عرفت السنوات الأخيرة طفرة نوعية على مستوى الترسانة القانونية المنظمة لوضعية المرأة في شتى المجالات بدءا من مدونة الأسرة، فمرورا بمدونة الشغل، وانتهاءا بقانون العمال المنزليين، حيث حاول المشرع المغربي ملاءمة قوانينه الوطنية مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقع عليها وخاصة “اتفاقية مناهضة العنف ضد المرأة” أو ما يعرف باتفاقية “سيداو”، و“اتفاقيات حقوق الطفل”.

وفي هذا السياق يأتي مشروع القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء نتيجة شراكة بين وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، ووزارة العدل والحريات. حاول من خلاله واضع المشروع أن يقارب ظاهرة العنف ضد المرأة بمختلف أشكاله وألوانه. فهل استطاع المشرع أن يعالج هذه الظاهرة من مختلف جوانبها؟ وإلى أي حد استجاب نص المشروع لتطلعات الحركة النسائية وكل المهتمين بقضية المرأة؟

أسئلة وغيرها سنحاول ملامستها من خلال محورين: المحور الأول نتناول فيه مضامين نص المشروع، فيما نعرج في المحور الثاني على بعض الملاحظات التي عنت لنا أثناء الاطلاع على مواده.

المحور الأول: مضامين نص المشروع

يتكون مشروع القانون رقم 13-103 من مذكرة تقديم تضمنت دواعي صياغة مشروع قانون يعنى بمكافحة العنف ضد النساء، وخمسة أبواب.

تناول الباب الأول في المادة الأولى تعريف العنف ضد المرأة، ونص على أنه كل فعل أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة.

بينما استعرض الباب الثاني مجموعة من المقتضيات الزجرية التي رامت تغيير أو تتميم بعض مقتضيات القانون الجنائي، وأخرى أضافت إلى نصوص القانون المذكور فصول جديدة.

ومن أهم ما ورد في المقتضيات التي غيرت وتممت نصوص القانون الجنائي ما يلي:

– المادة 2 من المشروع عدلت الفصل 404 من القانون الجنائي بحيث سوى بين العنف ضد المرأة البين أو المعلوم حملها والعنف ضد الأصول، ونفس الأمر بالنسبة للطليق الذي يتم تعنيفه أمام أحد الأولاد أو الأبوين.

– بينما عدل واضع المشروع الفصل 431 من القانون الجنائي، المتعلق بالامتناع عن تقديم مساعدة لشخص في خطر حيث خفض الحد الأقصى للعقوبة إلى سنتين بدل خمس سنوات، وأضاف فقرة أخرى ضاعف فيها العقوبة إذا كان الجاني زوجا، أو أحد الأصول أو أحد الفروع، أو كافلا، أو شخصا له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلفا برعايتها، أو إذا كان الضحية قاصرا، وكذا في حالة العود.

– في حين شمل المشروع المطرود من بيت الزوجية، سواء كان زوجا أو محضونا، بالحماية المنصوص عليها في الفصل 481 من القانون الجنائي.

– المادة 4 من المشروع عدلت الفصل 61 و407 من ق. ج. إذ أضافت إلى التدابير الوقائية الشخصية المنصوص عليها في الفصل 61 تدبيرين آخرين هما: منع المحكوم عليه من الاتصال بالضحية، وإخضاع المحكوم عليه لعلاج نفسي ملائم. كما ضاعفت العقوبة المنصوص عليها في الفصل 407 المتعلق بالمساعدة على الانتحار إذا ارتكبت الجريمة ضد قاصر، أو من طرف أحد الزوجين في حق الزوج الآخر، أو من طرف أحد الفروع، أو أحد الأصول أو الكافل أو شخص له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلف برعايتها.

– أما المادة 5 من المشروع فقد أضافت نصوص أخرى إلى مجموعة القانون الجنائي يتمثل أهمها فيما يلي:

– الفصل 1-88: بمقتضاه خول المشرع للمحكمة في حالة الإدانة من أجل التحرش أو الاعتداء أو الاستغلال الجنسي أو سوء المعاملة أو العنف ضد المرأة أو القاصرين، الحكم بمنع المحكوم عليه من الاتصال من الضحية أو الاقتراب من مكان تواجدها أو التواصل معها بأية وسيلة، لمدة لا تتجاوز خمس سنوات ابتداء من تاريخ انتهاء العقوبة المحكوم بها عليه، أو من تاريخ صدور المقرر القضائي، كما يمكنه إخضاع المحكوم عليه لعلاج نفسي ملائم. كما جوزت المادة 3-88 للنيابة العامة أو قاضي التحقيق في حالة المتابعة من أجل نفس الجرائم الأمر بمنع الشخص المتابع من الاتصال بالضحية أو الاقتراب من مكان تواجدها، أو التواصل معها بأية وسيلة إلى حين بث المحكمة في القضية.

– الفصل 1-429: ضاعف العقوبة المنصوص عليها في الفصول المنظمة لجريمة التهديد إذا كان مرتكب الجريمة أحد الزوجين ضد الزوج الآخر أو أحد الأصول أو الفروع…

– الفصل1- 436 من ق. ج.: غلظ عقوبة الاختطاف أو الاحتجاز إذا ارتكب من قبل أحد الزوجين أو… أو مكلفا برعايته أو إذا تعرض الضحية لعنف آخر كيفما كان نوعه. ورفعها إلى السجن من 10 إلى 20 سنة في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 463، وإلى السجن من 20 إلى 30 سنة في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من نفس الفصل.

– الفصلان 1-444 و2-444: ضاعفا العقوبة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من الفصلين إذا ارتكب السب أوالقذف ضد امرأة بسبب جنسها.

– الفصل 1-448: عاقب بالحبس من 6 أشهر إلى ثلات سنوات وغرامة من 2000 إلى 20000 درهم كل من قام عمدا، وبأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة أصحابها. كما عاقب بنفس العقوبة بتثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص، دون موافقته.

– الفصل 1-480: جرم الطرد من بيت الزوجية أو الامتناع عن إرجاع الزوج المطرود.

– الفصل 1-481: نص على أن تنازل المشتكي يضع حدا للمتابعة ولآثار المقرر القضائي المكتسب لقوة الشيء المقضي به في حالة صدوره.

الفصل1-1-503: جرم التحرش الجنسي المرتكب في الفضاءات العمومية بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية، أو بواسطة رسائل مكتوبة أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية. وعاقب على هذه الأفعال بالحبس من شهر واحد إلى 6 أشهر وغرامة من 2000 إلى 10000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، في حين ضاعف العقوبة إذا كان الجاني زميلا في العمل أو من الأشخاص المكلفين بحفظ النظام والأمن في الفضاءات العمومية أو غيرها.

– الفصل 2-1-503: غلظ العقوبة ورفعها إلى الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000 درهم إذا ارتكب التحرش الجنسي من قبل أحد الأصول أو المحارم أو من قبل شخص له ولاية أو سلطة على الضحية أو كافلا له، أو كان الضحية قاصرا.

– الفصل 1-2-503: جرم الإكراه على الزواج باستعمال العنف أو التهديد وعاقبه بالحبس من 6 أشهر إلى سنة وغرامة من 10000 درهم إلى 30000 درهم او بإحدى هاتين العقوبيتن.

بينما ضاعف العقوبة إذا تم الإكراه على الزواج باستعمال العنف والتهديد ضد امرأة بسبب جنسها أو ضد قاصر. وقيد المتابعة بتقديم شكاية من الشخص المتضرر من الجريمة، كما جعل من التنازل على الشكاية سببا يحد من المتابعة ومن آثار المقرر القضائي المكتسب لقوة الشيء المقضي به في حالة صدوره.

الفصل 1-526: جرم تبديد أحد الزوجين لأمواله أو تفويتها بسوء نية وبقصد الإضرار بالزوج الآخر أو الأبناء أو التحايل على مقتضيات مدونة الأسرة. وقيد المتابعة بتقديم شكاية.

في حين تطرق الباب الثالث إلى التعديلات التي همت قانون المسطرة الجنائية، وهكذا أضافت المادة 6 من المشروع فقرة إضافية إلى المادة 302 من قانون المسطرة الجنائية، نصت بموجبها على أنه إذا تعلق الأمر بقضية عنف أو اعتداء جنسي ضد امراة أو قاصر يمكن للمحكمة بطلب من الضحية أن تعقد جلسة سرية.

كما أضافت المادة 7 من المشروع فقرة إضافية إلى المادة 7 من ق. م. ج. مكنت بموجبها الجمعيات التي تعنى بقضايا مناهضة العنف ضد النساء حسب قانونها الأساسي من الانتصاب كطرف مدني بعد الحصول على إذن كتابي من الضحية.

وأخيرا أضافت المادة 8 من المشروع المادة 1-5-82 إلى قانون المسطرة الجنائية التي خولت بموجبها لوكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو قاضي التحقيق كل فيما يخصه اتخاذ مجموعة من التدابير الحمائية في قضايا العنف ضد النساء.

وفي الباب الرابع أحدث المشرع خلايا ولجان مشتركة بين القطاعات تتكفل بالنساء ضحايا العنف، تحدث بالمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، وبالمصالح المركزية والخارجية للقطاعات الحكومية المكلفة بالصحة وبالشباب وبالمرأة، وكذا بالمديرية العامة للأمن الوطني والقيادة العليا للدرك الملكي. وتتكون هذه الخلايا من لجنة وطنية ولجان جهوية ولجان محلية. ونظم هيكلة هذه اللجان في المواد 11، 13، 15. وتطرق إلى مهامها في المواد 12، 14، 16.

وأخيرا نص الباب الخامس على دخول هذا القانون حيز التنفيذ داخل أجل ثلاثة أشهر من نشره بالجريدة الرسمية.

المحور الثاني: ملاحظات حول نص المشروع

باستقراء مواد مشروع القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، يمكن تسجيل عدة مقتضيات إيجابية من قبيل تجريم التحرش الجنسي في الأماكن العامة، والتحرش المرتكب من قبل الزميل في العمل أو الشخص المكلف بحفظ النظام والأمن العمومي. وكذا تجريم التحرش الجنسي المرتكب بواسطة رسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجبلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية.

– تجريم الطرد من بيت الزوجية لكل من الزوج والمحضون، وأيضا الامتناع عن إرجاعهما.

– معاقبة العنف ضد المرأة البين أو المعلوم حملها والطليق الذي تم تعنيفه أمام أحد الأبناء أو الأبوين بنفس عقوبة العنف ضد الأصول.

– تجريم الإكراه على الزواج باستعمال العنف أو التهديد مع مضاعفة العقوبة إذا كان المجني عليه امرأة أو قاصرا.

– تجريم تبديد أو تفويت أموال الزوجية بسوء نية ضدا على مقتضيات مدونة الأسرة.

– إقرار مجموعة من التدابير الوقائية من قبل منع المحكوم عليه من الاتصال بالضحية، وإخضاعه لعلاج نفسي ملائم…

إلا أنه رغم هذه الإيجابيات التي تسجل لفائدة المشروع، فإننا نسجل مجموعة من المؤاخذات عليه نجملها فيما يلي:

– واضع المشروع استهدف به تعديل مجموعة من فصول القانون الجنائي والمسطرة الجنائية وليس وضع قانون خاص لمحاربة العنف ضد المرأة.

– واضع مشروع القانون عنونه بـ“مشروع قانون رقم 13-103 يتعلق بمحاربة العنف ضد النساء” بما يوحي أن كل مواده تستهدف ملاحقة وتجريم العنف بجميع صوره وأشكاله ضد المرأة، والحال أنه كما تقدم الحديث سابقا فإن مقتضيات المشروع همت حماية مجموعة من فئات المجتمع من قبيل الأصول، والقاصرين، والأزواج، والكافل، والشخص الذي له ولاية أو سلطة على الجاني، أو المكلف برعايته، الأمر الذي كان ينبغي معه والحالة هذه تسمية القانون بمحاربة العنف ضد أفراد الأسرة طالما أن الغالب على مواده هو حماية هذه المؤسسة مع بعض الاستثناءات.

– المشرع وضع تعريفا للعنف في المادة الأولى من القانون بشكل يعوق تطور التفسير القضائي لمفهوم العنف، ويحد من اجتهاد القضاء في تكييف أفعال جديدة وإدخالها في نطاق العنف ضد المرأة.

– ضعف الصياغة والركاكة في الأسلوب في بعض الأحيان، ويظهر ذلك جليا من خلال المادة الأولى، حيث وردت فيها العبارة التالية “من أجل تطبيق أحكام هذا القانون يراد بما يلي”: بما يوحي بأن هناك عدة مؤسسات قانونية سيتم التعريف بها، والحال أنه تم التعريف فقط بالعنف ضد المرأة.

– استعمال بعض الألفاظ الخاطئة من قبيل: “من طرف” في الفصول 1-436،3-448،2-1- 503 والصحيح “من قبل” و”تواجد” في الفصول 1- 88، 3-88 والصحيح وجود لأن التواجد حالة نفسية، و”في حق” في الفصل 407 من القانون الجنائي والصحيح هو “ضد” إلى غير ذلك من الأخطاء الشائعة.

– المشرع حينما وضع تعريفا للعنف قيده بضرورة ترتب ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة، وبناء عليه يبقى العنف المرتكب دون حصول ضرر غير مجرم.

– الفصل 407 من القانون الجنائي، رغم التعديل المدخل عليه بموجب المادة 4 من المشروع لازال يربط تجريم المساعدة على الانتحار بوقوع النتيجة فعلا، رغم أن عدم وقوعها لا ينفي الخطورة الإجرامية التي يتصف بها من قدم المساعدة على فعل الانتحار.

– الفصل 1-436: اعتبر تعريض المجني عليه لعنف آخر كيفما كان نوعه سببا لتغليظ العقوبة دون أن يعنى بتحديد مفهوم العنف، علما أن الفصل 438 من القانون الجنائي رفع العقوبة إلى الإعدام إذا تعرض المخطوف أو المحبوس أو المحجوز لتعذيب بدني.

– الأفعال المجرمة في الفصلين 1-448 و2-448 من ق. ج. لا تتعلق بمحاربة العنف ضد المرأة، وإنما تتعلق بأفعال تهم أفراد المجتمع برمته، ومكانها الطبيعي هو القانون الجنائي أو قانون حماية المعطيات الشخصية.

– طغيان المقاربة الزجرية على نص المشروع، وكأن واضعه كان مدفوعا بهاجس الزجر أمام ارتفاع نسبة العنف ضد المرأة، في مقابل غياب الوسائل البديلة للعقاب، والتي طبعت السياسة الجنائية للمغرب في تنزيل ميثاق إصلاح منظومة العدالة.

– غياب تجريم العنف الإعلامي، المرتكب بواسطة الوسائل المرئية أو المكتوبة أو عبر الأنترنيت أو اللوحات الإشهارية، والذي يستغل جسد المرأة بشكل يجعل منه أخطر أنواع العنف، إن لم يمكن المصدر الرئيسي لجلها.

– غياب تمثيلية المؤسسات الشرعية والدينية في تشكيل الخلايا واللجان الوطنية والجهوية والمحلية، والتي يمكنها أن تلعب دور الوسيط في حل الخلافات الأسرية بما لها من تخصص في الجانب الشرعي والفقهي، ولم لا إحداث مؤسسات خاصة بالوساطة الأسرية على غرار مجموعة من الدول.

وخلاصة القول: إن أي إصلاح قانوني مهما بلغت درجة تطوره، لن يكون له أثر في معالجة قضية المرأة خاصة إذا كان مصدره توصيات واتفاقيات دولية، ولا يرتكز على تشخيص حقيقي لواقع المرأة، وبحث في الأسباب الكامنة وراء الانتكاسة الحقوقية التي تعيشها في جميع المجالات. وإن قضيتها لن تجد حلا إلا في إطار معالجة شمولية ومندمجة لمشاكل الأمة ككل. وإلا فمن شأن الاقتصار على المقاربة القانونية تعميق الهوة ورفع حدة الصراع بين المرأة والرجل، ليبقى الخاسر الأول والآخر هو الأسرة.

الأستاذة السعدية اضريـس: محامية بهيئة الدار البيضاء.