لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد!

لا يحسِبْ الفضلاء الديمقراطيون الأذكياء أننا من الغباء بحيث نعُد التّصديَ للحكم في الظروف الحالية للأمة نزهة مُريحة أو غنْماً يتسابق إليه الإسلاميون السُّذج. الأحوال كارثية بشهادة من نصبوا للكوارث الأثافي وأوقدوا النار وطبخوا العلقم.

فلا مناص للمخلصين من أبناء الأمة وبناتها أن يصيروا إلى تفاهم لمعالجة ما يرثه الأبناء والبنات بعد الطوفان من حطام كارثي.

دعونا في كتاب «حوار مع الفضلاء الديمقراطيين» إلى ميثاق إسلامي يدخل فيه الصادقون اقتناعا لأن الإسلام هو الجامع لا الوهم التاريخي المبثوث الذي يحاول الحكام أن يجعلوا منه المقدّس الأعظم.

ما فهمني كثيرون يعيشون الفترة الراهنة منغمسين في الهموم السياسية للساعة، من قبيل التداول على السلطة، وتقوية معارضة برلمانية، والتنديد بالتزييف الانتخابي، والمطالبة بمراجعة الدستور.

لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد، ولا يتوقعون. لذلك تفوتهم فرصة بناء جسور مع المستقبل. أستغفر الله، بل يفوتهم اتخاذ عهد مع الله. لذلك يأنفون وتأخذهم الحمية أنْ ذَكَرْتُ توبة تجمعنا وإياهم على كلمة سواء. بل رفض بعض كتبتهم رفضا واضحا اللقاء مع أيّ كان على أرضية إسلامية. نلتقي إذاً على ماذا؟ ويجمعنا ماذا؟

بعضهم لا يحب ولا يقدر أن ينفصل على مألوف تفكيره الركيك. ونحن عاجزون عن اصطناع خطاب ينحط بالكلمة العربية القرآنية المبينة رأفةً بمن لا يعرفون حقيقة العربية ومجازها، وبلاغتها وبيانها، وأساليب الخطاب العربي الإسلامي.

فاعجَبْ لأبناء أمة واحدة، وقطر واحد، يحتاجون لتراجمة يُفهمون بعضهم ما يقول بعض!

يجمعنا ماذا بعد تبخّر الأوهام التاريخية إن لم يجمعنا الإسلام؟ على أية أرضية نلتقي إن لم نلتق على أرضية الإسلام؟ إنها «القدّيسة لاييكية» التي علّمت أن السياسة أمن عام وتدبير معاش وصيغة للتساكن الحضاري والتداول على السلطة. ولا مدخل للدين في كل هذا. فرغ من تصفية أوهام الدين المفكرون فلاسفة الأنوار، وفرغ من تصفية الكهنوت الديني ثوار فرنسا منذ قرنين، الذين طبقوا أفكار فلاسفة الأنوار، وطردوا القساوسة.

طالع أيضا  بدا لي السناء

المثقفون المبدعون المتحضرون سرعان ما ينقلون حكما تاريخيا نَقْلَ التلاميذ الأذكياء المرضيّين، فيسحبون كلمة «دين» على كل مؤسسة كنَسية، ويتمثلون في الدين -والدين عند الله الإسلام- الصورة التاريخية التي آلتْ إليها النصرانية الكاثوليكية التي نقضها فكرا وفلسفة أمثال روسو وفلتر ومنتسكيو، ونقضها بناءً ودعامة للحكم الثوار الفرنسيون منذ قرنين.

تلامذة الغرب الأذكياء جدا يقاتلون في معركة منقولة مسحوبة ثورة التّأليك ليفكوا رقاب الناس من ربقة التآمر «العلماني» الملكي الحاضر الشبيه المماثل للتآمر الكنسي الملكي على عهد لويس السادس عشر.

يُقاتلون في معركة التحرير التأليكية بنفس الاقتناع أن كل دين خرافة، وكنيسة تتجر في الأوهام، وتبيع صكوك الغفران، وتكذب على الناس.

لئن كان وضع التآمر المزمن بين علماء القصور وحكام القصور في زمننا شبيها ومثيلا من حيثُ التواطؤ بين الواعظ الرسمي والحاكم المطلق في فرنسا القرن الثاني عشر، فإن المثلية الكئيبة المتخلفة التابعة العاجزة فِكرا، واعتبارا بالتاريخ، وتمييزا بين مجتمع ومجتمع، ودين و«دين»، وعصر وعصر، لهي أشد اعتقالا وارتهانا لحاضرنا ومستقبلنا.

تقترح «القديسة لاييكية» المعصومة المترجمة حرفيا إقصاء الإسلام من ساحة الحكم كما أقصيت الكثلكة بفعل ثورة أمنا فرنسا.

لو كان لمثقفينا اللاييكين، المقتنعين بها المناضلين بالظفر والناب من أجل نصرها مُسْكة من تمييز، وبقية من صراحة مع الذات، وقدرة على مواجهة الذات، لأدركوا أن الفرنجة والفرنسة والإدمان على عصير فكري واحد يتجرعه دِهاقا المتفرنجون عقلا ولسانا، ويمتصه من أنابيب الترجمة المعرّبون، هو ما وضع على عيني الفكر غمّاضتين تمنعان من التمييز ومن الصراحة، وتَفُتّان في عَضُد العقل كلما صحا صحوة، فيمنعه الخوف من خرق الإجماع، وتمنعه هيبة فلسفة الأنوار، وهَدّة الثورة الفرنسية في التاريخ أن ينبس ببنْتِ شفة.

لو كان مثقفونا يرطنون بلغة غير الفرنسية، ويقرأون لكتاب غير فلاسفة فرنسا ومفكري فرنسا وروائيي فرنسا ومثقفي فرنسا الملتزمين، لعلموا أن معركة «التأليك» لا تُضرمها اليوم إلا الأم فرنسا الابنة البِكر للكنيسة قرونا، الثائرة على أمها منذ قرنين.

طالع أيضا  صفحات من سيرة الإمام المجدد.. الصفحة الأولى: نفس عصام

في أنجلترا دخلت الكنيسة تحت جناح الدولة منذ قرون. في ألمانيا لا يزال الألمانيون يؤدون ضرائب خاصة تمول الكنيسة. هناك لا توجد معركة تأليك ولن توجد. المثقفون المسلمون المشبعون بلغة غير اللغة الفرنسية لا تتأجج في صدورهم حُمَيّا الغضب على الدين، ولا حَمِيّة حرب إقصاء الدين.

استراح الناس خارج نطاق التأثير الثقافي الفرنسي وأراحوا. فيفهم الناس الديمقراطية فهما لا يحمل كل هذا العداء للدين. وتغلب عندنا الفرنجة، لذلك نتوجس خيفة من تَدليس المتَّجرين في الأوهام من الطبقة السياسية، ويتامى الإديولوجية الماركسية من المثقفين المتحولين على استحياء إلى دين الديمقراطية الجميلة الذكية المنفتحة إلخ طبْعا، اللاييكية شرطا ووُجوبا وبديهة.

من كتاب “الشورى والديمقراطية” للإمام عبد السلام ياسين (ص: 30-34).