أتستطيع الكلمات أن توفي صاحب الذكرى الشريفة من جعله الله رحمة للعالمين وإماما للرسل والأنبياء والمتقين صلى عليه الله أبد الآبدين إلى يوم الدين، أتستطيع الكلمات وهي من عجزت عن وصفه والإحاطة بجليل مناقبه أن تسعفنا مفرداتها على أن نوفي لصاحب الميلاد الشريف صلى الله عليه وسلم حقه تماما وكمالا.

يقول الإمام شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري صاحب البردة والهمزية رحمه الله تعالى 1.

‎كَـيْــفَ تَــرْقَــى رُقِــيَّــكَ الأَنْـبِـيَــاءُ * يَـاسَـمَـاءً مَـــا طَاوَلَـتْـهَـا ســمَــاءُ

لَـمْ يُسَـاوُوكَ فِـي عُــلاَكَ وَقَـدْحَـا * لَ سَـنـىً مِـنْـكَ دُونَـهُـمْ وَسَـنَــاءُ

إِنَّــمَــا مَـثَّــلُــوا صِـفَــاتِــكَ لِـلــنَّــا * سِ كَـمَــا مَـثَّــلَ الـنُّـجُـومَ الْــمَــاءُ

أَنْتَ مِصْبَـاحُ كُـلِّ فَضْـلٍ فَمَـا تَـصْ * دُر إِلاَّ عَـــــنْ ضَــوْئِـــكَ الأَضْـــــواءُ

لَـكَ ذَاتُ الْعُلُـومِ مِـنْ عَالِـمِ الْغَـيْ * بِ وَمِــنْـــهَـــا لآدَمَ الأَسْــــمَـــــاءُ

إن هذا القطف من همزيته رحمه الله تعالى، وهو من أتاه الله الدرجة السنية في مدح خير البرية صلى الله عليه وسلم، إن دليل قاطع أن الكلمات لا تسعف للإحاطة بتمام وصفه وإدراك كمال كنهه.

ليس قصدنا من هذا المكتوب ما أسلفنا ذكره آنفا فذاك حاولت بُطُون كتب ومصنفات أن تحاول ذلك فأبت الحُروفُ واستعصت معانيها.

نحن قصدنا من هذا المكتوب أن نستخلص من الميلاد الشريف ما به يكون صوى للطريق الاقتحام والبناء لِغَد الإسلام المشرق القادم وعدا صادقا من صاحب الذكرى العطرة عليه أزكى الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

ميلاده الشريف بعثة متجددة معها تجدد معاني السلوك الجهادي الجماعي سيرًا على المنهاج النبوي منهاج الرفق والبشر والشهادة بالقسط ولعل واحدة من أهم هذه المعاني المتجددة في ذكرى الميلاد النبوي الشريف.

1- من الأماني المعسولة إلى الجهاد:

الميلاد الشريف فرح وسرور وحبور كيف لا وهو كان ميلاد الرحمة للعالمين، الصادق الأمين القائم بالحق الصراط المستقيم العروة الوثقى بين الخلق ورب العالمين، لكنه من البداية كان فيه من البشارات والإشارات، كانت عناوينه أن القابل من الأيام للأمة نقلة سوف تخرجها من واقع القبيلية المقيتة والعدوان والبغي ومالا يعد ولا يحصى من شرور، كان الميلاد الشريف حياة أمة وانبعاث وبعثة أمة حاملة رسالة إلى العالم تخرجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

من أمة غارقة في وحل السفاسف إلى أمة وسطا شاهدة على الأمم، من أمة في سبات عميق إلى أمة فاتحة للأمم يقظة القلب عالية الهمة الله غايتها والرسول قدوتها والشهادة في سبيل الله أسمى أمانيها، لا مكان في حياتها للأماني المعسولة بل جد واجتهاد وجهاد.

الميلاد الشريف من رسائله إحياء هذا المعنى في نفوس الأجيال المحبة المتعلقة قلوبها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتهجر ما لصق بها من خمول ونكوص، فتخرج من دائرة أمانيها المعسولة إلى جهاد التربية والدعوة والبناء وهي الموعودة بالخلافة على منهاج النبوة الثانية وعدا من صاحب الذكرى الصادق المصدوق عليه أزكى السلام.

2- منهاج البشارة والرفق:

وهذا معنى آخر من معني الميلاد الشريف، إن الله تعالى الذي أكرمنا به صلى الله عليه وشرفنا بالانتساب إليه وجعلنا من أمته، ونسأل سبحانه أن يتم فضله علينا ويجعلنا من إخوانه؛ قال الله تعالى وهو أصدق القائلي0وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 2. وميلاده الشريف هو ميلاد الرحمة فهو صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة ذاتها التي بها أكرم الكون رب العالمين.

لا سبيل للخلاص من عنف اللفظ والفعل إلا باتباع منهاج المبعوث رحمة للعالمين بالبشارة والرفق، بل إن ميلاده صلى الله عليه وسلم هو كمال الرفق من ذي الجلال والإكرام لبشرية اكتوت بنيران البطش والفضاضة والغلظة القولية والفعلية، فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم في قوله الشريف “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه” 3. إن التخلق بخلق البشر ودعوة الناس إليه لمعنى دقيق من معانٍ ميلاده الشريف صلى الله عليه وسلم.

3- البشاشة والحلم:

من يستطيع أن يجادل في أن ميلاده الشريف وازديان الكون به صلى الله عليه وسلم هو منبع كل خلق جليل، وسيبقى ميلاده الشريف ذكرى حية في قلوب أجيال الأمة إلى قيام الساعة، مدرسة تتشرب منها أجيال الأمة وخاصة طليعة الأمة الحاملة لواء الدعوة الدالة على الله المبشرة بغد الإسلام المشرق.

من مولده الشريف المنيف الذي كان نورا وضياء تتعلم هذه الأجيال أن التبشير بغد الإسلام القابل لا تحمله إلا الوجوه البشة الحليمة المقتحمة لواقع الكراهية، اقتحام بشر ورفق وبشاشة وحلم وهمة وعزم وتجاوز الأماني المعسولة إلى الجد والجهاد والاجتهاد.


[1] محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (608 هـ – 696 هـ / 7 مارس 1213 – 1295)[2] شاعر صنهاجي اشتهر بمدائحه النبوية. أشهر أعماله البردية المسماة “الكواكب الدرية في مدح خير البرية.
[2] سورة الأنبياء الآية (107).
[3] صحيح مسلم “كتاب البر والصلة والآداب” باب فضل الرفق.