توطئة:

الصهاينة شرذمة قليلون، جعلوا من بلادهم لأبنائهم مسرحا لديمقراطية لا تخُصّ بالكرامة والحرية، والعدل السياسي والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص إلاّ مَن رُسِمت على جَبينِهم نجمة سداسية، أمّا مَن زَيّن ناصيتهم أثر السجود فلهم في الأرض المحتلة حدود وقيود، ولهم إن انتفضوا ضدّ الأقسى الذي يريد تهويد الأقصى ما يمحو الوجود. نِحْلَة الغالب ينتحلها المغلوب الذي ليس له إلاّ أطفال حجارة يدافعون عن حقّه، ويذوذون عن رزقه، ورجال صَوافِن يقتحمون العقبات، ويواجهون التحدّيات، ونساء رواحل يحْمِلن هَمّ قضيّته ويُرضِعنها بعد وضعها في كنف رعاية الله وحمايته دموع أعينهنّ، وعرق جبينهنّ.

وأمام صَمْت الجامعة العربية إلاّ مِن تنديد شديد اللّهجة هذه المرّة، وحَسْرة حرّى تنِدّ عن شعوبهم الأَمَة الحُرّة لا يملك راعي الرُّعاة الرّاعين للرّعايا الذين لا تُراعى لهم ذِمّة إلاّ أن يُصدِر قراره المنكَر بتهويد القدس الشريفة، وتحويل سِفارته إليها، وتحويل فوهة صفّارته المُدوّية إلى فِناء المسجد الأقصى المبارك مُعلنا عن انتفاضة جديدة ردّاً على القرار المشبوه مِن وَهْم مَعتوه، وصَدّاً لعدوان الصهاينة على رحابِه الطاهرة، وتنديدا بمؤامرة الصّمت، والشيطنة الخرساء المتواطئة مع هذا الحُطمة الرّعناء حِرصاً على مصالح الكِبار، وحُطام دُنيا الصِّغار.

وإلى حين يلتحق بركب المُنتفضين مَن لا يزال ينبض في قلبه نبض مِن الإيمان بيوم الدّين، ويَنْزِف مِن جَبينِه عَرق غيرة على مقدّسات وحُرَم المسلمين لا يملك جُهد مِن مُقِلّ مُخِلّ إلاّ أن يُعبّر بشِعْر خجول عن شعور مسؤول عمّا سيؤول إليه أمر هذا القرار المخبول، رافِعاً هذا الشِّعار الأصيل النّبيل الذي ليس لهم إلى تكميم فاه وكِتمان صوته من سبيل:

لَكِ الرّحمان يا قدس.. لكَ الديّان يا أقصى

القُدْس تَبْكي دَمْعُها صَكُّ اتِّهام ** للمُنتدى العَربيّ مَن شَجَب الظَّلام

تحْت القِباب وتحْت سقفٍ مِن هَوان ** ما بين حيطانٍ تَداعَت بالخِصام

بين الخَليجِيّين مَن شُغِلوا بِدان ** عن مسجد أقْصَوه مِن أدْنى اهتمام

بين الشعوب وبين حُكّام السِّنان ** فوضى نِظامٍ يَدّعي حِفْظ النِّظام

بين القلوب وبين هامانٍ أعان ** فرعون أمريكا على وءد السّلام

بين العقول وبين مَعْتوه جَبان ** ألغى القوانين التي ترعى الذِّمام

بين اتّحادات تُندّد بالبيان ** وتَشاور وتَظاهُر قبل اعتِصام

وجُنود إبليس التي خَلْف الكِيان ** بتآمُرٍ وتواطُئ قبل اقتِحام

بيني وبينك حين أرْخَيْنا العنان ** لتَنازُع وتهارُج قبل انقِسام

القدس تحكي قِصّة الأقصى المـُدان ** لحَماسِه لَمّا ابتغى الأُخرى وقام

ضِدّاً على دُنيا الخِيانة ما استكان ** لقيام دولة غاصب فوق المقام

رَدّا على مَن فاوضوا بئس الرّهان ** ليكون مَسْرى المصطفى نَهْب اللِّئام

ومَنارَةُ الأقصى لدعوتهم أَذان ** وبُراقُنا مَبكى لهم بئس المَرام

باب المغاربة الأُسى عَقْدُ القِران ** ما بين دولتهم وهيئة كُلّ طام

شَجْبا لمن سَكتت أو انتفضت سِيان ** ما دام موقفها كلام في كلام

غضبا على نُخَب لها سِحْر البيان ** ولدى الشدائد رأيها رأيُ الطَّغام

عُتْباً على من باع للأخزى وخان ** قُدسا وأقصى لا يُباع ولا يُسام

عَجَبا لِمَن هو في المجالس صولجان ** فإذا دعا داعي الفِدا أرخى الزِّمام

رَغَباً وهل رَغَبٌ سوى لِمَن استعان ** بالله فالمولى له عَوْن وحام

رَهَباً مِنَ النّيران مِن خزي وران ** ولَنارُ تلك الدار أدهى مِن ضِرام

طَلَباً لِما يُرجى ولم يُرَ بالعيان ** حُسنى، ومَن رام المزيد له سَنام

مِن ربّه نِعَم وآلاء حِسان ** حور وأنهار وجيران كِرام

والقُرْب مِن طه جَزاء وامتنان ** مع رؤية الديّان كالبدر التمام

صلوا على هادي الورى في كل آن ** ما حنّ مُشتاق لكعبة والمقام

صلوا على كنز الثرى طِبِّ الجَنان ** ما زار طيبة عاشق بالخضراء هام

مُستغفِرا مُستهدِيا رَطْب الجَنان ** مُستنصِراً للقدس بالدُّرَر السِّجام

لا ريبة في أنّ وَعْد الحقّ حان ** لكنّ خيْر البِرّ عاجِله يُرام

فمتى الخَلاصُ سُؤال شوق لا افتِتان ** مِنّا الرِّضاءُ بما قضى ربّ الأنام

لَنْ نَستكين ولن نَهون ولن نُهان ** فالقدس والأقصى عليهم حَرام

لا لن يكون لِغاصِب الأقصى كِيان ** وبه خَتَمتُ القَول فَصْلاً والسّلام

ثُمّ الصّلاة على النبيّ لنا ضَمان ** أن يستجيب دُعاءنا مِسك الخِتام

ذ.منير رگراگي

فاس الجمعة 19 ربيع النبوي 1439هـ / الموافق لــ 8 دجنبر 2017م.