“نحو فعل مجتمعي مشترك يحرر الإرادة ويصنع التغيير” عمق المعنى الذي يحمله الشعار بين ثناياه لن يمنحك فرصة لتجاهله أو أن تمر عليه مرور كريم خفيف الزيارة، ولن تستطيع إلا أن تطيل المكث متأملا في كلمات تلخص منطلقاتنا وتختصر رؤيتنا للعمل من داخل مؤسسات الدائرة السياسية لجماعة تحمل رؤية للتغيير وتؤمن بالمشترك، وكلمات الشعار تعتبرا مفتاحا للفهم، لذلك سمحت لنفسي بمحاولة تفكيكها، أرجو أن لا أجور أو أن أحملها وزر ما أخطأت في فهمه. فـ”الفعل” حركة يسبقها اختيار ووعي، ولها وجهة وقصد، فتكون بذلك عكس رد الفعل الذي تكون نتائجه غير محسوبة ولا يسبقه التفكير. وأما كلمة “مجتمعي” فتحيلنا على طبيعة الفعل الذي يكون مصدرا للتغيير، ذلك أن دينامية الأحداث تعكس ثلاثة أقطاب تتحكم في المشهد بدرجات متفاوتة، أولها المخزن ومصلحته تقتضي استمرار الوضع القائم فهو يتغذى عليه، لذلك كان احتمال أي بادرة للتغيير أو الإصلاح من طرفه ضربا من ضروب المعجزات. وأما الثاني فهي نخبة سياسية دخل أغلبها تحت عباءة الأول بدعوى الإصلاح من داخل المؤسسات، وهي أحبولة من أحابيله غرضها ضمان تأبيده واستمراريته عبر احتواء الفاعلين وتمييع الحقل السياسي. أما الثالث فهو حركة المجتمع وانتفاضته وهو الفعل المأمول منه أن يفرض إرادة التغيير فرضا. وكلمة “مشترك” ليست مجرد شعار ترفعه الجماعة، إنما هو إيمان راسخ بضرورة انخراط كل الفضلاء والغيورين على مصلحة الوطن لتأطير حركة المجتمع حتى لا ينفلت زمامها، وتوجيه بوصلتها نحو الهدف بما يقطع الطريق على الاستبداد ويقطع أوصال الفساد. فإذا عدنا إلى تعبير “يحرر الإرادة” نجدها شرطا وركنا في عملية التغيير، إرادة تحررها ثقة في موعود الله عز وجل وتوكل عليه، ثم وعي بضرورة المطالبة بالحقوق ونصرة المستضعفين. وعبارة “يصنع التغيير” عبر مشروع بناء متكامل مادته الإنسان وهدفه وضع نهاية للاستبداد عتقا لرقاب العباد.

طالع أيضا  ما دام أن الملكية تختار من يضع الدستور فلا يتصور أن يأتي من قبلها ما يحد من سلطاتها المطلقة

وإذا كان الفعل كلمة تدل على حدث مقترن بزمن يفرض سياقاته التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لتكون بوصلة القصد ومنارة الوجهة، فسياق الزمن يفرض الانتباه إلى واقع مرير يعري عورة المخزن ويكشف حجم المعاناة اليومية التي يعيشها الشعب المغربي على كل المستويات، ومما يزيد من حجم الفعل وقيمته انتقاله من دائرة الذاتية إلى صياغة الأهداف المشتركة ليصبح سلوكا مجتمعيا هدفه صناعة التغيير ورهانه فئات المجتمع، فلا تغيير يرجى من مؤسسات صورية لا وزن لها ولا قيمة، ولا تغيير إلا بفعل مجتمعي مشترك. على أن هذا المشترك ليس دائما خطابا نقصد به الآخر بل نخاطب به وفيه أنفسنا أيضا كأعضاء داخل الجماعة ومدى انخراطنا وسط المشروع الذي آمنا ونؤمن به، وكمؤسسات ينبني عملها على فلسفة الجسد الواحد بما يحمل من هم أمة ارتبط فيه مطلب العدل بمطلب الإحسان.

ومما تجدر الإشارة إليه أن صناعة التغيير لا تنبني على ردود الأفعال التي تغذيها الأحقاد المتراكمة بسبب الظلم والجور، أو تشعلها جذوة الحماسة التي تفتقد إلى الرصانة، لكنها تنبني على رؤية واضحة ومشروع بناء موسوم بالصبر والحكمة والتؤدة، مشروع إحسان تستقبله أمة تنتظر موعود ربها وبشارته، ومشروع عدل تشرئب إليه أعناق ضحايا الاستبداد القروني الذي جثم على صدر الأمة فكبل إرادتها وشل حركتها، وقد آن الأوان لاجتثاث جذوره ونزع طوق الانقياد إليه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بفعل مشترك تتواطأ فيه النيات الصادقة وتشتبك فيه الجهود لتفتل جميعها في حبل صناعة التغيير الذي يخنق الاستبداد ويضع نهايته.

فالفعل الذي تريده الجماعة إذن، خروج من دائرة الاستكانة والانتظارية، ومقاومة للحصار المفروض، وتأكيد على خياراتها في محاربة الاستبداد عبر ثنائية خلاص فردي أساسه التربية ارتبط في أدبياتنا بهم أمة في صناعة خلاصها الجماعي ومصيرها المشترك.

طالع أيضا  التقرير السياسي السنوي المنبثق عن المجلس القطري للدائرة السياسية في دورته 21