صدر مؤخرا عن دار أفريقيا الشرق كتاب يحمل عنوان “التطوع في الوطن العربي، مشاركة المجتمع المدني في التغيير”، للكاتب طارق بوستا، لينسجم موضوع الكتاب مع المرحلة العمرية التي يجتازها العالم العربي والإسلامي التي عنوانها الأبرز هو التغيير. لذلك فإن جوهر ما يطرحه المؤلف في ثنايا الكتاب هو ضرورة التركيز على الأدوار الملحة التي يفترض على مؤسسات المجتمع المدني الاضطلاع بها عوض الاقتصار على أدوار ثانوية وهامشية من قبيل العمل الخيري والاجتماعي الإحساني، رغم أهميته، الذي يغدو في أوقات كثيرة مخدرا لإرادات الشعوب وكابحا لمسار التغيير، حين تغدو الجمعيات والمنظمات غير الحكومية آلية من آليات تنفيس الاحتقان الاجتماعي ودرعا حاميا يقي الفساد والاستبداد من المواجهة المباشرة مع الشعوب المهمشة والفقيرة.

لذلك قد يستغرب القارئ أو الفاعل المجتمعي النظرة التي حكمت معالجة الكاتب لموضوع العزوف العام عن التطوع، والتي تؤكد حقيقة التماهي بين العمل الاجتماعي والسياسي. فقد تجاوز عند ذكر الأدواء المقوضة لثقافة التطوع في الأمة الإسلامية والعربية ما هو متداول في بعض الكتب المتخصصة، التي تعالج الموضوع من زوايا اجتماعية وثقافية واقتصادية في الغالب، بينما ركز في ثنايا الكتاب على الاستبداد والفساد باعتباره الداء العضال المقوض للتطوع ولثقافة التطوع.

وكي يكون القارئ على بصيرة في تلمس أفكار الكتاب الأساسية وقضاياه الرئيسية، فقد ارتأى أن يفتتح الكتاب بفصل عن ماهية التطوع، تعريفا وتأصيلا واستكشافا لتفاصيله وحدود انتمائه الإنساني والديني. وليتحدث في الفصل الثاني عن أشكال التطوع، الفردية والجماعية والمؤسسية، مبينا الإيجابي والسلبي منها. لينتقل بعد ذلك في الفصل الثالث والرابع على التوالي للحديث عن مسار التطوع في الثقافة الغربية، ومعالم النهوض والتوثب الذي عرفه الغرب بفعل المشاركة الإيجابية للناس في بناء أوطانها، ثم عن مسار التطوع في الأمة العربية والإسلامية، الذي عرف انكفاءً وتراجعا مع توالي القرون، وكيف كان لنظام الحكم الدور الكبير والأثر البالغ في انزواء الناس عن المشاركة العامة، واندثار خصلة التطوع في المجتمعات العربية والإسلامية. ليخصص بعد ذلك الفصل الخامس للحديث عن الداء القروني المتمثل في الاستبداد والفساد، الذي قوض من جملة ما قوض خصلة التطوع في نفوس الناس، حين سطا الحاكم على الحكم بقوة السيف، وأرهب بسلطته وأرعب بسلطانه روح المبادرة وحب المشاركة، لتنزوي النفوس المقهورة إلى ركن عدم المسؤولية قرونا من الزمن. ليخلص في فصل سادس وأخير إلى مجموعة من المداخل، التي تعتبر معالم ناصعة للنهوض من كبوة الغفلة عن فضيلة “التطوع”، والتي تعد مفتاحا لخروج الأمة من مأزقها الذي لجت فيه منذ القرون الأولى، حينما اغتصب نظام الحكم واستبد على الأمة بالقوة والسيف، فانسلت بعد ذلك خصال الأمة تتصرم واحدة تلو الأخرى، ومن بينها خصلة التطوع.

طالع أيضا  التطوع المؤسسي، والحراك الجماعي المنظم

ليختتم المؤلف كتابه بدعوة صادقة لذوي القلوب الشفيقة والأيادي الرحيمة، ولكل الفضلاء والغيورين على الأمة، من أجل التأسيس لحراك فكري ثقافي، لا يلغي جدلية السياسي بالاجتماعي في نقاشه، يروم استنهاض الأمة من سباتها، وبعث الإرادات في قلوب الشباب، ورجال هذه الأمة ونسائها، حتى تغدو منتجة ومشاركة ومنخرطة في مسار التغيير والبناء، الذي تجتمع عليه أيادي المتطوعين، وتصك مساره وسياسته ونهجه.

تجتمع على ميثاق جامع، يخلص الأمة من براثين البؤس والشقاء، وينهض بها إلى سدة السيادة وإلى مصاف الدول المتقدمة. تجتمع عليه كل الفعاليات المجتمعية، ومؤسسات المجتمع المدني التي تؤمن بالعمل التشاركي، والتي تدعم ولاءها لكل ما هو إنساني وأخلاقي، متحررة من قيود السلطان الذي يتفنن في تقييد الجادة منها وتكبيل إرادتها وفعلها“.

تعبئة عامة ومصيرية، تختصر ما ضاع من سنوات الركود والسلبية، التي مرت منها الأمة قرونا من الزمن، ينخرط فيها الفرد والجماعة والمؤسسة، وتقودها الطليعة المثقفة، والفاعل الجمعوي، والمتطوع الميداني. نقودها جميعا، لنعصف بأفكار خلاقة محفزة، يتطاير معها رماد خمول جاثم على فعلنا وفكرنا وإحساسنا بالمسؤولية، ولنقتحم لواعج هموم مجتمع سلبي، قاعد في عمومه، بفعل تشاركي، تمتد له كل الأيادي الغيورة على انتمائها ووطنها، لنجلي بذلك الصورة السلبية القاتمة والجاثمة على أوطاننا، ولنحرر الإرادات والطاقات من قيودها نحو عالم التطوع الفسيح“.