إن رغبة الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب في تنفيذ الإجراء المؤجل منذ سنوات والمتمثل في نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، اعتبره مجموعة من المراقبين والفاعلين الدوليين خطوة خطيرة وقرارا باطلا و غير صائب، يصاحبه تخاذل مزمن من طرف الأنظمة العربية الرسمية التي لم تتخذ إلى حدود الساعة قراراً سياسياً عملياً يرد على إجراءات الولايات المتحدة بكل حزم، وهذا بفعل تواطئها التطبيعي الذي أصبح يُمارَسُ علناً، مع تعزيز خيار السلام مع كيان لطالما شرد أصحاب الأرض وأعدم الأطفال والنساء والشيوخ وأهان أسرى الكرامة.

إن تجرؤ الولايات المتحدة الأمريكية على هاته الخطوة الظالمة والغاشمة والمنحازة مردها حالة الضعف والشتات الذي تعيشه الأمة بسبب انشغال حكامها بالعمل فقط على ضمان استمرار تسلطهم على شعوبهم وامتصاص دمائهم وابتلاع أقواتهم وتكديس ثرواتهم.

لقد أخطأت الأمة بوصلتها وعدوها الحقيقي، مما جعل باقي الأمم تتداعى إلى قصعتها، وتنهش لحمها وتعربد بمقدساتها.

عدونا الحقيقي يا سادة هو الغطرسة الأمريكية، والإرهاب الصهيوني الغاصب لمقدسات أمتنا. ومطلبنا هو أن تتحد جهود الأمة في مواجهة عدوها الحقيقي، أن تتجه إلى من حاصر إخواننا في غزة العزة وسفك دماءهم وذبح أطفالهم، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا طعام ولا حليب، بل إنهم ما زالوا يعيشون في العراء جراء تدمير بيوتهم على رؤوسهم، ناهيك عن فقدانهم مواد البناء والإعمار بسبب الحصار الظالم المفروض عليهم.

كيف تطبعون رسميا، أيها الحكام، مع كيان لا يحترم المواثيق والعهود الدولية التي تجرم ارتكاب أفعال ضد الإنسانية والبيئة، حيث سمم الماء والهواء والتربة ونقل أمراض الكوليرا والسيدا وغيرها من الأوبئة الفتاكة إلى الوطن العربي.

يا عقلاء هل نسيتم مجزرة خان يونس، ومذبحة الحرم الإبراهيمي، ومجازر جنين والشجاعية وصبرا وشاتيلا؟

هل غاب عن أذهانكم مشهد مقتل الطفل محمد الذرة والطفلة إيمان حجو ابنة الأربعة أشهر حين اخترقت جسديهما رصاصات غادرة أسقطتهما شهيدان؟! ومشهد تصفية المجاهد الشيخ المقعد أحمد ياسين وهو عائد من المسجد بعد صلاة الفجر، وتسميم عرفات وتفجير بطل المقاومة البعجري والقسام؟

جهودنا وقوتنا يجب أن تتجه وتنصب على من دمر اليمن والعراق ونهب خيراتهما ومزق وحدتهما وقتل علماءهما وشبابهما ورمل نساءهما وجعلهما مرتعا لحرب طائفية، وأن تتجه إلى من خطف الثورة من الشعب المصري وزج بأحرارها في السجون وحرق ثوارها أحياء برابعة الصامدة واعترف بسلطة الانقلاب التي جاءت على ظهر دبابة.

عزمنا وحزمنا يجب أن يصوب حيال من يحمي ويزكي جرائم بشار الجزار ونظامه الظالم بأرض الشام أرض العزة والشموخ، وإلى من أسال دماء زكية بالأراضي الليبية طمعا في خيرات هاته الأوطان وفرملتها عن كل تنمية أو ديمقراطية تقودها نحو التحرر من وباء الفساد والاستبداد وويلات الاستعباد، فتمتلك قرارها السياسي وتحقق نماءها الاقتصادي وتنتج قوت شعوبها فتحيى في سلام وأمن واستقرار واستقلال.

إن الأمة الإسلامية تجتاز اليوم كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “مرحلة عصيبة ومحنة حقيقية، فأرضها مستباحة، وخيراتها منهوبة، وكرامتها مدوسة، وقرارها بيد غيرها لا بيدها، تكاثرت عليها الأرزاء، وتزاحمت عليها سهام الأعداء، وأنهكتها الأزمات”.

وإذا أردنا أن تعود لنا إمامة الأمة ويعود مجدها وعزتها وقوتها وهيبتها، وجب علينا أن نقفز على جراح الخلافات العقيمة مصداقا لقول الحق سبحانه ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، إذ المنازعة طريق سالكة للفشل والضعف، والوحدة والاتحاد والتعاضد والعمل الصالح طريق سالكة للنجاح والقوة والفلاح في الدنيا والآخرة، مصداقا لقوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا.