بمناسبة الذكرى الخامسة لوفاة الإمام المجدد، الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، يفتح موقع الجماعة.نت نافذة نطل عبرها على تاريخ مؤسس جماعة العدل والإحسان، الرجل الذي تميز بمسار استثنائي انطلاقا من تلميذ مجد ومثابر وعصامي، مرورا ببناء شخصية متكاملة في مختلف المستويات، إلى التوجه الفكري الجديد، فالتأسيس لمشروع مجتمعي…

في هذه الصفحات التي نقتبس محتوياتها من كتاب “عبد السلام ياسين – الإمام المجدد” لصاحبه الأستاذ محمد العربي أبو حزم، نعيد شريط الكثير من المحطات لنضع من خلالها القارئ في كنه حياة وسيرة الإمام المجدد، وعيا منا أن مطالعة سير الرجال تجدد العزم وترفع الهمم، وهي بمثابة المتح من معين الحكم والعبر ودروس الحياة التي تنفع الإنسان فردا وجماعة. 

هذه الصفحات هي مقتطفات تحفيزية للإطلاع على سيرة الأستاذ عبد السلام ياسين من مصدرها الموثوق، وبتفاصيلها الماتعة في كتاب “عبد السلام ياسين الإمام المجدد” الذي يصدر في جزأين.  

 

الحلقة الأولى: نفس عصام

قبل أن نطلع على جانب من جوانب عصامية هذا الفتى السوسي، لا بد من لفت الانتباه إلى طبيعة التكوين النفسي والعقلي الذي أهل كثيرا من أهل سوس للريادة في ميادين عدة. وفي هذا يقول العلامة السوسي:

«إن الطبع السوسي سريع التطور في كل ميدان دخله، فكما أنه استحال الرجلُ العامل السوسي بين عشية وضحاها في هذا العصر تاجرا مزاحما لغيره من الفاسيين والإسرائيليين  والأجانب، كذلك كان الميدان العلمي منذ دخله بجد وولوع من القرن التاسع، فإنه قد يتكشف عن بحاثة رحالة باقعة (داهية)…»، إلى أن يقول: «طلع العصر الحديث، فلم تكد بارقة تومض في جو الحواضر حتى كان لسوس حظ من التفكير الحي المتزايد مع الزمان، على حين أن نواحي من أطراف المغرب كانت قبلُ مشهورة بالعلم كسوس أو أكثر مثل درعة وتافيلالت، لزمت اليوم نَوْمَ عَبُّود ، فلا يُسمع لها ركز يدل على أن سلكا كهربائيا من التفكير وصلها» .

كان أمر الفتى بالأمس معاناة وحيرة أجج نارَها سعة حوصلته وامتداد أفقه وعلو همته وقصور ما بمعهد ديني عن أن يشفي غليله، وهو اليوم يحاول تعويض الفراغ الكبير الذي يعانيه باقتحام أول عقبة تبرز فيها عصاميته:

«كانت نفسي تحدثني أن أبحث عن طريقة لأتعلم، وكنت أطلع على ما يسقط في أيدينا يومئذ – وكانت الحرب العالمية الثانية على أشدها – من كتب ومجلات، وأتطلع إلى مزيد من الاطلاع» ، و«كان هاجسي في آخر تلك السنوات (يقصد مرحلة الدراسة بمعهد ابن يوسف) أن أتعلم اللغات الحية» .

وأوَّل ما ألح على حبيسِ أسوار مراكش، أن يتعلم لغة هذا الغازي الذي كان يرزح تحت وطأته البلد وجزءٌ كبير من أمة الإسلام. وهي على كل حال اللغة الأجنبية الوحيدة التـي كان مُتَاحًا تَعَلُّمُها أواسط الأربعينات من القرن العشرين، والتـي لا تزال، إلى أيامنا هذه، اللغة المهيمنة في التعليم والإدارة والإعلام والثقافة والفكر والسياسة.

لم يكن الفتى الأمازيغي الفقير ليحلم بولوج المدرسة العصرية الوحيدة في مراكش، آنذاك، لتعلم الفرنسية، فمدرسة “الباشا الكلاوي” لم يكن يدرس فيها غير أبناء الأعيان الذين كان الاحتلال الفرنسي يهيئهم ليكونوا موظفين وأعوانا إداريين «ليكونوا صلة الوصل بين الشعب وسلطات الحماية» .

عزم الشاب اليافع على تعلم اللغة الفرنسية ولمّا يتمم عامه التاسع عشر. يقول:

«كنت يومئذ في ابن يوسف أجلس على الحصير والمعلم يقرأ لنا من الكراسات ويشرح لنا، وكنت أستقل ذلك، وكنت أقرأ مجلة الرسالة لصاحبها محمد حسن الزيات بشغف ومحبة وكنت أطلع من خلالها ومن خلال غيرها على العالم الخارجي فقلت إنني هنا في “ابن يوسف” أضيع عمري فوق حصير “كلية ابن يوسف”، فلا بد أن أتعلم اللغة الفرنسية، وكانت هي المتاحة يومئذ ولا تزال» .

لم يلج مدرسة لتعلم اللغة الفرنسية، وإلا لكان له، كما يقول في حواره مع التميمي، مسار آخر في حياته. ويضيف:

«قلت إنني أضيع عمري فوق حُصُر “كلية بن يوسف”، لا بد أن أتعلم اللغة الفرنسية… وكان لي في الحي أصدقاء… فعمدت إلى أحدهم (عبد الرحمان بن الحاج أحمد الغجدامي) وقلت: علمني اللغة الفرنسية. فبدأ معي، رحمه الله رحمة واسعة، بدأ يعلمني الحروف a b c d… في التاسعة عشرة، فما فتئت أن تعلمت الحروف وبدأت أقرأ، وكان يأتيني بما يقرأونه هم في المدرسة الفرنسية من نصوص وأشعار فكنت أتعلق بذلك وإن كان بمستوى متواضع. فكنت أقرأ ما يُفرض عليه من فروض وما ينجزه من تمارين وما يتعلمه من نصوص أدبية، فأتعلق بذلك تعلقا. فلبثت هكذا إلى أن دخلت إلى مدرسة المعلمين» .

  • التلميذ المعلم المؤلّف!

تستوقفنا هنا ظاهرة هذا العصامي الفريد في نوعه!

لو كان الأمر مجرد عصامية يسعى صاحبها إلى المعرفة بجهده الخاص بالطريقة التـي سقنا نموذجا منها لكان وحده عجبا، فكيف وهو في الوقت الذي بدأ يتعلم فيه اللغة الفرنسية بدءا بحروفها الأبجدية بدأ بالموازاة معها “تأليف” كتيّب في “تعلم الفرنسية”!

بين أيدينا دفتر من عشرين صفحة، كتب على الصفحة الداخلية لغلافه بخط اليد:

«أول مؤلف ألفته: تعليم اللغة الفرنسية حوالي سنة 1947 عندما بدأت أتعلم الفرنسية. عبد السلام (إمضاء)».

وفي أول صفحة منه:

«بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه

الحروف الهجائية».

وإلى اليمين، تحت هذا العنوان الذي يبدو أنه الدرس الأول، كتب الحروف الهجائية الفرنسية من الأعلى إلى الأسفل، وبالموازاة معها إلى اليسار كيفية نطقها بالعربية، وإلى أقصى اليسار مقابلها في اللغة العربية.

وتناول «الدرس الثاني: الحركات المركبة». وتناول «الدرس الثالث: خصائص الحروف».

وتتخلل هذه الدروسَ تمرينات وتوجيهات وملاحظات لا تنم عن المعلم المربي المؤلف الذي كان يسكنه منذ ذلك الوقت فحسب، بل عن هذه الروح التـي صحبته على مدى عمره، ومن خصائصها أنه لا يُحَصِّل معرفة أو فضلا كيفما كان حجمه أو نوعه إلا سعى إلى أن يشترك معه غيره في تحصيلها. وهو شرط تحقق الإيمان، أن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه. وهي أولى درجات الغيرية، أن يسارع إلى الإنفاق مما وُهِبَ أولا بأول حتى قبل أن يكتفي منها ويستغني. وسنقف على مثل هذا في هذه السيرة، فيما يلحق من فصولها. إن شاء الله.

وفي توجيهات هذا المؤلف الذي طرق أبواب التأليف المدرسي مبكرا بدفتره ذي العشرين صفحة، ما يظهر موهبته البيداغوجية الوليدة، وحرصه على أن يتقن المتعلم ما يتعلمه من هذه الدروس إتقانا تاما. يقول في الصفحة الخامسة:

«تنبيه: إياك أن تبدأ درسا قبل أن تتقن جيدا الدرس أو الدروس التـي قبله».

ويبدو من خلال مضمون هذه الدروس، وكثافة التوجيهات والملاحظات والتنبيهات التـي تغص بها هوامشها الفوقية والتحتية والجانبية، حجم المعارف الخاصة باللغة الفرنسية التـي حصّلها “التلميذ المعلم” بعصاميته الفريدة، وسرعة استيعابه لما يخوض بحره من معارف. كما تعبر الإشارات والخطوط والأسهم التـي توشحها عن قوة دَفْقِ نَفَسِ “المؤلِّف” وحرصه “الداخلي” على إشباع التلميذ بالمعرفة في موضوع “المؤلَّف”.

(من كتاب: “عبد السلام ياسين – الإمام المجدد”، محمد العربي أبو حزم، ج1، ص: 44-47)