تتعاقب السنون والعقود ووتيرة العنف تتصاعد ليصبح ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والفوارق الطبقية والخصوصيات الثقافية والحضارية. فالعنف مشكلة قديمة جديدة، لا تكاد تبرح ساحتنا الإنسانية في سعي جاد لمصادرة الأمن الإنساني والاستقرار البشري. أما في بلداننا العربية والإسلامية فعلى الرغم من جميع محاولات التطور على مستوى الفكر والفعل الإنساني بما يلائم المدنية والتحضّر، فإن سيادة منهج العنف في الحوار والخطاب، وفي التعاطي مع الناس والأحداث، يخدش صورة أوطاننا التي أصبح العنف فيها مهنة يتقنها الجميع، ويدفع ضريبتها الجميع، وفي مقدمتهم النساء!

ماهية العنف ضد المرأة:

ورد مفهوم العنف في معاجم اللغة بمعنى اللوم والتوبيخ؛ يقال عنف فلان فلانا إذا لامه وغيره ووبخه وأنكر عليه شيئا وعامله بشدة وازدراء. وقد عرفت هيئة الأمم المتحدة العنف ضد المرأة في المادة الأولى من الإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة (1993م) بأنه “أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس، ويترتب عليه أو يرجح أن يترتب عليه أذى، أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية، أو الجنسية، أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو القسر، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أحدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.” 1

إن هذا التعريف، على أهميته، يحصر الدافع إلى الفعل العنيف في عصبية الجنس، في إشارة واضحة إلى العلاقة غير المتكافئة بين الجنسين، بيد أن العنف ضد المرأة قد يصدر من المرأة نفسها أو من جهات وأطراف أخرى في ما يمكن أن يسمى بالعنف المُرَكَّب.

وبالنظر إلى آثار العنف وانعكاساته على كيان المرأة ووجدانها وعطائها ورسالتها في صناعة الإنسان وبناء المجتمع، فإن العنف ضدها يمكن تحديده بشكل أدق في كونه: “كل فعل أو سلوك متعمد أو غير متعمد موجه إلى المرأة باعتبار جنسها أو باعتبارها مستضعفة، ويتسم بالقوة والحقد والعدوانية والكراهية مما يسبب لها أضرارا مادية أو معنوية تكون لها آثار سلبية على وجودها وقيمتها ورسالتها ووظائفها داخل الأسرة أو المجتمع. وقد يصدر هذا العنف من قبل أفراد أو جماعات أو دول، وقد يكون منظما أوغير منظم”. ومن هنا يتضح أن أيادي العنف الموجهة إلى المرأة متعددة ومتشابكة يتداخل فيها الفرد: المرأة ذاتها، والرجل بمختلف صفاته، والمجتمع بمختلف تركيباته ومحدداته، والدولة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها.

عنف الدولة:

شع نور الإسلام على الإنسانية ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويكرم الإنسان ذكرا وأنثى وفق قيم المساواة في الحقوق والواجبات والتكامل في الأدوار والوظائف، لتسعد البشرية بعبادة ربها وتعمر الأرض بما تقتضيه مهمة الاستخلاف التي أوكلها الله إليها. فانتقلت المرأة من حال الوأد والظلم والقسوة والاستغلال البشع، لترفأ في معاني الرفق والرحمة والتكريم. إلا أن الانحرافات السياسية التي عرفتها الأمة الإسلامية بعد زمن النبوة والخلافة الراشدة انعكست على أحوال المسلمين بشكل عام وعلى أحوال النساء بشكل خاص، فتدهور وضع المرأة بانحطاط المجتمع، وحبست بدعوى الفتنة، وظلمت باسم الشريعة والدين، لتطوى في كم النسيان تلك المرأة التي كانت في الكنف النبوي “حاضرة أقوى حضور، تمارس السياسة في أكمل مظاهرها، إذ كانت تناهض الوضع القائم، بل كانت مؤسسة لمشروع قلب العالم. كانت روحا من روح التعبئة، وطاقة من طاقات الجهاد” 2

 وتشهد كتب التاريخ وذاكرة الأمة على بشاعة أنواع العنف الذي مورس على المرأة – ولا يزال- في ظل حكم العض والجبر، فهي في قصور الحكّام جارية للغناء والرقص، وخادمة تجلد بالسياط إن كَلَّت أو امتنعت عن الخدمة، وخليلة للمتعة والفراش، وفي سوق الرقيق سلعة تباع وتشترى، وفي أفضل أحوالها مع الأربع الحرائر تخشى على نفسها أن تستبدل في لحظة من لحظات غضب الحاكم كما تستبدل الأحذية. إنه عنف روحي استهدف إيمانها وعلاقتها بربها، عنف جسدي وجنسي، مسخ كرامتها وانتهك عرضها، عنف فكري عطل فكرها وقدرتها على التعلم والإبداع، والأمَرُّ من هذا وذاك عنف نفسي غيب وجدانها وقيد إرادتها وشل قدرتها على البناء والعطاء، وطبعها ببصمة السفاهة والتفاهة والدونية.

 ولكي يأخذ عنف الحاكم المسَلَّط على المرأة طابع الرسمية ويصبح “عنف دولة” فقد حذا حذو الحاكم في تشييء المرأة وزيرُه وواليه ومستشارُه وقاضيه وحتى حاجبه، ثم انضاف إلى اللائحة بعد ذلك المستعمر الذي مارس عليها أبشع صور العنف حين أوقعها في شباكه فانقادت له وتشبهت به، وانتحلت جميع مذاهبه، ليصبح العنف ضد المرأة فعلا حرفة يتقنها الجميع !!!

عنف المجتمع:

يترعرع العنف ويشتد عوده في بيئة الظلم والاستبداد، وكلما كانت الدولة متسلطة، كلما كان العنف الممارس على شعبها أشد وأكبر، وكلما كان العنف المسلط على المرأة أقوى، فدولة الاستبداد التي تسوس الناس بعصا القهر والغلبة فتستعبدهم، وتكمّم أفواههم، وتخدر عقولهم، وتنهب أموالهم، وتعتمد المقاربة الأمنية المؤسَّسَة على القمع والتهديد والضرب والتعنيف والقتل وسيلة للالتفاف على مطالبهم وحقوقهم المشروعة، لا شك أن يتقمص معظم أبنائها صورتها العنيفة، فيتمثلون ذلك سلوكا في أسرهم ومحافلهم ونواديهم ومدارسهم وجامعاتهم وإداراتهم ومصانعهم. وهكذا تصبح كل مؤسسة بشرية داخل المجتمع صورة مُصَغَّرة لعنف الدولة. فلا يكون بعد ذلك داعٍ للاستغراب إن استغلت البطون الحرامية عرق المرأة في المصانع والمعامل، أو تعرضت للتحرش من جار أو زميل في العمل، أو امتدت إليها يد المتعلم بالإهانة والتعنيف، أو تكالب على الفقيرة المستضعفة من يضيق عليها سعيها ورزقها، فإن هي آثرت الوقوف في وجهه أزهق روحها !

       ولعل من أشد صور عنف المجتمع على المرأة ذاك المرتبط بالموروث الثقافي والتقاليد الجائرة، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “خاذل المرأة عميق الجذور في الفكر والعادات والفقه المنحبس التي رسخت في المرأة على مر العصور الانحطاطية الشعورَ بالدونية والعجز، وكسرت ثقتها بنفسها وبربها. بترت منها حاسة المسؤولية خارج نطاقها الضيق وأشغالها الخاصة وهمومها وآلامها وأميتها” 3

فالمرأة عاشت لعقود طويلة -ولا تزال- في أحضان ثقافة سائدة تفرق بين الرجل والمرأة، فتنظر إلى المرأة على أنها “لا شيء” وتروج بشأنها -زورا وبهتانا- أقاويل وموضوعات تحط من إنسانيتها وكرامتها، من ذلك الحديث الموضوع: “أفضل النساء من لا ترى أحدا ولا يراها أحد”، وكذبة “شاوروهن وخالفوهن”، وقولهم: “إنما النساء لُعَبٌ، فمَن اتخذ لُعبة فليُحْسنها” ومثل ذلك كثير… فالمرأة كما صَوَّرها الوضاعون المزيِّفون بالأمس، ويصورها خصومها اليوم، كائن من الدرجة الثانية، امتداد لسلطة الرجل، ناقصة العقل والدين (بالمعنى البعيد عن الهدي النبوي في النص وسياقه)، سفيهة الذمة، ينحصر وضعها الطبيعي في الزواج وتلبية متطلبات الرجل والقيام بأعباء الأسرة، وكل محاولة منها لتحقيق الذات عن طريق العلم أو العمل أو المشاركة في الشأن العام، فذاك من باب النافلة. وقد ساهم في تأكيد هذه الصورة القاتمة للمرأة أحكام وفتاوى فقهية ولدت من رحم فقه انحبس في دهاليز تاريخ المسلمين السياسي، وترعرع في ظروف تاريخية وسياسية خاصة، أحكام وفتاوى لا تعدو أن تكون قراءات فقهية مقلدة، أو قراءات حرفية متشددة، أو اجتهادات فقهية هي أقرب إلى الأعراف منها لجوهر السنة النبوية، المتمثل في الرفق و الرحمة بالنساء.

وقد مكنت هذه التقاليد والعادات الموروثة من جعل الرجل وصيا على المرأة في كل شيء، في جسدها، أفكارها، مبادئها، سلوكها، قراراتها، مبادراتها، علاقاتها وممتلكاتها، في إطار سيطرة ذكورية مطلقة تضمن له في المقابل التمتع – في حدود ما يتيحه له النظام الحاكم- بامتيازات سياسية واقتصادية واجتماعية على حساب المرأة.

عنف الأسرة:

لقد عاش المسلمون في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلوبهم وألسنتهم تلهج بدعاء القرآن ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما 4. دعاء يردده زوج وزوجة يجمعهما الود والرحمة، ويسألان الله تعالى الذرية الصالحة التي تَسُرُّهم في الدنيا، ويسعدون جميعا في الآخرة. هو الزواج الذي أناطه الإسلام بالمعاني الجليلة والمقاصد النبيلة، هو الميثاق الغليظ الذي يربطه الصدق والوفاء والعفة والمعروف والإحسان، يَرعى مقتضياته ويحمل مسؤولياته الزوج الرجل بقوامته، والزوج المرأة بحافظيتها، هو نموذج الأسرة الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وجَسَّده رسوله الكريم منهجا وسلوكا يحتذى.

 تزخر كتب الحديث بأحاديث الرفق داخل الأسرة، وابتذال العنف المسلط على النساء القوارير، ابتذال الظلم الذي هز عرش رب المستضعفين، فأنزل في خولة بنت ثعلبة ما ينصفها ويعيد اعتبارها. روى ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها قولها: “تبارك الذي أوعى سمعُه كلّ شي. إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: يا رسول الله! أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرْتُ له بطني (ولدت له أولادا) حتى إذا كبرت سني، ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك. قالت عائشة: فما بَرِحَتْ حتى نزل جبريل بهذه الآية: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها . 5 فكان سماع الله عز وجل شكواها، وعقاب الزوج الجائر، درسا استوعبه الصحابة، ودرسا لتستفيد منه الأمة.

 لقد حاط الشرع المرأة وكرمها صبية في حجر حنان الوالدين، وأوصى بها زوجا وصية مؤكدة، وحث على برها والدة حثاً آكد، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم معيار خيرية الرجل حسنَ معاملة ومعاشرة أهل بيته فقال عليه السلام: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، وجعل كمال الإيمان في الرفق بالأهل فقال عليه السلام: “إن من أكمل المومنين إيمانا أحسنُهم خلُقا وألطفُهم بأهله”. 6

اللطف بالأهل مخالف للعنف، وأشد أنواع العنف أثرا على المرأة عنف الزوج، المستمد مشروعيته اليوم من التربية الفاسدة، والأعراف والتقاليد البالية، التي تختزل قيمة الرجل في خشونته، وتسلطه وجبروته، “فمن كانت رجولته لا تتجلى إلا في الوحشية العضلية والعدوان على أم أولاده، وكانت مروءته تنتهي حيث ينتهي مجلس المؤانسة والمجاملة مع الأصدقاء، فإذا دخل البيت دخل غولا، وكان حساب الآخرة والرحمة بالخلق مزايا مجهولة في قارته فذاك أفعوان بشري” 7 وفي غضبة لله ورسوله يستنكر الإمام المرشد مهانة إماء الله فيقول: “من يعنف على المرأة إلا رجل عارٍ عن المروءة، لئيم، ناقص في الدين”. 8هو لئيم الطبع ناقص المروءة والدين، لأنه خالف أمر الله في الرحمة بإماء الله، وخالف وصية رسوله الكريم بالنساء خيرا. لئيم لأنه خان الأمانة.

إلى النموذج النبوي السامي تشرئب اليوم أعناق الضائعات في المجتمع، المقهورات وسط الأسر المهتزة دعائمها من الداخل، إذ في غياب التربية الصحيحة، تربع العنف والتسلط منهجا وسلوكا، لتتحول الأسر من محاضن للسكينة والطمأنينة والسعادة إلى حلبات للمصارعة، يتلذذ فيها القوي بقهر الضعيف، فكان نصيب الأنثى من هذا القهر والتعنيف النصيب الأوفر، تتشابك فيه الأيادي وتتعدد، يد الرجل بمتعدد صفاته، الأب، والأخ، والزوج، وحتى الابن، وفي كثير من الأحيان يد المرأة نفسها، في ما يمكن أن نسميه ب”عنف الظل” أو “العنف الراجع”.

 إنه عنف أسري يتخذ ألوانا وأشكالا تتأرجح بين عنف جسدي متمثل في الضرب والحبس القسري والاعتداء الجنسي والقتل، وعنف اقتصادي متمثل في استغلال كسب المرأة ومالها، وعنف معنوي يتلبس أشرس أنواع العنف الممارس على الأنثى داخل الأسرة، والذي يشمل إهانتها، احتقارها، شتمها، إهمالها، حرمانها من حق التعبير والاختيار، وإجبارها على الخدمة أو الزواج أو ممارسة الدعارة… وتكمن خطورة هذا العنف المعنوي أو الرمزي من جهة، في كونه غير محسوس ولا ملموس، وليس له أثر واضح، ومن جهة ثانية في مدى آثاره على الصحة النفسية للمرأة، ومن جهة ثالثة في صعوبة الاعتراف به وإثباته من طرف القانون.

خاتمة:

 إذا كان العنف المسلط على المرأة قد أضحى حرفة يمتهنها ويتقنها الجميع، مرورا بالدولة ومؤسساتها، والمجتمع بمختلف شرائحه، والأسرة بكافة أفرادها -إلا من رحم الله- فإن الحديث عن امتهان العنف، ولكن هذه المرة، بمعنى ابتذاله واحتقاره، قد أصبح أمرا لازما وملحَّا، انسجاما مع الوحي الإلهي، والهدي النبوي، والفطر السليمة التي تحمد إلى المجتمعات الإنسانية الرحمة والرفق وسيلة للتعايش، وتمقت إليهم الفساد والظلم والعنف الذي لم يزد مجتمعاتنا إلا تمزقا وتخلفا. فإذا كان تعنيف المرأة داءًا مسّ جسم الأمة بُعَيد التنزيل، فإنه نخر هذا الجسم، وتجذر في مجتمعاتنا على يد حكام عَضٍّ جاروا، وحكام جَبر انخذلوا، وعلماء خَنسوا، ودعاةٍ انحرفوا، ومثقفين اتَّبعوا، وعامةٍ من الرجال والنساء انساقوا لدين الانقياد، وانتحلوا دين الغالب، فانكمشوا وخملوا وصمتوا..

 وإنه كلما تشعبت وتفرعت عروق الداء، كان تشخيص الدواء أمرا صعبا غير هَيّن. وتبقى الخطوة الأولى إلى الشفاء معرفة أصل الداء واستئصال شأفته، ودون ذلك أمران: أولهما إصلاح لنظام الحكم وما يلحق به من فروع، وثانيهما تربية الإنسان ثم التربية ثم التربية. دون ذلك باختصار: عدل وإحسان.


[1] الوثائق والتقارير المقدمة من مقررة العنف ضد المرأة في الأمم المتحدة.
[2] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات 2/311- 312.
[3] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، 1/ 16
[4] سورة الفرقان، الآية 74
[5] سورة المجادلة، الآية 1
[6] رواه الترمذي.
[7] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج2- 186.
[8] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج1- 169