سؤال قد يبدو غريبا غرابة من يتساءل هل أنا مسلم وقد رأى النور في بيت مسلم، وفتح عينيه على من يضع السجادة ويستقبل القبلة ليصلي، وعلى مظاهر العبادات الرمضانية، وعلى أفراح تقام لمن زار البيت العتيق حاجا أو معتمرا.. والجواب هنا: أكيد أنا مسلم، ولكن عن أي إسلام نتحدث؟ إسلام المظاهر الروتينية المحافظة على الظاهر الجوفاء الفارغة من الداخل، إسلام من يؤدي الفرائض من باب الواجب ليس إلا، هذا إن أدّاها، إسلام الانعزال والانطواء، إسلام الابتداء ولا خبر، إسلام الفوز بالجنة والبعد عن النار وكفى، ولا خبر عن درجات الجنة وعن دركات النار، عن المحبة وعن الشوق لرب الأكوان، رب الجنة والنار، وعن معاني الإحسان، وعن الاهتبال بمحبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن محبة المؤمنين والصالحين، أخوة تطيب بها الحياة، وتنعم بها الروح ذكرا وتذكيرا، نصحا ودعاء، عونا واستئناسا في وحشة الدنيا.

لا خبر عن كل معاني الرفعة والسمو ببني الإنسان لدرجات الكمال الإنساني، لا خبر عن حياة تغشاها الطمأنينة والسكينة، عن حياة تغمرها المحبة في تجانس تام مع كل المخلوقات والأكوان، لا خبر عن قلب تعلق برب الأكوان لا بالأكوان، وعن عقل وعى العاجل والآجل فعلم أن الآجل خير وأبقى، إنها الحقائق التي تستلزم نورا في البصيرة، ومحبة صادقة في القلب، ولسانا لاهجا بذكر الله، وأنى لنا بهذا إن لم يكن قدوتنا سيد الخلائق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قدوة للاتباع، فهو صلى الله عليه وسلم من تجلت فيه كل صور الكمال البشري، أنى لنا بهذا إن لم تكن محبته متأصلة متجذرة في القلوب، محبة تُلزمنا بهذا الاتباع وتُشعل جذوتها في قلوبنا كثرة الصلاة عليه، فحاجتنا لمحبة سيدنا رسول الله معلومة من الدين بالضرورة، ليست ترفا ولا ادعاء، ولا زيادة في الدين لمن اجتهد وجد، ليس كل ذلك أيها الأحباب، ولكنها حاجة ماسّة ضروريّة ضرورة الهواء الذي نتنفسه، ضرورة الأكل الذي نقيم به صلبنا، بل وأعظم من ذلك بكثير، فإذا كان الهواء والأكل يقيم مادية جسمك فإن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقيم روحانيته، ولا مجال للمقارنة بين الاثنين.

من هنا نعلم حاجتنا لمحبة رسول الله فهو الطريق الموصلة إلى الله، فوالله لو سلكنا كل طريق وطرقنا كل باب ما كان لنا قبول ولا فُتح لنا باب إلا خلف راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم قل أطيعوا الله و الرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين 1، فجعل سبحانه محبتَه من محبتِه وطاعتَه من طاعتِه ومعصيته والتولي عنه كفرا يأثم عليه.

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين: “ملَك والله ناصية التوفيق من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وذاق حلاوة الإيمان، وأشرف على مشارف الإحسان، ودحض مزاعم الشيطان الذي يزعم أن التفاني في حب الذات المحمدية غلو…” 2، ويقول: “وأعظم الرزق بعد حب الله حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. حبه الشريف مقام يرفع الله إليه العبد المختار” 3.

حاجتنا لمحبتك لأنك حبيب الله.

حاجتنا لمحبتك لأنك باب الله.

حاجتنا لمحبتك لأن حبك يقربنا من الله.

حاجتنا لمحبتك لأنك شفيعنا ومشفّع فينا.

حاجتنا لمحبتك لأن حبك شعبة من شعب الإيمان.

حاجتنا لمحبتك لأن طاعتك من طاعة الله.

حاجتنا لمحبتك لأن الصلاة عليك تفرج همومنا وتشرح صدورنا.

حاجتنا لمحبتك لأن ربنا يصلي علينا بالصلاة عليك.

حاجتنا لمحبتك لأنك أعظم منة في هذا الكون.

كثيرة هي دواعي حاجتنا لمحبتك يا حبيبي يا رسول الله، أعظمها وأجلها أنك الباب الموصول بالله تعالى، ولا وفادة عليه إلا من بابك، فلا حرمنا الله من محبتك، ووهبنا الله إياها فضلا منه وتكرما، ورفعنا بها مقاما عليا، وجعل لنا بها نورا نمشي به في الناس، وجمع لنا بها خيري الدنيا والآخرة.

اللهم صل على سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا وطبيب نفوسنا سيدنا وسيد الخلق أجمعين.


[1] سورة آل عمران، الآية: 31 – 32.
[2] عبد السلام ياسين، الإحسان ج 1، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط 1، 1998م،  ص 178.
[3] نفس المصدر، ص 187.