يطل علينا اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة الذي يوافق الخامس والعشرين نونبر من كل سنة.

في بلدنا كما هو الشأن في باقي بلدان العالم، يعتبر هذا اليوم فرصة للوقوف على الإحصاءات والأرقام التي ترصد تطور الظاهرة، فنشجب ونندد، ونردد نفس الكلام. تختلف التعبيرات حسب أحاسيسنا عند الكتابة… ثم ينقضي اليوم العالمي وتظل المرأة تعاني طوال السنة، لأن العنف حكاية نسجت خيوطها منذ زمن ولى وما زالت تغزل خيوطها إلى يومنا هذا.

إن المناهضة الجادة لظاهرة العنف تقتضي عدم تجزيء القضية وتناولها بمعزل عن قضايا المجتمع والأمة، والبحث عن الأسباب الحقيقية لتفاقم الظاهرة. فقضية العنف ضد النساء تتأثر بما تعيشه البلاد من مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

إنها قضية مجتمع غاب عنه العدل واحتل مكانه الظلم.

في هذا المقال سأسلط الضوء على العنف السياسي باعتباره شكلا من أشكال العنف ضد المرأة، حيث أشارت العديد من الدراسات إلى علاقته المباشرة بتزايد العنف المجتمعي والأسري ورفعه من وتيرة الانتهاكات ضد النساء حيث يصبحن الجهة الأكثر ضعفا لتفريغ المكبوت.

فما المقصود بالعنف السياسي؟ وما علاقته بالعنف ضد المرأة؟ وكيف السبيل إلى مواجهته والحد من آثاره؟

يقصد بالعنف السياسي، العنف الذي تمارسه الدولة عبر منظومة من القوانين والتشريعات والسياسات والممارسات التمييزية ضد النساء، ويكون العنف سياسيا حينما يرتبط الضرر والأذى بجهة سياسية حاكمة أو سياسية فاعلة قادرة على التأثير على الشرائح النسوية الموجودة في المجتمع.

والعنف السياسي لا يقف عند لون واحد، فهو أشبه بكرة الثلج، ويتخذ أشكالا متعددة: إما التصفية الجسدية أو السجن بدون محاكمة أو الاعتقال عقب المظاهرات السلمية، أو استعمال الأسلحة والغازات السامة أو المسيلة للدموع مثلما نرى الآن في الكثير من الدول في مواجهة أنظمتها للمظاهرات السلمية التي تخرج مطالبة بالتغيير والإصلاح. ومن خلال هذه الأشكال تتأذى المرأة إما بشكل مباشر عند المساس بحريتها أو بشكل غير مباشر عند الإضرار بشخص قريب منها كالأبناء أو الزوج باعتقالهم أو بمنعهم من السفر أو بالإقامة الجبرية. حينئذ تتعدد الآثار النفسية والجسدية للعنف السياسي على المرأة على حد تعبير إحدى الشاعرات بعد تعرضها للاعتقال السياسي: ّكل كدمات الجسد ذهبت… ولكن كدمات الروح باقية”.

من خلال ما سبق تتجلى لنا العلاقة بين عنف الدولة والعنف ضد المرأة. والتاريخ يشهد أنه كلما كان البلد ديمقراطيا، وكلما احترمت الحريات، وكلما احترمت حقوق الإنسان، كلما تمتعت المرأة بشكل آلي باحترام حقوقها وحرمتها الجسدية. وكلما كانت الدولة متسلطة وكان الحرمان من حرية التعبير وحرية التنظيم، كلما كانت معاناة المرأة أشد والعنف المسلط عليها أبشع وأفظع.

فعندما تمارس الدولة وأعوانها من رجال الأمن الذين يفترض فيهم حماية الحرمة الجسدية للمواطنين، عندما يمارسون العنف، فماذا ننتظر من المواطن تجاه أسرته؟ وكيف سيكون سلوك الرجل تجاه المرأة؟ وسلوك الاثنين تجاه الأبناء؟

لا شك أن هذه التراتبية والسيطرة الذكورية تدفع المرأة إلى تكريس نفس الثقافة في نفوس أطفالها وتغرس في عقولهم فكرة دونية المرأة وسيادة الرجل، فتربي جيلا غير متوازن، وبذلك تصبح المرأة عاملا محفزا على العنف برضوخها واستسلامها. و“من ذا الذي يرضى أن تنسل له زوجه ذرية ضعيفة مهينة مريضة نفسيا… إذا كانت العشرة الزوجية معتلة فالأمومة معوقة والذرية ترضع الآلام”. 1

وهكذا تستمر عجلة العنف في الدوران، فكيف السبيل إلى إيقافها والحد من آثارها؟؟

إن التصدي لظاهرة العنف بجميع أشكاله لن يكون ذا جدوى دون توفير الحماية القانونية للمرأة وتضييق الهوة بين الخطاب والممارسة لكافة أجهزة الدولة، والقطع مع كل الممارسات المهينة لكرامة المرأة بصفة خاصة والإنسان بصفة عامة.

دون أن ننسى الدور المحوري للإعلام، فمطلب تحسين صورة المرأة في المشهد الإعلامي يعد مدخلا أساسيا ومحوريا لترسيخ قيم الإنصاف، وسبيلا لمقاومة موجة التمييع والتسطيح والاستهتار بكرامة المرأة.

هذه المطالب تلزمها جرأة وإرادة سياسية لكون العلاقة بين العنف السياسي والعنف ضد المرأة علاقة تلازمية، ولاعتبار عنف الدولة صورة مكبرة للعنف على مستوى الأسرة، ولن يصلح الفرع إلا بصلاح الأصل.

وبتكاثف الجهود وانخراط مؤسسات المجتمع المدني وذوي المروءات في المجتمع في إحقاق الحق وإقرار الكرامة والعدالة الاجتماعية، يمكننا حقا الحديث عن مناهضة ظاهرة العنف ضد المرأة، وإلا فموعدنا يتجدد كل سنة للشجب والتنديد والاستنكار.


[1] عبد السلام ياسين كتاب تنوير المومنات ص: 208