مع كل حضور لشهر ربيع الأول يستيقظ في قلبي شيء.. أتأمل بنوع من الهيبة والدهشة هذه النفحات الروحية التي تهل مع إطلالة الربيع النبوي….

تتسرب إلى روحي سكينة علوية وانأ أشاهد عبر الفضائيات وفي كل مدن العالم.. أناس مختلفون، بثياب مختلفة وألوان مختلفة وألسنة مختلفة وجنسيات مختلفة، لكنهم كلهم متجهون نحو قبلة واحدة، يتمتمون بنفس الآيات يركعون ويسجدون، حين أتخيل أن هذا البناء الشامخ بناه رجل واحد منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام!

 رجل واحد فقط، ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد، نظر إلى السماء فوجدها كبيرة، وإلى الأرض فوجدها شاسعة، وإلى الناس فوجدهم أخلاطا متنافرين، نزل عليه الروح الأمين طلب منه أن يدعو كل هؤلاء إلى عبادة الله، كيف تحقق هذا الشيء المذهل؟ كيف تحول مسلم واحد إلى مليارات المسلمين؟ وتمكن من دعوة العالم أجمع، وأنشأ هذا الصرح الهائل العظيم؟

اتهموه بأنه كاهن‏، واتهموه بالجنون واتهموه بالسحر،‏ وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا‏، وطلبوا منه معجزات من نوع معين‏..‏ أعلنوا أنهم لن يؤمنوا له حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعا أو تكون له جنة من نخيل وعنب‏،‏ فيفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو يسقط السماء كما زعم عليهم قطعا من العذاب‏، أو يأتي بالله والملائكة يضمنون لهم صحة ما يدعوه إليه‏، أو يكون له بيت من ذهب‏، أو يصعد في السماء ولن يؤمنوا لصعود إلا إذا صعد أمام أعينهم وعاد وأحضر لهم كتابا يقرأونه من السماء‏.‏

فتأمل أنت قارئي العزيز، حجم العناد وتأمل كيف صرنا، أنت وأنا، بعد أزيد من ألف وأربعمائة سنة نشهد أنه رسول الله وأنه شمس الأنبياء وأنه سيد أبناء آدم، وأنه رحمة الله المهداة إلى البشر.

طالع أيضا  في ذكرى مولده ﷺ.. تذكير بمجالسه النبوية الشريفة

وصفه سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه قائلا: “ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر”.

 

وقال جابر بن سمرة ـ وقال له رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ فقال: “لا، بل مثل الشمس والقمر. وكان مستديراً”.

وروى أبوسعدة الخدري رضي الله تعالي عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يعلف البعير‏، ويكنس البيت‏، ويصلح النعل‏، ويرقع الثوب‏، ويحلب الشاة‏، ويأكل مع الخادم‏، ويطحن معه إذا تعب‏.‏

وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله‏، وكان يصافح الغني والفقير‏، ويسلم مبتدئا ولا يحقر مما دعي إليه‏، ولو إلى أردأ تمر‏.‏

وكان هين المئونة يرضي يما تيسر منها‏، وكان لين الخلق‏، كريم الطبيعة جميل المعاشرة طلق الوجه‏، بساما من غير ضحك، محزونا من غير عبوسه‏، متواضعا من غير مذلة‏، جوادا من غير سرف‏، رقيق القلب‏، رحيما بكل مسلم‏، لم يتجشأ قط من شبع‏، ولم يمد يده إلا إلى الحلال‏.‏

ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام كان قد اشتراه لأهل بيته‏.‏

هكذا وصفه البشر فكيف وصفه رب البشر؟

اختار الله سبحانه أن يكون محمد بن عبد الله هو آخر رسله إلى البشر‏، وقال فيه وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ.‏ وقال عز وجل عن أخلاقه وإنك لعلي خلق عظيم‏.‏ وامرنا أن نفرح به قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ. ووصفه بصفتين من صفاته لم يصف بهما أحدًا من البشر أو الأنبياء غيره؛ قال تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم.

أما هو عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام فكيف وصف نفسه؟

طالع أيضا  نظافته صلى الله عليه وسلم

 جاء في الأثر أن رجلاً ارتعش في حضرته، فقال له: “هوِّن عليك؛ فلست بجبار ولا ملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في أرجاء مكة”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قبلي كمَثَل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناسُ يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هل وُضعت هذه اللبنةُ؟ قال فأنا اللبنةُ وأنا خاتم النبيين”.

اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد.