في سياق إحياء الذكرى الخامسة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، يقدم موقع الجماعة نت سلسلة من الحوارات مع ثلة من أبناء جماعة العدل والإحسان الذين أصدروا مؤلفات تدور موضوعاتها حول بعض قضايا المشروع التغييري للإمام المجدد.

في هذه الحلقة يحاور الموقع الدكتور إدريس مقبول، الأكاديمي المغربي المتخصص في اللسانيات وتحليل الخطاب، في موضوع كتابه “ما وراء السياسة – الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين”، والذي صدر عن دار النشر إفريقيا الشرق عام 2016 في حوالي 440 صفحة، موزعة على سبعة فصول، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة، مع تقديم للبروفسور ماسيموكامبنينبي من جامعة تورنتو بإيطاليا.

وفي ما يلي النص الكامل للحوار.

1- يقول البروفيسور كامبنيني في تقديمه للكتاب: «هو دراسة فلسفية تحاول أن تبحث في النموذج القيمي الذي شيد عليه  الإمام  عبد السلام ياسين فكره السياسي، ولعله أول محاولة لفهم هذا الجانب غير المدروس الذي يحتاج إلى من يتصدى له وينشغل به». أولا، ما الدافع لاختيار الموضوع للتأليف فيه؟ وكم استغرق معك الكتاب منذ التفكير فيه إلى أن رأي النور؟ وهل الكتاب بالفعل دراسة فلسفية بعيدة عن متناول العامة، لا يسبر غورها إلا من توفرت فيه بعض الشروط المعرفية؟ ثم إن في النص اعترافا بامتداد فكر  الإمام  ياسين إلى مساحات فكرية كبيرة تحتاج للدرس، إلى أي درجة؟

– بِسْم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. أما بعد.

أولا – فقد كان القصد من كتابة “ما وراء السياسة” كما أشرنا في المقدمة هو تجاوز حالة الجهل بماهية الأشياء التي تبدو سهلة وبسيطة لدى قطاع كبير من الخائضين في مسألة علاقة السياسة بالدِّين والاخلاق عموما، والموقف الفلسفي للأستاذ ياسين منها، وذلك في اتجاه بناء موقف علمي “منصف” يقترب من حقيقة النصوص التي تشكل متونا مصدرية في اتصالها وترابطها، ويناور في حدود “النسقية” من أجل ألا يقع هو أيضا في شراك القراءة المتحمسة في مقابل القراءة المتذمرة.

وبخصوص تاريخ الكتابة أو العمر الذي استغرقته عملية كتابة هذا النص، فقد ناهز العامين؛ فمباشرة بعد “سؤال المعنى”، تناسلت العديد من الأسئلة وتدحرجت في اتجاهات متضادة أحيانا، وكان من حسنات “سؤال المعنى” أن شكل المقدمة النظرية للخوض في أكثر المباحث إثارة وتأثيرا، ألا وهو السؤال الإيتيقي أو الأخلاقي في علاقته بالنظرية السياسية في شقيها العلمي والعملي؛ فمشكلة السياسة عبر التاريخ كانت مشكلة أخلاقية قبل أن تكون مشكلة تقنية، وهي مسألة معروفة قبل كانط. إنها مشكلة تربوية قبل أن تكون مشكلة تدبير، وإن كانت السياسة في شق منها خبرة وحنكة وتمرس، وحين نقول مشكلة تربية فإن السؤال يتوجه للنفس الإنسانية التي تميل إلى التسلط وإلى الاستئثار بالخيرات المادية والرمزية وإلى استغلال الآخرين وتسخيرهم.. هناك حاجة لمراقبتها ومساءلتها وإحراجها..

ثانيا – لقد سعينا لتناول قضايا الكتاب من زاوية فلسفية مقارنة ومفتوحة على الخبرة الفكرية في كافة المدارس الفلسفية التي أطرت نظريات العلوم السياسية تاريخيا.. دون أن نغفل التمييز بين الفكر السياسي والعلوم السياسية. فالكتاب أقرب إلى الفكر السياسي والفلسفة السياسية. وهو بكل تأكيد يحتاج فيما نعتقد لخلفية فكرية من أجل التواصل معه.. وفي اعتقادي يبدو فكر  الإمام  ياسين كما لو كان غابة كثيفة من الأشجار من الصعب التحدث عنها دون دخولها واكتشافها، وإني لأعجب ممن يستسهل بناء أحكام متسرعة في قضايا دقيقة انطلاقا من ملاحظة جزء من الأشجار الخارجية، إنها معرفة ظل الشجرة كما مثل أفلاطون، الغابة كثيفة واكتشافها يحتاج إلى جرأة وصبر بالقدر الذي يُحتاج فيه إلى التخلص من صورة الغابات النمطية، هناك مساحات واسعة من فكر  الإمام  ياسين لم تكتشف بعد، هناك تحد يواجهنا ويحملنا في ذات الوقت مسؤوليتي “الاعتراف” و”الانصاف” كما يقرر هيجل في “فينومينولوجيا الروح”.

2- فاق عدد المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في صياغة كتابك 430 مصدرا، حيث متحت من مرجعيات مختلفة وبلغات متعددة، ما سبب اعتمادك على هذا الكم الهائل من الكتب؟ وهل هناك تقاطعات بين فكر  الإمام  وبين من اعتمدت مراجعهم في كتابك؟

– أتوقع أن ما قراه  الإمام  ياسين في حياته وتأثر به كثير مقارنة بما أُتيح استدعاؤه للمثول في ساحة الاستشهاد على بعض الأفكار التي اهتم بها  الإمام  وناقشها، وشخصيا كان اختياري دائما في القراءة أن أفتش عن المتصل وعن مساحات التقاطع واللقاء بين المفكرين على اختلاف لغاتهم ومشاربهم وثقافاتهم أكثر من عنايتي بما يميز بعضهم عن بعض، فهذا في تقديري ثانوي من زاوية تاريخ الأفكار ، أريد أن أقول بطريقة أخرى وانطلاقا من التحليل النقدي الذي ينتصر لما يسميه بول ريكور تأسيس ذاكرة عادلة أن  الإمام ياسين يجب -إن أردنا الانصاف- أن نقرأه في سياق تفاعله مع أفكار سابقيه وأسئلة عصره، فهو لم ينطلق من الصفر في كل ما عالجه وتناوله، إنه حلقة دينامكية من حلقات التنوير، وهذه طبيعة الفكر الحي.

3- جاء في الفصل الأول من كتابك فقرة «في الفلسفة السياسية»: «رب كلمة أو مفهوم لو أفرد عن سياقه الفكري ونسقه الفلسفي ومنهج المفكر لأدى إلى غير المقصود عند صاحبه» (ص 25). هل هذا يعني أنه لا يستطيع الكلام عن فكر  الإمام  إلا من كانت له دراية بمنهجه الفكري الكلي؟ ألا يتعارض هذا والدعوة إلى مناقشة فكره رحمه الله من طرف من يخالفه المرجع؟

– القراءة حق ولكنها تفرض عليك واجبات، هي لا تسلم لك الرخصة بدون قيود وبدون تشوير،  والقراءة النسقية التي نختارها تمنعنا من الانزلاق والتزحلق الشهوي فوق النصوص التي نقرأها، هناك ميثاق للقراءة يقتضي ربط النصوص بظروف إنتاجها وبسوابقها ولواحقها. في اتجاه فهم ماهية “اليد” ووظيفتها في علاقتها بالجسد، إن اليد لن تكون أبدا جسدا لكنك لا تستطيع فهم دورها ووظيفتها بمعزل عن موقعها من الجسد. إن القراءة التجزيئية عند أمبرطو إيكو جريمة مكتملة الأركان في ميدان التأويل، لأنها تفتقر لشرط السياقية والمرجعية والقصدية، وهي شروط المصداقية في عمليات الفهم. والمهم ليس من يقرأ، فهذا لا شأن لنا به، ليكن ما يكون من حيث كينونته وتحيزاته، ولكن كيف يقرأ؟ أي إلى أي مدى يمارس عمله باحترام لنفسه وللنصوص.

4- يرتكز فكر  الإمام  ياسين على الخطّين الفردي والجماعي كما عبرت عنه: «يخبرنا  الإمام  ياسين مؤكدا على أن الفردي لا ينفصل عن الجماعي في سياق التحرر المطلوب وجوديا» (ص 49). وفي مكان آخر من الكتاب «مبدئيا لا ينفصل الدين عن السياسة ولا السياسة عن الدين في الفكر السياسي للإمام ياسين» (ص 83). في المقابل يعبر  الإمام  في كتابه «الإسلام والقومية العلمانية» (ص 50) عن «الوصال الأنكد» بقوله: «كان الوصال بين كهنة الدين وطواغيت القيصرية المستبدين أصل البلاء. تزوج فسق الفاسقين بطغيان المستكبرين فولدا النبتة العسرة الملعونة. وحيثما تم هذا الزواج الغاشم اشتغل الدين وحرف الكلم عن مواضعه، واشترى بآيات الله الثمن القليل».. ألا يتناقض الطرحان في رأيك؟ نرجو التوضيح.

– ليس هناك تناقض، غاية ما هنالك أن لقاء الأخيار الفضلاء  في السياسة والدين لا ينتج عنهما إلا مصلحة الإنسان، ولقاء الأشرار الزُّنَماء في الدين والسياسة لا ينتج عنهما إلا الفساد، فالذي حذّر منه المنهاج هو لقاء الكهان علماء الزُّور باللصوص اللؤماء حكام الزُّور… كلتا السلطتين، سدنة المعبد والمافيا السياسية، تفتقر إلى الشرعية.

5- الرسالة المنهاجية، حسب ما جاء في كتابكم ترفض «السقوط في اختزالية المشروع المنهاجي في إقامة دولة وهياكل دولة إسلامية»، بل يتجاوز هذا الوعي «حدود الدولة إلى معانقة هموم الإنسان في كل مكان وتعريفه بأصله ومآله». كيف؛ خصوصا أن نحن استحضرنا دولا نعتبرها متقدمة استطاعت أن تصل إلى ريادة العالم بفعل انضباطها لهذه الهياكل، وما ترتبط به من مفاهيم من قبيل الديمقراطية وغيرها؟

– الدعوة بمعناها القرآني أكبر من مفهوم الدولة، ولكثرة الحديث عن المشروع الإسلامي بات يتصور كثيرون من أبناء الصحوة وخصومهم أن الأهمية للدولة، وهذا قلب للحقائق، الدعوة التي تستهدف مخاطبة الإنسان عن المصير والغاية والمعنى من وجوده لا تسقط حتى وإن لم تنجح تجربة الدولة. غاية الدولة هو توفير المناخ الحر للدعوة بعد أن كانت محاصرة، غايتها هو توفير الكرامة للإنسان والعدالة بين بني البشر. إذا أخفق الإسلاميون في تأسيس نموذج دولة، لأي سبب كان، تضمن إنسانية الإنسان، فذلك لا يصل إلى نهاية العالم. فخطاب السماء “ادع إلى سبيل ربك” خطاب للإنسان خارج إطار الزمان والمكان وإن كان لا يتحقق إلا داخلهما. الدعوة باقية بعد الدولة وهي فوق الدولة في غاياتها ومقاصدها.

6- تطرقتم في الفصل الثالث إلى نقد  الإمام  للفلسفات السياسية الإسلامية والغربية. هل هذا يعني أن  الإمام  لم يرتكز على هذه الاجتهادات في صياغة فكره السياسي؟

– النقد لا يعني الهدم، فهو في جوهره إعادة بناء للمفاهيم وإعادة تعريف لها بعد تفكيكها، وهناك بعد استدماجي يمكن ملاحظته في نمو الأفكار في التاريخ، إذ تأخذ كل فكرة لاحقة من سمات سابقتها بعض العناصر كي تتطور حتى وإن جاءت نقيضا لها، تاريخ الأفكار هو تاريخ تطور وليس تطور إلغاء أو محو، والإسلام جاء ليتمم ما كان إيجابيا في الجاهلية، هناك إذن ايجابيات لدى الآخرين المختلفين والمخالفين، فليست هناك حاجة لنبدأ كل شيء من الصفر، إنها واحدة من فوائد قراءة التاريخ.

7- تناولتم في الفصل الرابع مركزية بعض المفاهيم التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم في فكر  الإمام  السياسي، من قبيل الشورى والمناصحة والحرية والمساواة والكرامة… هل هذه قيم مطلقة، أم أنه يمكن مراجعتها والتخلي عن بعضها مراعاة لخصوصية بلد ما؟ بتعبير آخر: أليس من شأن هذه المفاهيم خلق جو من «البلبلة» و«العصيان المدني» الذي قد يعيق حركة الحاكم أن فتح الباب لذلك في بعض الدول؟

– صحيح أنها قيم، وهي قيم بانية ومسدِّدة للفعل والتفاعل السياسي، وهذه القيم وغيرها هي مجال اجتهاد واتفاق، وأتصور أن الحاكم الفاسد لا يزعجه شيء أكثر من “الحرية”، لأن مجتمعا ينعم فيه الناس بحريتهم دون أن نسقط مفهوم المسؤولية في فهمنا للحرية هو مجتمع إنساني بامتياز، أما المجتمعات التي تفتقر إلى الحرية فهي أقرب إلى زنازين حتى وإن توفر فيها الطعام والشراب. وإن كان لا يجب وضع تعارض بين حق الناس في الحرية وحقهم في الثروة، فهما متكاملان وليسا متعارضين، وأسلوب الابتزاز والتخيير الذي تمارسه أنظمة التحكم بين القيم سخيف للغاية، فللإنسان الحق في الحرية والأمن والعدالة وفي ذات الوقت نصيبه من الثروات.

8- تحدث الفصل الخامس من كتابك عن بعض أسس التغيير المنهاجي لدى  الإمام  رحمه الله ومنها الأساس التوحيدي في مركزية الأمة. ألا يبدو هذا الأساس بعيد المنال في ظل تشرذم الأمة الإسلامية والتكالب الداخلي والخارجي عليها؟

– الوحدة غاية وليس معطى جاهزا، وفي التاريخ على قدر ما تقدم لنا الخبرة الإنسانية إمكانات اللقاء والاقتراب ومساحات للتوحيد والاندماج، هناك رغبات الانفصال والاستقلال يصنعها التفاوت الطبقي وتذكيها الطائفيات والمذهبيات. الوحدة ليست قرارا مزاجيا وحماسيا يولد من رحم السياسة ليس من ورائه اسناداته الاقتصادية والاجتماعية، وأعتقد أن للتربية والثقافة دورا كبيرا في التقريب والتسجيم. اليوم تتوحد الشعوب والدول من طريق استفتاءات مفتوحة، والرهان يجب أن يكون على إقناع الناس بالجدوى والفاعلية وبمزايا الوحدة في ظل تقاسم للتكاليف والأرباح.

الشعارات القومية والدينية باتت ضعيفة أمام تحديات العطالة ومحدودية الموارد وتفاوت التوزيع في مصادر الطاقة والثروة، هناك خيط مفقود في الخطاب يجب البحث عنه، يجب أن يكون الجواب عن صميم السؤال الحارق..ماذا يحتاج الناس؟ وما الذي يجمعهم؟

9- في الفصل السادس حديث عن دولة القرآن المنشودة، وتحفظ  الإمام  على الأنظمة الملكية وارتباط إدارة السياسة العامة بإدارة المال وما يدور في فلكهما من قضاء وغيره. هل يمكن إطلاع القارئ على نظرته رحمه الله في الموضوع ولو باقتضاب؟

– يتحفظ الإمام ياسين على الأنظمة الملكية، بل وينتقدها، لأنها تلغي إرادة الجمهور وتحوله من موقع الفاعلية إلى موقع التابعية، الملكيات هي نموذج للأنانية والاستئثار بكافة الخيرات المادية والرمزية من غير محاسبة ولا رقيب. العقل السياسي الغربي استطاع تجاوز ثقلها نسبيا بأن عطل فعلها ومنحه للمؤسسات المنتخبة والمراقبة وفي ذات الوقت حافظ لها على طابع رمزي تاريخي . الإمام ياسين رفضها في خضم بحثه عن جذورها التاريخية في التاريخ العالمي والتاريخ الإسلامي؛ فقد ارتبطت على الأقل في تاريخنا الإسلامي باختطاف كلمة الشعب في غفلة منه بتأسيس بدعة ولاية العهد منذ عصر معاوية واليزيد. الملكيات “مترفة” و”متألهة”، الإمام ياسين – في تقديري – يمثل في هذا الرأي امتدادا لسابقين، امتدادا لرأي الكواكبي على سبيل المثال في نقده لنمط الحكم الفردي الذي يعتبر أشد مراتب الاستبداد.

10- هل لمستم من خلال اطلاعكم على كتب  الإمام  ياسين رحمه الله تطورا في الفكر السياسي لديه بين كتاباته الأولى (الإسلام بين الدعوة والدولة – نموذجا) وكتاباته الأخيرة (العدل – نموذجا )؟

– هناك مسألتان بخصوص قضية التجديد ومفهوم الجديد، من خلال علاقتي الخاصة بفكر الإمام ياسين رحمه الله، أجدني في كل مرة أقرأه وأراجع نصوصه في حالة اكتشاف مستمر ودائم للجديد الذي لا تتيحه القراءة الأولى. فالرجل كان يفتش عن الحق ويدافع عنه، ولم يكن يفتش عن المكسب ولا يستهويه منطق الغنيمة، ولهذا، إذا جاز أن نتحدث عن تطور في فكره، وهو تطور يمكن أن يلمسه القارئ المنصف على امتداد كافة الأفكار التي تناولها بالبحث، فهو تطور كان يمليه تحري الصدق وطلب الحق، وليس التغيير الذي يجسد ضعف الذات وانهزامها أمام ضغوطات الواقع أو بريق الإغراءات. التطور شمل كافة مناحي تفكير الرجل، تربية وتنظيما وزحفا، وهو لا يكرر ذاته في كتبه حتى وإن بدت الموضوعات هي نفسَها. لا شك أن إدمانه على القراءة والانفتاح على كثير من الكتابات من شتى الاتجاهات كان له تأثيره على هذا التطور، كما أن علاقته التي لا تنقطع بالقرآن والسنة جعلت فكره ينمو على مساحات من الاجتهاد غير مسبوقة. المشكلة أن من يقرأه من الخصوم يتوقف عند نصوصه الأولى (عند مذهبه الأول كما يقال في الفقه) ولا يكلف نفسه مشقة التفتيش عن نقطة الوصول(أو مذهبه الأخير)، يحاكمه بأول كلمة قالها مع أن الكلام بآخره كما يقال.

 تصور الإمام ياسين لقضية الدولة والتعددية والديمقراطية والتناوب والوحدة والتربية والتنظيم والانتخابات وغيرها كثير عرف طفرات نوعية، هي في الواقع تحتاج من يميط عنها اللثام ويكشفها بطريقة هادئة بعيدا عن التشنجات ومنطق المجادلات الفارغة الخالية من النفس العلمي والروح الأكاديمية. الرجل لم يكن يراهن فيما يكتبه على نصر انتخابي موقوت وينتهي كل شيء، مشروعه يتوجه إلى الإنسان، كل إنسان بالدرجة الأولى، أن لا يخرج من هذه الحياة وقد خسر الرهان. مشروعه إذن هو على نحو ما  تدشين لفلسفة القلب بالمعنى الذي يلتقي فيه مع بول ريكور في كتابه “فلسفة الإرادة: الإنسان الخَطَّاء”، ولكنه يتجاوزه حين يفتح آفاقا لهذه الفلسفة على “منطق القلب الجماعي” المتجاوز للقلب بمعناه الفردي من خلال مفهوم “الصحبة والجماعة”، هذا المفهوم الذي يؤسس لإعادة تربية الإنسان وإدماجه وتعليمه ليصلح أن يكون إنسانا مفيدا لنفسه وللحياة، مخاطَبا برسالة السماء التي أرادته حرا ومسؤولا ومُبدعا لكينونة ترفض الظلم والاستبداد كما ترفض الغفلة عن المصير.