطق الريف والأطلس، ومدن وقرى، وتنظيمات وجمعيات وشخصيات…أرواح زهقت واعتقالات تعسفية واعتداءات متنوعة، ومحاكمات صورية وتهم ملفقة وتوظيف للقضاء…حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية ومدنية تنتهك…تشهد على ذلك المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية في بياناتها وتقاريرها، بل حتى التصريحات الرسمية لا تجد بدا أحيانا من الاعتراف الجزئي بها كما حدث في اعتقالات السلفيين وموضوع التعذيب.

لكن الذي يميز الانتهاكات التي تتعرض لها جماعة العدل والإحسان، امتدادها في الزمان لأزيد من أربعة عقود، وفي المكان عبر التراب الوطني، وحجم الأعداد التي تذهب ضحيتها، وأخطر ميزة لها كونها ممنهجة تتم عن سبق الإصرار والترصد، وطبقا لتعليمات مركزية معممة…تتجاوز أحيانا كثيرة أعضاء الجماعة لتستهدف بشكل مباشر المعارف والأقارب…ويقع كل ذلك خارج القانون، وضد مواطنين ذنبهم الوحيد الانتساب إلى جمعية قانونية تعبر عن آرائها ومواقفها السياسة.

قد يستعصي على الفهم لغز التناقض بين المعلن في الخطاب الرسمي للدولة وبعض مبادراتها العملية في مجال حقوق الإنسان والنصوص التشريعية من جهة، وبين حجم وطبيعة الانتهاكات التي تتورط فيها أجهزتها التنفيذية. لقد كادت تجربة المغرب في مجال المصالحة والعدالة الانتقالية أن تكون رائدة على خطى نظيراتها في العالم، لكن عدم تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتكرار الانتهاكات واستمرارها مع الإفلات من العقاب، حال دون ذلك فنقضت الدولة غزلها، وعادت إلى عاداتها القديمة. كما أن فتح المجال المغربي للآليات الأممية لتتواصل مع المجتمع المدني ومع الضحايا…كان خطوة إيجابية. لكن عدم التفاعل مع التوصيات الهامة والعملية لفريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي والمقرر الخاص بمناهضة التعذيب…يجعل الخطوة بلا جدوى. ونفس الملاحظة تخص تعامل الدولة مع المنظمات الحقوقية الدولية التي يفتح لها المجال أحيانا، وتتفاعل المؤسسات الرسمية مع بعضها…لكن مآلات هذا التعامل الإيجابي سرعان ما تكشف غياب الإرادة الحقيقية للتقدم في مجال حقوق الإنسان. ولعل تعامل الدولة مع منظمة هيومن رايتس ووتش  في موضوع بيوت أعضاء جماعة العدل والإحسان التي شمعتها السلطات المحلية خارج القانون خير دليل على ذلك. فالواقع أن البيوت ظلت مشمعة إلى اليوم، ومنعت بعد ذلك المنظمة الدولية من مزاولة عملها بالمغرب. وعلى مستوى التشريعات، فالدستور المغربي في واد وواقع حقوق الإنسان بالمغرب في واد آخر، وقانون الجمعيات بين النص والتطبيق صورة واضحة تعكس هذا البون الشاسع. إذ لم يمكن يسمح بتأسيس جمعية ينتسب إليها عضو من جماعة العدل والإحسان ولو تعلق الأمر بجمعية آباء التلاميذ. وقد استعملنا عبارة “لم يكن يسمح” نظرا لوجود استثناءات معدودة هذه السنة مع علم السلطات بها. لقد أصبح تطبيق القانون استثناء وخرقه أصلا.

أما المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي أسس منذ مارس 2011 بشكله الحالي، في محل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان المؤسس منذ 1990، فتجربة تجاوز عمرها ربع قرن من الزمن لم يسبق لها أن تناولت موضوع العدل والإحسان، أضخم وأقدم ملف شائك للانتهاكات الحقوقية بالمغرب. وهذا مخالف لقرار لجنة حقوق الإنسان الصادر في 20 دجنبر 1993 والمعروف بمبادئ باريس المنظمة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، والتي يفترض أن تكون مرجعا لعمل المجلس. بيد أنه يسجل لهذا المجلس تقريره الموضوعي في مقتل عضو الجماعة الشهيد كمال العماري رحمه الله بعد مسيرة احتجاجية لحركة 20 فبراير بمدينة آسفي، وتفاعله الإيجابي مع اللجن الوطنية الداعمة لأعضاء الجماعة في قضايا الانتهاكات المتنوعة، وهي مسيرة لم تكتمل بإصدار التوصيات اللازمة وإدراج قضية الجماعة في تقاريره الموازية كما تنص على ذلك القوانين المنظمة للمجلس.

 وأما الحكومات المتعاقبة، فرغم مسؤوليتها القانونية عن التجاوزات والانتهاكات في حق الجماعة، فقد أريد لها أن تفهم أن الملف يتجاوز اختصاصاتها، ولم تستطع فعل أي شيء يذكر. بل نسجل للتاريخ تصريحا لوزير الداخلية الأسبق شكيب بن موسي حين أكد لوكالة الأنباء الفرنسية  أن الجماعة بتكثيفها لأنشطتها أصبحت محظورة، فشن عليها حملة انطلقت بتمارة يوم 24 ماي 2006 وعمت المغرب وما زالت تبعاتها في قضية ما يدعى بغرامات القرآن الكريم وتشميع البيوت متواصلة إلى اليوم. كما نسجل لرئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران تصريحات منافية لحقوق الإنسان في تبريره لطرد أعضاء الجماعة من المساجد ومنعهم من الاعتكاف، وفي حظر أنشطة الجماعة. وأما هذه السنة 2017 فدشنت بانتهاكات ممنهجة في غياب الحكومة أهمها إعفاء حوالي 150 من أطر الجماعة من مهامهم ومسؤولياتهم بالإدارات العمومية.

في ظل هذا الواقع الحقوقي المتردي الذي يطمح المغاربة جميعا لتجاوزه، تناضل جمعيات ومنظمات وشخصيات حقوقية وطنية ودولية من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في بلادنا باحترافية عالية، وروح إنسانية تتجاوز الاختلافات الإيديولوجية والسياسية والعقدية، لتكون وفية لمرجعيتها الحقوقية، مؤدية ما يتطلبه النضال من تكلفة غالية في ظروف ما يزال يحن فيها بعض صناع القرار إلى ماضي التحكم والاستبداد، للتغطية على الفساد واستضعاف العباد ونهب خيرات البلاد. وبهذه المناسبة ننوه بالشخصيات الحقوقية المغربية المؤسسة للجن الوطنية الداعمة لأعضاء الجماعة في قضاياهم الحقوقية المتنوعة، وبالمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، والشخصيات والمؤسسات الإعلامية المنخرطة في خدمة حقوق الإنسان عامة ببلادنا. “منهم من قضى نحبه[1]، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا” صدق الله العظيم.

 

يتبع بتقارير مفصلة عن الانتهاكات المرتبطة في حق جماعة العدل والإحسان

 

[1]  ودع المشهد الحقوقي بالمغرب هذه السنة علما من أعلام حقوق الإنسان المجاهدين، الأستاذ النقيب محمد العربي القباب رحمه الله.