الحسين أوكي

مقدمة

يأتي قانون المالية لسنة 2018 في سياق استثنائي وظرفية سياسية واجتماعية واقتصادية دقيقة تميزت بشبه أزمة عامة أثرت ومازالت تؤثر على المسار الديمقراطي ببلادنا وعلى صورة المغرب وعلى عمل المؤسسات، مما جعل البطء والارتجالية هي السائدة على عدة مستويات.

فعلى المستوى الدولي، يلاحظ استمرار آثار الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي عمرت حوالي عقدا من الزمن وكانت لها تداعيات سياسية واضحة على اقتصادنا.

وعلى المستوى الوطني، لازال اقتصادنا يعاني من ثقل الفلاحة البورية، المتأثرة بالتقلبات المناخية، على نمو الناتج الداخلي الخام، بالإضافة إلى هذا استمرار النمو المحتشم للقطاعات غير الفلاحية الذي لا يكاد يتجاوز 4%. كل هذا كان له انعكاس سلبي على استمرار الهشاشة والفقر والبطالة، خصوصا في أوساط الشباب وحاملي الشهادات في الحواضر والبوادي.

كما يأتي هذا القانون في ظل اعتراف الملك رسميا بفشل النموذج التنموي المغربي وعجزه عن الاستجابة للمطالب الملحة للمواطنين وعن تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي.

انسجاما مع هذه الظروف، كان من المفروض أن يتجاوب قانون المالية مع هذه الظرفية الوطنية والدولية بشكل أو بآخر، ولكنه جاء محتشما ينقصه الوضوح على مستوى الرؤية والتصور والجرأة على مستوى التنزيل.

 I- أولويات قانون المالية لسنة 2018

يقوم قانون المالية على أربعة توجهات أسياسية:

1.     التوجه الأول يتمثل في دعم القطاعات الاجتماعية، وهي الصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الفوارق المجالية، مع إيلاء عناية خاصة للعالم القروي.

2.     التوجه الثاني يتمثل في دعم التصنيع ومواصلة مجهود دعم الاستثمار العمومي ودعم الاستثمار الخاص والمقاولات الصغرى والمتوسطة.

3.     التوجه الثالث دعم ومواصلة سياسة تنزيل الجهوية المتقدمة ومواصلة إصلاح نظام الحكامة وإصلاح الإدارة.

4.     التوجه الرابع تسريع مسار الإصلاحات.

وفاء لهذه التوجهات، توقع قانون المالية أن تبلغ المداخيل الجارية للميزانية العامة 236.81 مليار درهما، بزيادة 10.25 مليار درهما. أما على مستوى النفقات الجارية للميزانية العامة، فقد توقع الوصول إلى 215.83 مليار درهم، من ضمنها 108.85 مليار درهم خاصة بالموظفين.

II- الفرضيات الأربع التي يرتكز عليها القانون المالي لسنة 2018

ارتكز قانون المالية لسنة 2018 على أربع فرضيات هي: معدل النمو3.2 %، ومعدل عجز الميزانية في حدود 3%، ونسبة التضخم أقل من 1.5 %، وتقليص حجم المديونية إلى ما دون 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق سنة 2021.

1.     نسبة النمو (%3.2)

إن تحديد نسبة النمو في 3.2 % تظل محتشمة وغير كافية ولا ترقى إلى النسبة المطلوبة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنمية المستدامة التي تحددها المؤسسات الدولية في 7 %. مع العلم أنه وحتى لو سلمنا بصدقية النسبة المذكورة، فإنه من المعروف بالنسبة للحالة المغربية أن تلك النسبة لا تنعكس إيجابا على تخفيف الفوارق الاجتماعية الكبيرة. فعلى سبيل المثال، ناهزت نسبة النمو معدلا سنويا بلغ 4.6 % ما بين 2000 و2017، إلا أن ذلك لم يمنع من تفشي الفقر باعتراف المندوبية السامية للتخطيط التي تؤكد أن أكثر من 9 % من السكان يعيشون تحت عتبة الفقر.

2.     نسبة عجز الميزانية في حدود (3%)

لقد راهنت الحكومة على تقليص نسبة عجز الميزانية إلى 3 %، حيث تم خفض العجز من 7 % سنة 2012، إلى 3,5 % سنة 2016. والحقيقة أن هذا الجزء الهام من هذا التقليص لا يعود لإجراءات مبتكرة، بل فقط يرتب بتخفيض اعتمادات صندوق المقاصة إلى 23 مليار درهم، وهي الخطوة التي تروم توفير 33 مليار درهم للميزانية مقارنة مع السنوات الماضية. وبلغة واضحة، فإن الحكومة لم تجد سوى صندوق المقاصة لعقلنة النفقات العمومية. ولم يخرج قانون المالية لسنة 2018 عن هذا النهج من خلال تقليص اعتمادات صندوق المقاصة إلى 13,019 مليار درهم موجهة لدعم غاز البوتان والمواد الغذائية (السكر ودقيق القمح اللين).

3.     نسبة التضخم أقل من (1.5%)

يتوقع قانون المالية لسنة 2018 مواصلة التحكم في معدل التضخم في حدود 1.5.% وقد كان مرتقبا أن تسجل أسعار المحروقات ارتفاعا جديدا لو تم تمرير الرفع من الضريبة على القيمة المضافة على المحروقات من 10% الى 14 %، وقد كان ذلك سيوثر سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين، كما أن نسبة التضخم كان من المتوقع أن ترتفع إلى أكثر من 1.5 %. وفي سياق الظرفية الدولية الصعبة، من المرتقب كذلك ارتفاع أسعار المحروقات على المستوى العالمي سنة 2018 بسبب استمرار تقلبات الاقتصاد العالمي وعدم استقرار دول شرق الاوسط، مما سيزيد الأمر تعقيدا وخطورة إذ سترتفع أسعار المواد الاولية وكلفة النقل بالنسبة للبضائع والأشخاص.

4.     تقليص حجم المديونية إلى ما دون 60 % سنة 2021

راهن قانون المالية لسنة 2018 على تقليص حجم المديونية إلى ما دون 60 %، أي بأربع نقط. ولكن من الملاحظ أن فوائد الدين كانت تقدر بـ10.27 مليارا سنة 2016 وقانون المالية يخطط لتسديد 27,47 مليارا سنة 2017، أي بزيادة 370 مليون درهم مقارنة مع السنة الفارطة. وإذا أضفنا إلى ذلك 500 مليون درهم كتسديدات الدين الأساسي، فإن هذا لا يرقى إلى مليار درهم إضافية في السنة، وهو ما يمثل فقط واحدا على تسعة من الناتج الداخلي الخام. وهو ما يعني أنه في آخر الولاية الحالية سنصل إلى خفض المديونية بنصف نقطة فقط. هذا دليل آخر على أن البرنامج الحكومي في واد وقانون المالية في واد آخر.

ومما يزيد الطين بلة أن الدين الخارجي للمغرب سيرتفع بشكل مهول. فقد توقعت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، أن يرتفع هذا الدين خلال 2017 إلى 35.7 مليار دولار، أي ما يعادل تقريبا 362.5 مليار درهم.

III- بعض الإجراءات المتخذة في القانون المالي لسنة 2018

1.     التشغيل:

بخصوص المعطيات الرقمية المرتبطة بالتشغيل، يتوقع قانون المالية لسنة 2018 أن يتجاوز عدد مناصب الشغل المحدثة حوالي 19 ألف منصبا، حيث حازت الداخلية والدفاع بالنصيب الأوفر منها بما مجموعه 12000، أي بنسبة 62 %. بالإضافة إلى 20 ألف منصبا بالتعاقد في قطاع التعليم، الذي سيبلغ المشتغلون فيه، في إطار التعاقد، حوالي 55 ألفا ما بين 2019-2018، بالإضافة إلى أن الاعتمادات العامة الموجهة إليه ستبلغ 59.2 مليار درهم، بزيادة 5 ملايير درهم عن سنة 2017. والأمر نفسه على مستوى قطاع الصحة الذي سترتفع الاعتمادات المخصصة له إلى 14.79 مليار درهم، مع تخصيص أزيد من 4000 منصب شغل. ويضاف إلى ذلك البرنامج المرتبط بمحاربة الفوارق المجالية الموجه إلى العالم القروي، حيث ستخصص كاعتمادات أداء 3.54 مليار درهم و4 مليار درهم كاعتمادات الالتزام.

2.     الاستثمار العمومي

سيبلغ مبلغ الاستثمار العمومي في السنة المقبلة 195 مليار درهم بزيادة 5 ملايير درهم مقارنة مع سنة 2017. ويبقى هذا الرقم غير كاف لتحقيق نمو اقتصادي حقيقي، إذ يكمن المشكل في التقييم القبلي للمشاريع، والمتابعة الصارمة للإنجازات والرفع من آثار التشغيل، وتحسين مستوى عيش المواطنين بشكل ملموس.

3.     دعم القطاعات الاجتماعية

لقد خصص قانون المالية هذه السنة 130 مليار درهم للقطاعات الاجتماعية، أي 50% من الميزانية العامة للدولة، وذلك بهدف الاستجابة لحاجيات المواطنين وتطلعاتهم، لاسيما في شقها المتعلق بالخدمات الاجتماعية وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني. وهي طموحات دونها تفشي الفساد والاستبداد وغياب الشفافية.

4.     الإعفاءات الضريبية

بخصوص تحفيز تشغيل الشباب، تضمن قانون المالية بعض الإجراءات الرامية إلى دعم الدينامية الاقتصادية، ومن بينها المقاول الذاتي، وتقليص الضريبة على الشركات وتحمل بعض الضرائب المترتبة على أجور مستخدمي القطاع الخاص في إطار منظومة تحفيزية من عقود التشغيل التي تهدف إلى التشجيع على تأسيس ومواكبة المقاولات الناشئة. فعلى سبيل المثال، يواصل قانون مالية 2018 على غرار سابقه، العمل بمقتضى عقد تحفيز الذي يضمن للمقاولات الناشئة الاستفادة من الإعفاء من الضريبة على دخل الأجر الشهري في حدود 10 آلاف درهم، ومن تحمل الدولة للاشتراكات الاجتماعية على أجور 10 أجراء عوض 5 المعمول به حاليا، وذلك ابتداء من 2018، بالإضافة إلى تمديد أجل الإعفاء للمقاولات المحدثة إلى سنة 2022.

من جهة أخرى، قررت الحكومة استعمال أداة الإعفاء الضريبي الجزئي بهدف الرفع من حجم المداخيل الجبائية خلال سنة 2018. وفي هذا السياق، ضمنت الحكومة قانون المالية لسنة 2018 بندا ينص على “إلغاء الغرامات والزيادات وصوائر التحصيل المتعلقة بالضرائب والواجبات والرسوم، بشرط أداء مبلغ الضريبة الأصلي قبل نهاية سنة 2018.

ومن خلال قراءة الحوافز التي تضمنها قانون مالية 2018، يمكن القول أن الدعم المتزايد على المستوى الجبائي وعلى مستوى تيسير اقتناء العقار، ومنح الاستثمار، سيثمر قطاعا صناعيا يعيش على أنبوب إعانات الدولة لا قطاعا يستطيع أن يكتسب مناعة وتنافسية ذاتية. وفي هذا الإطار، ستظل إشكالية الاستدامة والمردودية والتنافسية مطروحة.

5.     الضريبية التحفيزية الموجهة للمقاولات

وعن الإجراءات المخصصة لدعم الاستثمار الخاص والتحفيز على التشغيل، قدم قانون المالية عددا من الإجراءات الضريبية التحفيزية الموجهة للمقاولات، منها الإعمال لأول مرة بنظام الجدول التصاعدي في مجال الضريبة على الشركات، عوض جدول الأسعار النسبية المطبق حاليا، ما سيضخ إمكانات مالية معتبرة، خاصة على مستوى المقاولات الصغرى والمتوسطة.

IV- خلاصات واستنتاجات

–       يمكن القول أنه لا وجود لتصورات جديدة ومبتكرة، بل تم اللجوء إلى الحلول الترقيعية والسهلة من دون الأخذ بعين الاعتبار التأثير العكسي لمجمل هذه الإجراءات المقترحة، والتي من شأنها أن تؤدي إلى انفجار اجتماعي من خلال التقليص في الدخل والرفع في الأداءات.

–       لقد انحاز قانون المالية الجديد عن تحقيق العدالة الجبائية من خلال السكوت عن المتهربين وعدم إلزامهم علي دفع ما يستوجب عليهم دفعه كأداءات. وفي المقابل، يتواصل إثقال كاهل الأجراء والمؤسسات الاقتصادية المنظمة بمزيد من الضرائب. ولاشك أن البلاد تتطلب أكثر من أي وقت مضى مزيدا من إحكام ترشيد مصاريف الدولة والبحث عن حلول ناجعة أكبر، خاصة تلك المتعلقة بمكافحة التهرب الجبائي بشكل جدي وحاسم وتقوية أجهزة الرقابة وتحصيل عائدات إضافية للدولة.

–       لم ينجح قانون المالية في الوفاء لتوجهات البرنامج الحكومي، ذلك أن أغلب الإجراءات لا تترجم الطموحات الواردة فيه، فمثلا نسبة النمو التي حددها البرنامج الحكومي هي نسبة تتراوح بين 4.5% و5.5%، أما النسبة الواردة في قانون المالية فهي 3.2 % فقط.

–       من الملاحظ كذلك أن هذا القانون شأنه شأن سابقيه، لا يرتكز على سياسة اقتصادية ومالية تروم في عمقها رفع نسبة النمو والاستهلاك الداخلي، بقدر ما هي سياسة هدفها الرئيس المحافظة على التوازنات الماكرو-اقتصادية، وبالتالي إعادة إنتاج تنمية معطوبة. في الأصل

–       لا يمكن أن نواجه التنافسية الشرسة على المستوى الدولي بالحمائية، ولا يمكن لهذه الاخيرة، مع ازدياد الدعم، لا يقويان المنتوج الوطني بقدر ما يضعفانه. يجب أن نستثمر في البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا والرقميات، ونشجع القطاع الخاص على تولي الريادة في هذا الإطار لكي نجعل اقتصادنا ذا مناعة وتنافسية.

خاتمة

إن أهمية الحفاظ على القدرة الشرائية في هذه الظرفية الصعبة، على المستويين الوطني والدولي، شيء مهم للغاية، حيث ان العالم يشهد عدم الاستقرار والتذبذب في أسعار النفط. ويمكن القول كذلك بأن تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للوطن يتطلب تعبئة كافة الموارد للقيام بإنجازات حقيقية على أرض الواقع، وليس الاكتفاء بأرقام تبقى في غالب الأحيان مجردة ولا تلامس الواقع.