في تراثنا العربي الإسلامي العديد من العناوين والرموز التي تحمل الكثير من الإشارات والمعاني والدلالات المعبرة في أوانها، وفيما تلا ذلك من الأزمنة والعصور. ومن هذه العناوين ثنائية “العواصم والقواصم” التي جعلها بعض علماء وأدباء الزمن الجميل من ماضينا عنوانا لمؤلفاتهم. من بينهم القاضي أبو بكر بن العربي المتوفى عام 543 ه، ومصنفه “العواصم والقواصم” في تحقيق مواقف الصحابة. ومحمد بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة 840 ه، صاحب “العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم”.

العاصمة من عصم يعصم أي منع وحفظ 1 بمعنى المانعة والحافظة من المصائب والنوائب. أما القاصمة فمن قصم يقصم الشيء أي كسره حتى يبين  2.

مناسبة هذا الكلام هو إعلان الرئيس الأمريكي المتعجرف دونالد ترامب عن نقل السفارة الأمريكية من عاصمة الكيان الصهيوني تل ابيب (تل الربيع) إلى المدينة المقدسة القدس. وهو مشروع أمريكي قديم جديد، يعود إلى نونبر 1995م، حيث أصدر الكونغرس الأمريكي قرارا يقضي باعتبار القدس عاصمة لـ “إسرائيل”، وهو قرار يدعم ما أصدره الكنيست الصهيوني في 30 يوليوز 1980  وسمي حينها بقانون القدس، وينص على تحويل  مقار الأجهزة الحكومية والتشريعية الصهيونية إلى المدينة المقدسة باعتبارها عاصمة للكيان الغاصب.

لن ندخل في خلفيات ودوافع القرار الأمريكي والاعتبارات التي حكمته ولا الأهداف والمصالح المتوخاة تحقيقها منه، وإن كان كل ذلك أو على الأصح معظمه باديا للعيان، وسهل إدراكه لكل إنسان، ويتلخص في كلمة واحدة: الدعم والحماية المباشرين اللذين توليهما الإدارة الأمريكية لولايتها الواحدة والخمسين، ألا وهي الكيان الصهيوني. خاصة في ظل تولي الجمهوريين، ذوي التوجهات اليمينية المتطرفة، الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن يهمنا بالمقابل أن نشير إلى الظرف الذي يصدر فيه القرار، خاصة فيما يتعلق ببلادنا العربية والإسلامية، والمتميز بالثورة المضادة ضد ثورات الربيع العربي، والتنازع الواضح والمكشوف للحكام العرب فيما بينهم، وتلويح بعضهم بصفقة القرن التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية وتمكين الصهاينة من أراضي ومقدسات المسلمين. وقد انبرى بعضهم -أي حكام العرب- إلى إرسال تهديداتهم المعهودة المشهودة، والتي قال فيها الشاعر أحمد مطر قصيدته التاريخية المشهورة: “لمن نشكو مآسينا”،  والتي كتبها في بداية ثمانينات القرن الماضي:

ولاةَ الأمر .. ما خنتم .. ولا هنْتمْ

ولا أبديتم اللينا

جزاكم ربنا خيرًا

كفيتم أرضنا بلوى أعادينا

وحققتم أمانينا

وهذي القدس تشكركم

ففي تنديدكم حينا

وفي تهديدكم حينا

سحقتم أنف أمريكا

فلم تنقل سفارتها

ولو نُقِلَت – معاذ الله – لو نُقِلَت

لَضَيَّعنا فلسطينا !!

ولاة الأمر

هذا النصر يكفيكم ويكفينا

… تهانينا 3

– القدس بين بريطانيا والأمريكان:

صدر إذا قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني  في 6 دجنبر 2017، أي بعد مائة سنة بالضبط من الوعد المشؤوم لوزير خارجية بريطانيا آرتر بلفور الذي أصدرته بريطانيا وترى فيه “بعين العطف والرضا لإنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين”. وكانت بريطانيا يومها غارقة في أتون الحرب العالمية الأولى، كما أنها سبق أن اتفقت مع الفرنسيين والروس على اتفاقية سايكس بيكو التي تقسم المنطقة العربية بين القوى الإمبريالية وتجعل فلسطين تحت وصاية وسلطة بريطانيا، فلم تستطع أن تنجز وعدها للصهاينة إلا بعد مرور عشرين سنة، وبدعم وتحالف قوى الشر الكبرى في العالم آنذاك وتحت مظلة الأمم المتحدة.

 واليوم يصدر الأمريكيون قرارهم وهم يعانون من مشاكل اقتصادية ومالية واجتماعية جمة. كان من أبرز تجلياتها تراجع الاقتصاد الأمريكي أمام القوى الاقتصادية الصاعدة، إضافة إلى حوادث القتل الجماعي التي بات يعرفها المجتمع الأمريكي بشكل متكرر في السنوات الأخيرة.

أراد الأمريكيون من خلال قرارهم (المغامرة) هذا أن يعلنوا في العالم أن القدس عاصمة “إسرائيل”، لكن الوقائع والمؤشرات تدل وتؤكد أن القدس ستكون قاصمة لإسرائيل وبداية لتفكك الدولة الوهمية للصهاينة وتشتت شملهم.

ذاك وعد غير مكذوب، صدقنا به، ويزيدنا إيمانا به ثقتنا في أبطال الشعب الفلسطيني الذين هزموا الصهاينة الغاصبين قبل شهرين في معركة بوابات الأقصى، وسيسقطون القرار الأمريكي بحول الله وقوته.


[1] مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر بن عبد  القادر الرازي، دار القلم، بيروت لبنان صفحة 437
[2] نفس المرجع، صفحة 539.
[3] ديوان لافتات الشاعر أحمد مطر، لافتة: “لمن نشكو مآسينا”.