بماسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، وانخراطا في حملة “الربيع النبوي يحيينا”، يستضيف موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور ابراهيم الهلالي، الباحث في العلوم الشرعية، تناول هذه الذكرى العطرة ودلالاتها ومعانيها وطرق الاحتفال بها، كما تناول السبل التي من شأنها تقوية محبته صلى الله عليه وسلم في القلوب، وترجمة هذه المحبة في سلوك العبد المؤمن. وفي ما يلي النص الكامل لهذا الحوار.

بمناسبة المولد النبوي الشريف موقع الجماعة الدكتور إبراهيم الهلالي، .

1: تحيي الأمة كل عام ذكرى مولد رسولها الكريم، ما دلالة هذا الإحياء وما معانيه في ارتباط المسلم بالعروة الوثقى صلى الله عليه وسلم؟

    أشكر الاخوة القائمين على هذا الموقع المتميز وأبارك لكم ولجميع المسلمين هذه المناسبة الغالية مناسبة مولد خير البرية صلى الله عليه وسلم.

إحياء ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر من مظاهر الفرح والحبور، وإقرار بنعمة الله العظمى، وشكر على الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم. وقيمة دلالة الاحتفال تختلف صعودا ونزولا باختلاف مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في القلوب والنفوس، فالمرء الذي يعي معنى اقتران محبة الله بمحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم – مع التنصيص على أن اتباع النبي شرط في محبة الله تعالى – ويدرك أن طاعة الرسول من طاعة الله عز وجل، ويعلم أن بيعة الحبيب صلى الله عليه وسلم من بيعة الله تعالى، ويستحضر أن تمام الإيمان وكماله أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ويجد أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم… من يفهم كل هذا ويستوعبه يخلص ولا شك إلى أنه لا طريقة إلا طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سنة إلا سنته ولا اختيار إلا اختياره ولا حكم ولا قضاء إلا بموافقته التامة الكاملة مع الرضى والتسليم، كل ذلك  دون أن يجد المؤمن في نفسه حرجا أو ضيقا ويسلم تسليما. فحين تنفذ هذه المعاني إلى قلب العبد ولبه وكيانه يكون للاحتفال دلالة وقيمة، بل يكون الفرح به دائما وأبدا دون انقطاع. وإذا غابت هذه المعاني السامية وفقدت يكون الاحتفال محدودا في الزمان ويختل التواصل العاطفي بصاحب الرسالة ويفقد الاحتفال دلالته.

2: يتخذ الاحتفال مظاهر متعددة ومتنوعة، كيف ترونها؟ وهل لها أثر إيجابي في التعلق بالجناب الشريف؟  

يحتفل الناس بذكرى مولد الرسول الكرم صلى الله عليه وسلم فيظهرون الفرح والسرور فتقام ندوات ومحاضرات ومواعظ بالمناسبة، وتجتمع العائلات وتتزاور، وتهيئ موائد الطعام على اختلافها واختلاف العادات والتقاليد، ويقرأ القرآن الكريم ويتحف الناس بالمدائح والأشعار والأناشيد وللأطفال أيضا نصيبهم من الفرح واللعب والاحتفال… هذه المظاهر وأمثالها محمودة في حد ذاتها وتحقق عددا من الأهداف الاجتماعية غير أنها قليلة الجدوى مقارنة مع الهدف المسطر: محبة رسول الله والتعلق به، وأثرها الإيجابي محدود جدا لأنها غالبا لا تحدث تغييرا ملحوظا في الإنسان، كما أنها لا تفضي إلى إحداث صلة قوية بصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، ولا ينجم عنها المحبة المطلوبة والتأسي المأمور به في مختلف نواحي الحياة. فالرابطة بين المومن وبين الرسول الأكرم ليست محدودة في الزمان نبحث لها عن مواسم ومناسبات. وهذه ليست دعوة إلى ترك تلك المظاهر وإبطالها بل ينبغي التفكير في تحقيق مراميها السامية ومقاصدها.

وإنما يحدث هذا الأثر الكلي أن يكون إحياء المناسبة في سياق التعلق القلبي برسول الله على الدوام وفي طريق التحقق السلوكي العملي على سائر السنة والعمر. 

3: ثمة من يرى أن محبة النبي محمد تأتي بقراءة سيرته، وثمة من يرى أنها تتأتى بكثرة العبادة والصلاة عليه، وثمة من يرى أنها تتحقق بصحبة المحبين، كيف يتأتى للمسلم محبة واتباع رسوله ونبيه من جهة نظركم؟

محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم رافد من روافد الإيمان وأقواها، وروافد الإيمان وشعبه لها ارتباط باللسان والقلب والجوارح، وهذه الشعب لا تقوم بالعد والإحصاء والحصر فقط، كما لا يجدي فيها كثيرا الجانب الفكري والثقافي وحتى العلمي فهي لا تنقل من فهم لفهم ومن عقل لعقل رغم أهمية ذلك وضرورته، فالمحبة اقتباس وتعلم من قلب لقلب، فهي تشرب من الذين أحبوا رسول الله ووقروه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فالاطلاع على سيرته والوقوف على شمائله والصلاة عليه مفيد وفيه خير كبير، لكن القصد الأسمى لا يتحقق بما هو فكري ثقافي علمي فقط، فلا بد من التعلق القلبي بالجناب الشريف عن طريق التشرب والاقتباس القلبي لأن انغراس محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القلب تورث التأسي والاقتداء ظاهرا وباطنا وتفضي إلى الشوق للقائه “غذا ألقى الأحبة محمدا وصحبه” قالها أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، وكالمشتاق الذي تنبه أنه إن كان في الجنة يكون في درجة دون رسول الله فاغتم لذلك وحكى أمره لرسول الله، فأنزل الله تعالى: “ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا”. كما ينجم عن الرابطة القلبية برسول الله حسن التبليغ عنه والذب عن سنته ونصرة دعوته ودينه.

4: كيف يكون المسلم رسولا إلى باقي المسلمين والناس أجمعين يبلغهم سيرة خاتم الأنبياء وأخلاقه ورسالته؟

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبلغ عنه ولو آية، وحث الشاهد أن يبلغ الغائب، وبين أن رب مبلغ أوعى من سامع، فالكل مأمور بالتبليغ حسب القدرة والطاقة والاستعداد. ومن الناس من يحصر التبليغ عن رسول الله في مسائل جزئية كالملبس والمشرب وبعض الفقهيات المختلف فيها فلا تسمع منه إلا “بدعة” و”لا يجوز” و”مخالف للعقيدة” وأحيانا “شرك” و”كفر” و… فيشدد على الناس ويستقوي عليهم ببعض الأحاديث وأقوال بعض سلف الأمة كابن تيمية رحمه الله تعالى. وفي ذلك تنفير للناس. ونرى والله أعلم أن حقيقة التبليغ تكون بمعرفة روح الرسالة وكنهها ومراميها ومقاصدها واعتبار تغير الأحوال والظروف والعادات والأزمان والأمكنة، وأول المرامي والمقاصد أن تحبب العباد إلى الله وتحبب الله إلى العباد. وتكون قدوة في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن اتباعه وتعظيمه وتقديم أمره على أي أمر آخر.

فالتبليغ في حد ذاته تكليف ومسؤولية، والتبليغ عن رسول الله تشريف وتكريم، وحقيقة التبليغ تقوم بتحقق الصلة القلبية برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المحب للمحب مطيع والرسول أمر بالتبليغ وحث عليه، وحسن التبليغ من حسن الـتأسي في الظاهر والباطن، في العبادة والمعاملة والتخلق و… فرسول الله بعث رحمة للعالمين، وبعث بشيرا ونذيرا، وبعث ميسرا، وأمر بالرفق وجعله زينة كل شيء، فالمتصف بأضداد هذه الصفات لا يملك  ولا يتمكن من حقيقة التبليغ وإن نطق لسانه بالأحاديث والآيات وأقوال السلف.

5: كيف يتأتى لنا أن يكون رسولنا الكريم في قلوبنا وسلوكنا وحياتنا كلها وليس في مناسبات بعينها فقط؟

أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم حيا في قلوبنا أمر ليس بالهين على الإطلاق، لكنه مقدور عليه بإذن الله تعالى، لأن الشرع أمرنا أن نتخذه إسوة وقدوة وفي كل مناحي الحياة بل حتى فيما يتعلق بالآخرة وحب لقاء الله، وأمرنا أيضا أن يكون هوانا تبعا لما جاء به، وأخبرنا ألا نقدم على أمر حتى نعلم حكم الله ورسوله فيه، وأخبرنا الشرع أن تمام الإيمان وكماله لا يتحقق حتى يكون رسول الله أحب إلينا من الناس أجمعين… فكل ما أمرنا الشرع به فهو مقدور عليه إذا حاشاه أن يكلفنا ما لا نطيق، ويكون الرسول حيا في قلوبنا إذا استحضرنا هذه المعاني وقد أشرت إلى مثيلاتها في سياق ما سبق وأركز على بعض المفاتيح:

أ –الدعاء: أن تتوجه بالدعاء إلى الحنان المنان أن يرزقك حب المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل أن يسكن قلبك حبه وحب من يحبه، وأن يمن عليك بحسن التأسي وتمامه رغبة وفرحا وشوقا إليه، وتدعوه أن يجعلك من إخوانه الذين ود الرسول لو رآهم في حياته، لأن المرء مع من أحب.

ب – صحبة المحبين له: يكون الرسول حيا في قلوبنا وحياتنا إن صحبنا من كان حيا في قلوبهم، فالمحبة تشرب وتمثل ومحلها بل منطلقها القلب، وتنتقل بالمجالسة والصحبة، ويكون عندها ومعها التأسي الكامل للرسول الأعظم، والتمسك التام بشرع الله لا محيد عنه.

ج – التأسي بخلقه صلى الله عليه وسلم والسير على هديه القويم عبادة ومعاملة للخلق مع الأقارب والجيران والناس أجمعين. ومن لا حظ له من الخلق الحسن فلا حظ له  رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 د- الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة على رسول الله والإكثار منها امتثال لأمر الله، وموافقته وموافقة ملائكته الكرام “إن الله وملائكته يصلون على النبيء يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما” ، كما يحصل لنا بالصلاة عليه عشر صلوات من ربنا عز وجل، وكلما أكثرنا الصلاة عليه قويت صلتنا ورابطتنا برسول الله صلى الله عليه وسلم ونالنا من الله الرحمة والأجر والثواب والنور، وهذا يجعل الرسول حيا في قلوبنا.

هـ – قراءة سيرته العطرة والتعرف على دعوته ومراحل تبليغ رسالته وكيف تعامل مع الناس هذا من شأنه أن يذكي المحبة فينا ويزيدنا شغفا بشخصه الكريم.

و- التبليغ عن رسول الله حالا ومقالا، وهو تشريف وتكليف.

ز – نصرة دينه وإعزاز دعوته كما فعل الأنصار والمهاجرون.

اللهم أسكن قلوبنا محبة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وارزقنا حسن التأسي به واجعلنا من إخوانه وممن يبلغون عنه ويدافعون عن سنته وينصرون دعوته. آمين والحمد لله رب العالمين.