معلم في الجديدة

على مدى ستة عشر عاما من الدراسة، نهل المعلم الصاعد من ثلاث مدارس مختلفة من التعليم، بما ساهم في بناء أركان شخصيته الفكرية والنفسية، فكانت له نظرات مختلفة إلى طبيعة التعليم الذي تلقاه في المدارس الثلاث.

أول هذه المدارس مدرسة العلامة محمد المختار السوسي بمنهجه البديع في التعليم الذي سار عليه تلامذته الذين كانوا يشرفون على تعليم الصبية، وبشخصيته الفذة الفريدة التـي لم يفلت من إشعاعها وجاذبيتها وتأثيرها حتى رموز الصف الأول من الطبقة العالِمة وأهل السياسة ورموز الحركة الوطنية خاصة في فاس وما أدراك ما فاس!

ونستطيع الجزم، وقد رأينا من خلال شهادة صاحب هذه السيرة في العلامة السوسي درجة التقدير الذي يكنه له على الرغم من توالي السنين، بأن النموذج الذي كان يمثله العلامة السوسي في عينيه سيظل ماثلا أمام عينيه فيما يلحق من مراحل نوثق لها في هذه السيرة، وربما سكنت بعض أشعة من روح وشخصية العلامة السوسي في روحه فلم تبرحها أبدا. أو هكذا يبدو…

أما “معهد ابن يوسف”، فعلى الرغم من أننا لا نستطيع بخسها حقها بما كانت صرحا علميا مشعا على مدى قرون، وبما كانت محطة مهمة امتحن فيها ما كان تلقاه في مدرسة السوسي، واستكمل حصيلته العلمية على قلة انتظامه فيها… على الرغم من هذا فإنه لا بد أن نسجل موقفه السلبي من مناهجها التعليمية ومقرراتها الدراسية وأسلوبها في التسيير.

وأما مدرسة المعلمين، فقد كانت بمثابة الباب الأول الذي فُتح له إلى “الخلاص” من ميراث عالَمه الأول.

فعلى بعد نحو 200 كلم إلى الجنوب الغربي من العاصمة الرباط، تطفو مدينة الجديدة 1 بسحرها على الساحل الأطلسي، تذكّر أسوارُها ومدينتها القديمة وحيها البرتغالي ومسقاتها بصراع أهل المغرب مع البرتغاليين في القرون 16 و17 و18.

طالع أيضا  تتجدد الذكرى ويتجدد التذكر

كانت “مدرسة الأعيان الابتدائية” 2بهذه المدينة أولى محطات الحياة المهنية للمعلم الجديد بعد أن تخرج من مدرسة المعلمين.

كان على معلمنا أن يرتب وضعه الجديد قبل اصطحاب والدته من مراكش للاستقرار معه في الجديدة، فلم يكن بد من أن يستقر بها هو مؤقتا. فحجز لنفسه غرفة في “فندق النخلة” (دو بروفانس حاليا)، مفتتح شهر أكتوبر 1948م، وأتم الإجراءات الإدارية الخاصة بوظيفته. وفي مسجد حي بوشريط، لفت الشابُّ العشريني النحيف انتباهَ إمام المسجد من بين المصلين الذين كان يعرفهم فردا فردا، فسأله بعد إحدى الصلوات الأسئلة المعتادة ممن يفاجَأ بغريب لا يعرف أحدا ولا يعرفه أحد، فعرف أنه عُيِّن لتوه معلما في مدرسة الأعيان بالمدينة، وأنه حجز غرفة في فندق من فنادقها ريثما يكتري بيتا يقيم فيه مع والدته.

لم يستسغ إمام المسجد إقامة الشاب الوافد في الفندق وقال له: “أعوذ بالله أن يقيم مسلم في فندق”! فدفعه إلى مغادرة الفندق، واصطحبه معه إلى بيته مضيِّفا إياه ريثما يرتب أموره المادية ويجد بيتا مناسبا للسكن. ولعلها إحدى لطائف القدر أن لا يكون ذلك الرجل الشهم الكريم المضياف الذي فتح أبواب قلبه وبيته للمعلم الشاب غير الفقيه السيد “طه حميد”، والد الفيلسوف والمفكر الدكتور “طه عبد الرحمن”، الذي لم يكن قد تجاوز، حينها، عامه الرابع.

انتظم المعلم الجديد في وظيفته مدرسا لمادة اللغة العربية، واكترى بيتا آواه هو ووالدته، وبذل بعصاميته جهدا كبيرا في استكمال ما بدأه من تعلم اللغة الفرنسية، ساعده على ذاك استقراره النفسي مع أم حنون عاقلة متبصرة ذات رأي، وما اكتسبه من خبرة عام في مدرسة المعلمين، وتركيزه وانكبابه على هدفه لا يلفته عنه لافت، وما شحذته الأيام من عزيمته الماضية.

طالع أيضا  التحولات السياسية في مشروع الإمام المجدد (1)

كان مديره في مدرسة الأعيان يهودي الديانة يُدعى “بول” (Paul)، وكان إلى مسؤوليته في إدارة المدرسة يدرِّس اللغة الفرنسية لأقسام الشهادة الابتدائية، بينما كان المعلم الشاب يدرّس اللغة العربية لخمسة مستويات؛ من القسم الأول إلى الخامس. وفي آخر السنة الدراسية طلب إلى المدير رخصة لاجتياز امتحان الدرجة الثانية (Brevet) في اللغة العربية الفصحى؛ امتحان استعد له ذلك العام بالمراسلة بإشراف معهد الدراسات العليا بالرباط (Institut des Hautes Etudes)، والذي كان النواة الأولى لكلية الآداب والعلوم الإنسانية. وكان نجاحه في المباراة مثار استغراب وحنق وحقد مديره الذي قال له: «كيف؟ وأنا الذي خدمت الدولة 25 سنة لم أحصل على هذه الشهادة؟» 3

(من كتاب: “عبد السلام ياسين – الإمام المجدد”، محمد العربي أبو حزم، ج1، ص: 55-57) 


[1] عرفت في عهد الرومان بـ”روزيبيس” و”ريتلس بورتس”، وفي عهد البرتغاليين الذين احتلوها بداية القرن 16 ب”مازاغان” (Mazagan)، وبعد تحريرها على يد السلطان محمد بن عبد الله عام 1769م عرفت بـ”المهدومة”، وبعد إعمارها أصبح اسمها: “الجديدة”.
[2] تُعرف الآن، إبان مراجعة هذه السطور (صيف 2016م). بـ”مدرسة محمد السادس الابتدائية”.
[3] التميمي، عزام، برنامج “مراجعات”، قناة “الحوار”، ح1.