بسم الله الرحمن الرحيم

سياج العنف القاتل

في كل مرة نستحضر ظاهرة العنف ضد النساء، تختنق فينا الكلمات ممتزجة بغصة المرارة والألم، وفي كل مرة نستنكر منكرا كهذا من جانٍ انفصل عن كل قيم المروؤة والأخلاق؛ نتذكر أن الجانيَ هو أيضا ضحية من ضحايا عنف مركب أنتجه استبدادٌ فصل عمدا التربيةَ عن الشأن العام؛ فما فتئت أن انفصلت عن الشأن الخاص، وأصبح العنف ككرة الثلج كلما تدحرجت من أعلى الجبل؛ كلما كبر حجمها وازداد ثقلها على ساكني السفح من المستضعفين، والمرأة مستضعفة المستضعفين.

ذاك هو العنف العميق حين تسلط فئاتٌ من الشعب على فئاتٍ؛ يضربُ بعضها بعضا في ملهاة تراجيدية، نهايتها محسوبة حسب المقياس المخزني، ولا صوت يعلو فيها إلا قانون غاب يرغم المستضعفين على الفرار من الجوع وقوفا في طوابير الإهانة لتسقط الكرامة قتيلة ذليلة في بلد “ـسعيدٍ كَثُر حساده”.

عنف على كل الواجهات يذكرنا بأيام “السيبة” حيث لا رقيب ولا حسيب، عنف تلون بألوان المرارة حيث أصبحت أجساد النساء معبرا للتنفيس عن ضغط الجهل والفقر والظلم.

لكننا اليوم ونحن نستقبل ذكرى اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء، ونحن في “دولة الحق والقانون” و”المقاربات التنموية”، والشعارات الرنانة التي تُسكر العقول الخفيفة، نجد أن العنف قد اتخذ أسوأ تمظهراته بعد أن أصبح ممارسة ممنهجة من طرف دولة تتبناه؛ بحمايتها لأخطبوط الفساد المستأثر بالثروات الهائلة، بينما المسكينة تتقاذفها لقمة العيش، إن كان على أبواب سبتة في موعد يومي مع أحمال تقصم ظهر البعير وتشيب منها النواصي، والموتُ دهسا يترصدها في كل ازدحام. أو كان بين ردهات وأقبية الدعارة تُقَايِض بضاعةً هي جسدها الذي يصبح ملكا لصاحب النزوة مقابل كسرة خبز ممرغة في أوحال الاستعباد والرق، تقايض إنسانيتها وكينونتها وتتنفس ذلا ومهانة، بل وتتعرض لكل احتمالات العنف وأنواعه وأشكاله. أو كانت على أرصفة الأسواق التي سرقت أنوثتها بينما تحاول كسبا حلالا، تقف بثياب رثة وأيد متشققة؛ ووجوه تفنن عنف الزمن بأنْ نحت عليها أخاديدَ عميقةً بعمقِ القهر والمذلة، يحاربن فقرا ما استطعن يوما هزيمته. أو أن تسلم الروح فداء لحفنة طحين، وكنا قد سمعنا عن شهداء العقيدة وسمعنا عن شهداء الوطن في معارك التحرير، وها قد أطال الله في أعمارنا لنسمع عن شهداء كسرة الخبز في بلد هو الأول عالميا في إنتاج الثروة الفوسفاطية، ويمتلك مناجم للذهب وأكبر منجم للفضة في إفريقيا، وثروة سمكية يذهب خراجها إلى رؤوس الفساد ومن يحميهم… وما خفي كان أعظم.

طالع أيضا  بيان القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان بمناسبة 8 مارس: وتستمر المعاناة

فأي مقاربة – تقنع المغاربة – بين ضخامة الثروات ونساء تموت دهسا وهن يهربن من الموت جوعا، وأي عنف تتعرض له المرأة أنكى من عنف ضيق العيش الذي يكدر حياتها ويرهن للمجهول مستقبلها ومستقبل أسرة هي كفيلتها ومعيلتها، وأي عنف أشد حدة من سيف حاجة لا تُدْرَك رغم ما تكابده من عناء، ورغم حجم المجهود الذي تبذل.

إنه سياج العنف القاتل يُسيَج الوطن حين يعبث بمصيره العابثون….

وإذ نستعرض أحداث سنة هي كسابقاتها العجاف، نستحضر عنفا نحن ضحاياه، كمتتبعات لوقائع ما عدنا قادرات على إحصائها بسبب هول المشاهد والصور، نطحن طحنا بسبب ما راكمته نفسياتنا من غضب على سوء أحوال غلبت فيها العصي وحكمها قانون البقاء للأقوى، نقف لنعلن:

· تحميلنا الدولة مسؤولية ما تتعرض له النساء المغربيات من عنف متعدد الأشكال في غياب حماية قانونية وتربوية رادعة.

· تضامننا مع كل النساء اللواتي داست كرامتهن إهانةُ كل ساقط من المروءة.

· تضامننا مع كل المنهكات في الحقول والمعامل والجبال المنسية.

· حسرتنا على كل المرميات إهمالا على عتبات البيوت والشوارع ومستشفيات الموت.

· استنكارنا لكل أشكال العنف التي طالت كل الشرفاء في بلدنا ذكرانا وإناثا شيبا وشبابا.

· دعوتنا كل الشرفاء من ذوي الغيرة على مصير هذا الوطن إلى الاصطفاف جميعا في جبهة واحدة لمقاومة أصل العنف ومنبته: الفساد والاستبداد.

· تجديدنا الدعوة إلى جبهة نسائية موحدة فوق كل الانتماءات والتوجهات السياسية للخروج بواقع المرأة المغربية إلى حيث العزة والكرامة.

القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان

المكتب القُطري