مقدمة

يعتبر إعلان ترامب عن اعتزامه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واحدة من حماقات الإدارة الأمريكية الحالية، التي يبدو إما أنها غير ملمة بأبعاد القضية الفلسطينية تاريخيا وسياسيا ودينيا، أو أنها تتعمد الإقدام على هذه الخطوة في هذا التوقيت للتغطية على أزماتها الداخلية في ظل الفضائح المتوالية عن اختراق روسي محتمل للبيت الأبيض، وأيضا في ظل إخفاق أمريكي رهيب في إدارة الملفات في الشرق الأوسط وشبه قارة كوريا، وأيا كانت الأسباب والدواعي فمن المؤكد أن “صفقة القرن” التي تم الكشف عن بعض تفاصيلها بدأت تتبدى ملامحها السياسية والدبلوماسية. ولعل أولها تصفية وضعية القدس التي شكلت لسنوات عقبة نفسية وسياسية وقانونية للكيان الصهيوني الباحث عن اعتراف دولي يلغي قرارات التقسيم 181 و242 الأممية.

وسنحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على مكانة القدس في الوجدان العربي والإسلامي، وأهميتها التاريخية والاستراتيجية في الصراع العربي الصهيوني، ومحاولات الصهاينة النيل منها وتغيير المعطيات الديمغرافية والتاريخية على الأرض وطمس هويتها الحضارية ووضعها السياسي.

القدس أية مكانة؟

تعتبر مدينة القدس من أقدم المدن التاريخية في العالم، وهي مهد الديانات الثلاثة، تعاقبت على حكمها العديد من الدول والامبراطوريات حتى الفتح الإسلامي بقيادة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أعطى لأهلها الأمان من خلال الوثيقة الشهيرة التي عرفت باسم “العهدة العمرية ».

ظلت القدس أو إيلياء بيد المسلمين حتى الاحتلال الصليبي الذي أفسد وخرب وتجبر دون اعتبار لمكانة المدينة وقدسيتها على نقيض ما قام به المسلمون عند فتحهم لها، حتى جاء السلطان صلاح الدين الأيوبي وخلصها من يد الصليبيين وأرجعها إلى المسلمين، فتناوبت سلالات على حكمها بعد الأيوبيين من مماليك وعثمانيين حتى سقطت في يد البريطانيين عام 1917م.

سياسة “إسرائيل” في القدس

سعى الكيان الصهيوني منذ بداية الاحتلال إلى تحويل مدينة القدس من مدينة متعددة الأديان والثقافات إلى مدينة يهودية تحت السيطرة اليهودية والسيادة الصهيونية، حيث قامت بتسريع وتيرة تهويد المدينة من خلال سياسات تستهدف الفضاء الجغرافي والنمو الديمغرافي للفلسطينيين، وقد استطاع الكيان الصهيوني حمل آلاف المقدسيين على الهجرة خارج القدس من خلال سياسات متعددة.

فمنذ عام 1967م ضم الكيان المحتل 70 كلم مربع من الضفة الغربية ضمنها 6,5 كم من القدس الشرقية. حيث صادر أكبر مساحات من الأراضي وقلل نسبة الفلسطينيين، كما أزال حي المغاربة وحارة الشرف العربيتان من أجل إقامة حي يهودي، وساحة حائط البراق، ومنازل المستوطنين وكنس يهودية وغيّر تضاريس القدس.

واستمروا في تجزئة المدينة جغرافيا وسياسيا مع بناء جدار الفصل العنصري عام 2002م الذي صمم ليشق المدينة ويقصي مناطق للفلسطينيين ضمانا للأغلبية اليهودية.

ديموغرافيا

حتى تحد من التهديد الديمغرافي الذي يشكله الفلسطينيون اعتبر الكيان الصهيوني كل فلسطيني مقدسي مقيم في القدس “مقيم دائم” وهي صفة تعطى للأجانب ضمانا لحق الإقامة، وعلى هذا الأساس تلغى بطاقات الهوية للمقيمين في حالات كثيرة، وبموجب قانون المواطنة المعدل عام 2005م لا يتسنى لفلسطينيي الضفة الغربية المتزوجين من سكان القدس الحصول على الإقامة، وإنما على تصاريح مؤقتة في ظروف تعتبر استثنائية، أما اليهود المهاجرون للقدس فيحصلون على الجنسية مباشرة، ما يعكس طبيعة الميز العنصري للكيان “الإسرائيلي”.

عمرانيا

سعى الكيان الصهيوني إلى تعزيز الوجود اليهودي في القدس من خلال سياسات حضرية تنسجم مع السياسة العامة للتطهير العرقي، فصنفت ما يزيد على ثلث الأراضي في الأحياء الفلسطينية تحت اسم “مساحات طبيعية مفتوحة” ممنوع فيها البناء، وحصرت حركة البناء الفلسطينية في نسبة 14 كلم مربع فقط من أراضي القدس الشرقية ما سبب أزمة سكن كبيرة. ومنذ عام 1967م هدم الكيان الصهيوني الآلاف من الوحدات السكنية، محاولا الوصول إلى أغلبية يهودية تصل إلى 70 كلم مربع داخل حدود بلدية القدس. وتتجلى سياسة المحتل التمييزية في مستوى الخدمات المقدمة للأحياء الفلسطينية مقارنة مع اليهودية، رغم دفعهم لنفس قيمة الضرائب.

تهويد المدينة

يحاول المحتل القيام بعملية اجتثاث للفلسطينيين من أجل القضاء على الهوية الفلسطينية في بيت المقدس، فقد غيرت السلطات اسم شارع السلطان سليمان القانوني إلى الملك سليمان، واسم حي وادي حلوة إلى “مدينة داوود”، إضافة إلى تسمية بعض الشوارع في المناطق الفلسطينية بأسماء عربية خالية من دلالات سياسية ووطنية. ويستغل المحتل أيضا علم الآثار والحفريات في خلق تاريخ يهودي وهمي للمدينة. يمتد ذلك أيضا إلى التحكم بالنظام التعليمي، حيث تسعى لإجبار المدارس الفلسطينية على تدريس الكتب المدرسية التي تضعها إدارة التعليم بالقدس بما يتناسب مع الرواية اليهودية للمنطقة.

التهجير

استخدم الكيان المحتل سياسة التهجير الهادئ أي تجريد المقدسيين من حق المواطنة، حيث نهج أسلوبا جديدا لتقليص عددهم وذلك بسحب بطاقة المواطنة من كل مقدسي لا يتمكن من إثبات مكان سكناه في الماضي والحاضر في القدس، وسحب الهويات من المقدسيين الذين انتقلوا للعيش في مدن الضفة الغربية القريبة من القدس مستندا إلى الفقرة الأولى من قانون دخول إسرائيل الصادر عام 1974م. إضافة إلى قرار تجميد جميع طلبات لم الشمل، وتم إلغاء القانون المنظم له، بهدف ترحيل أربعين ألف مقدسي ومصادرة هوياتهم، ما يفهم منه أنها عملية تهجير وطرد جماعي للمقدسيين، مع وضع كل المقدسيين المقيمين خارج معبر منطقة “عناته” الحاملين لهوية القدس خارج حدود بلدية بيت المقدس، الشيء الذي سيعزل حوالي ستين ألفا من المقدسيين وستحرمهم من الخدمات بل وإرجاعهم إلى الإدارة المدنية.

هناك أيضا مفهوم “خرق الولاء” لدولة إسرائيل ويستخدم ذريعة لإلغاء إقامة المقدسيين، وسببا لهدم المنازل، حيث تصفها إسرائيل بالتدابير الاعتيادية لتنفيذ القانون، لكنها جزء من السياسة المستمرة للتهجير بهدف إحداث تغييرات ديمغرافية في المدى البعيد.

الاستيطان

يحاول المحتل تهديد الأحياء الملاصقة للبلدة القديمة والهدف من ذلك سلخ هذه الأحياء عن البعد الفلسطيني المقدسي، مع توسيع عملية الاستيطان بتقديم تسهيلات للمستوطنين اليهود للإقامة في بيت المقدس، من أجل ضمان سيطرة العنصر اليهودي كما ونوعا، وإلغاء الطابع العربي الفلسطيني بمختلف الوسائل غير القانونية، يختصرها “بن غوريون” بشكل واضح حيث يقول: “إذا أردنا خلاصا يهوديا مائة بالمائة فلابد من استيطان عبري مائة بالمائة ومزرعة عبرية مائة بالمائة” 1.

أمثلة التسلط القانوني

حاول النظام القانوني اتباع أساليب عديدة لتقليل عدد الفلسطينيين في القدس منها القوة المسلحة، والقيود المفروضة على الأحوال المدنية، والقيود المفروضة على البناء، ونزع الملكيات، نأخذ على سبيل المثال اعتبار المقدسيين مهاجرين أجانب، يمكن للمحتل ترحيلهم بسهولة إلى خارج ما يعتبره سيادته الإقليمية. واستغلال أية فرصة لسحب الإقامة، مثال ذلك قضية الناشط “مبارك عوض” الذي انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر بها، وعندما تقدم بطلب لتجديد بطاقته وجد إقامته قد ألغيت بسبب إقامته في الولايات المتحدة، وحصوله على الجنسية الأمريكية علما أن نسبة 15% من المستوطنين هم يهود أمريكيون إسرائيليون. ولجأ “مبارك عوض” إلى المحكمة العليا الإسرائيلية مبينا أن إقامة المقدسي خارج القدس لا يمكن أن يلغي حقه في الإقامة في مسقط رأسه، لكن المحكمة ردت حجته.

المثال الثاني يظهر من خلال قرار المحكمة العليا ضد فتحية الشقاقي زوجة فتحي الشقاقي مؤسس حركة الجهاد الإسلامي والتي رحلت قسرا مع زوجها إلى سوريا، حيث حاولت تجديد هويتها وتسجيل أطفالها، لكن وزارة الداخلية رفضت طلبها، وأمرتها بمغادرة البلاد، على اعتبار أنها عاشت في الخارج مع زوجها ولم يعد مركز حياتها في بيت المقدس، وتعددت أمثلة سحب إقامة المقدسيين بموجب مرسوم في حال غابوا عن القدس لسبع سنوات متتالية حتى ولو كانت من أجل العلاج، أو حصل على إقامة دائمة أو جنسية أجنبية.

المثال الثالث يتعلق بخصوص مبدإ “خرق الولاء” وهو أسلوب حديث لسحب الإقامة ظهر من خلال سحب الإقامة من ثلاثة أعضاء منتخبين في المجلس التشريعي الفلسطيني وإقامة وزير شؤون القدس عام 2006م، حيث ادعت الوزارة بأنهم قد أخلوا بالحد الأدنى المطلوب من الولاء بسبب انتخابهم في المجلس التشريعي الفلسطيني، ولانتمائهم لحركة حماس.

وستواصل إسرائيل البحث عن مبررات لإلغاء إقامة المقدسيين وتهجيرهم من مدينتهم. مع العلم أن التهجير القسري يعد جريمة حرب إذا ارتكب على أرض محتلة، ويعد جريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب على نطاق واسع وعلى نحو ممنهج، من وجهة نظر تاريخية وقانونية.

خلاصة

إن تهويد فلسطين وضمنها القدس، كان يتطلب مسارين متوازيين ومتكاملين: استقطاب أعداد كبيرة من اليهود وتوطينهم، وبالمقابل تهجير السكان الأصليين والتضييق عليهم، إلا أن مقاومة الفلسطينيين عرقلت المشروع الصهيوني ومنعته من التطور بشكل سلس ومتسارع، مما أدى إلى الاقتناع باستحالة التهويد مادام الفلسطينيون حاضرين عسكريا وثقافيا وحتى سياسيا.

إن التحدي الصهيوني يفعل فعله في الواقع المعيش وفي نفسانية العرب المسلمين وغير المسلمين، لكننا إذا عزلناه وضخمناه بهمومنا وآلامنا أصبح عائقا يستحيل تجاوزه، أما إذا وضعناه في السياق التاريخي الإسلامي وقسناه بمقياس التاريخ الإسلامي فإنه يصبح مجرد هبة ريح عابرة 2.


[1] مذكرات بن غوريون المجلد الثالث ص 161.
[2] الإسلام والحداثة الأستاذ عبد السلام ياسين ص 134.